المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة الأولىذهب الجماهير إلى أنه ليس كل مجهد في الأصول مصيبا - نهاية الوصول في دراية الأصول - جـ ٨

[الصفي الهندي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الرابعفي الركن الثالثوهو العلة

- ‌القسم الأول:في الطرق الدالة على كون الوصف علة الحكم

- ‌الفصل الثانيفي إثبات العلية بالمناسبة والإخالةوهي من الطرق العقلية

- ‌المسألة الأولىفي تعريف المناسب:

- ‌المسألة الثانيةاعلم أن الحكم إذا شرع للمناسبة فلابد وأن يكون محصلًا للمصلحة أو دافعًا للمفسدة، أو محصلًا للمصلحة ودافعًا للمفسدة معًا

- ‌المسألة الثالثةفي تقسيم المناسب

- ‌المسألة الرابعةفي أن مناسبة المصلحة تبطل وتحرم بمناسبة مفسدة مساوية أو راجحة، وقال قوم لا تبطل وهو اختيار الإمام

- ‌المسألة الخامسةفي إقامة الدلالة على أن المناسبة دالة على كون الوصف علة الحكم

- ‌الفصل الثالثفي قياس الشبه

- ‌المسألة الأولىفي تعريف ماهيته

- ‌المسألة الثانيةفي إقامة الدلالة على أنه حجة إذا اقترن به الحكم

- ‌المسألة الثالثةذهب بعض أصحابنا أن الوصف الشبهي إذا لم يعرف تأثير عينه في عين الحكم بل عرف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم لا يكون حجة. وخالفه الباقون وهو المختار

- ‌الفصل الرابعفي الدورانويسمى بالطرد والعكس

- ‌الفصل الخامسفي السبر والتقسيم

- ‌الفصل السادسفي الطرد

- ‌الفصل السابعفي تنقيح المناط

- ‌الفصل الثامنفيما ظن أنه من طرق إثبات العلة وليس كذلك

- ‌القسم الثانيمن الطرق الدالة على أن الوصف لا يجوز أن يكون علة الحكم

- ‌الفصل الأولفي النقض

- ‌المسألة الأولىاختلفوا في أن ذلك هل يقدح في علية الوصف أم لا

- ‌المسألة الثانيةالقائلون بأن تخلف الحكم عن الوصف لمانع أو لغير مانع لا يقدح في عليته اتفقوا على أن تخلفه كذلك عن حكمة الوصف لا يقدح في عليته.فأما القائلون بأن تخلفه عن الوصف يقدح في عليته اختلفوا في أن تخلفه عن حكمه المقصودة هل يقدح في عليته أم لا

- ‌المسألة الثالثةالقائلون بتخصيص العلة اختلفوا في أنه هل يجب على المستدل ابتداء التعرض لنفي المانع، أم لا

- ‌المسألة الرابعةالقائلون بعدم تخصيص العلة اختلفوا في النقض إذا كان واردًا على سبيل الاستثناء

- ‌المسألة الخامسةفي الكسروهو نقض يرد على بعض أوصاف العلة

- ‌المسألة السادسةفي كيفية دفع النقض

- ‌الفصل الثانيفي عدم التأثير والعكس

- ‌المسألة الأولىفي معناهما:

- ‌المسألة الثانيةفي أن عدم التأثير يقدح في العلية

- ‌المسألة الثالثةفي أن العكس غير واجب في العلة عقلية كانت أو شرعية

- ‌الفصل الثالثفي القلب

- ‌المسألة الأولىفي حقيقته

- ‌المسألة الثانية

- ‌المسألة الثالثةفي أقسام القلب:

- ‌الفصل الرابعفي القول بالموجب

- ‌الفصل الخامسفي الفرق

- ‌المسألة الأولى

- ‌المسألة الثانيةيجوز تعليل الحكم الواحد نوعًا المختلف شخصًا بعلل مختلفة وفاقًا

- ‌المسألة الثالثةالقائلون بكون الفرق يقدح في العلية اختلفوا في أنه هل هو من تمامه ولوازمه نفيه عن الفرع أم لا

- ‌المسألة الرابعة

- ‌القسم الثالثفي أمور ظنت أنها تفسد العلة مع أنها ليست

- ‌المسألة الأولىفي تقسيم العلة

- ‌المسألة الثانيةاختلفوا في جواز التعليل بمحل الحكم، أو جزئه الخاص:

- ‌المسألة الثالثةالحق أنه لا يجوز أن تكون علة الحكم في الأصل بمعني الأمارة

- ‌المسألة الرابعةيجوز التعليل بالحكمة عند قوم.وقال قوم لا يجوز

- ‌المسألة الخامسةذهب جمع إلى جواز التعليل بالعدم ثبوتيا كان الحكم أو عدميا

- ‌المسألة السادسةاختلفوا في جواز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي:

- ‌المسالة السابعةالتعليل بالأوصاف العرفية

- ‌المسألة الثامنةالتعليل بالوصف المركب جائز عند المعظم، وقال بعضهم لا يجوز

- ‌المسألة التاسعةأطبق الكل على أن العلة المنصوصة أو المجمع عليها يجوز أن تكون قاصرة، وأختلفوا في المستنبطة:

- ‌المسألة العاشرةاتفقوا على التعليل بمجرد الاسم غير جائز

- ‌المسألة الحادية عشرة

- ‌المسألة الثانية عشرةذهب الأكثرون إلى إنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة، خلافا للأقلين من المتأخرين

- ‌المسألة الثالثة عشرةفي تقسيم العلة باعتبارات أخر غير ما تقدم

- ‌المسألة الرابعة عشرةاعلم أن الاستدلال قد يكون بذات العلة على الحكم، وقد يكون بعلية الحكم للحكم عليه

- ‌المسألة الخامسة عشرةاعلم أن تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي يسمى تعليلا بالمانع

- ‌خاتمة لهذا القسم بمسائل في أحكام العلة لم يتقدم ذكرها

- ‌المسألة الثانيةالوصف الذي جعل علة الحكم بمعنى الباعث لا شتمالها على الحكمة يجب أن لا يمكن بمثابة يلزم منه إثبات الحكم، أو نفيه مع القطع

- ‌المسألة الثالثةقيل الوصف الذي جعل ضابطا لحكمته يجب أن يكون جامعا للحكمة

- ‌المسألة الرابعةالمشهور أنه لا يجوز تعليل الحكم بعلة متأخرة عنه في الوجود

- ‌المسألة الخامسة: (231/ أ)العلة المستنبطة من الحكم يجب أن لا ترجع إليه بالإبطال، ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا في الأصل

- ‌الباب الخامسفي الركن الرابع وهو الفرع

- ‌النوع الخامس عشرفي الاعتراضات [وأجوبتها]

- ‌النوع السادس عشرالكلام في التعادل والتراجيح

- ‌ القسم الأول في التعادل

- ‌المسألة الأولىأطبق الكل على أن تعادل القاطعين المتنافيين عقليين كانا أو نقليين غير جائزة

- ‌المسألة الثانيةالقائلون بجواز هذا التعادل [قالوا: إن وقع هذا التعادل]، للإنسان في عمل نفسه كان حكمه فيه التخيير، أو التساقط والرجوع إلى غيرهما

- ‌المسألة الثالثةالمجتهد إذا نقل عنه قولان كالوجوب والتحريم مثلاً

- ‌القسم الثانيفي التراجيح

- ‌الفصل الأولفي مقدمات التراجيح

- ‌المسالة الأولى: في حد الترجيح

- ‌المسألة الثانيةذهب الأكثرون إلى وجوب العمل بالراجح سواء كان الترجيح معلومًا أو مظنونًا

- ‌المسألة الثالثةلا يتطرق الترجيح إلى الأدلة القطعية

- ‌المسألة الرابعةالمشهور أن العقليات لا يتطرق الترجيح إليها

- ‌المسالة الخامسةذهب الشافعي ومالك- رضي الله عنهما إلى أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة، خلافًا للحنفية

- ‌المسألة السادسةإذا تعارض دليلان فإن لم يمكن العمل بكل واحد منهما بوجه دون وجه صير إلى الترجيح

- ‌المسألة السابعةإذا تعارض نصان فإما أن يكونا عامين، أو خاصين.أو أحدهما عامًا والآخر خاصًا

- ‌الفصل الثانيفي تراجيح الأخبار

- ‌المسألة الأولىفي ترجيح الخبر بكيفية السند

- ‌المسألة الثانيةفي ترجيح الخبر بكيفية الرواية

- ‌المسألة الثالثةفي الترجيح بحال وروده

- ‌المسألة الرابعةفي ترجيح الخبر باعتبار اللفظ

- ‌المسألة الخامسةفي ترجيح الخبر باعتبار مدلوله وهو الحكم

- ‌المسالة السادسةفي ترجيح الخبر بالأمور الخارجية

- ‌الفصل الثالثفي ترجيح القياس بحسب علته

- ‌المسألة الأولىفي ترجيح القياس بحسب ماهية علته

- ‌المسألة الثانيةفي ترجيح القياس بحسب الدليل الدال على وجود علته

- ‌المسألة الثالثةفي ترجيح القياس بسبب الدليل الدال على علية الوصف في الأصل

- ‌المسألة الرابعةفي ترجيح القياس بسبب وصف العلة

- ‌النوع السابع عشر في الاجتهاد

- ‌ المقدمة:

- ‌الفصل الأولفي المجتهد

- ‌المسألة الأولىاختلفوا في أن الرسول- عليه السلام هل كان يجوز له الاجتهاد فيما لا نص فيه:

- ‌المسألة الثانيةاتفقوا على جواز الاجتهاد بعد الرسول- عليه السلام

- ‌المسأله الثالثةفي شرائط المجتهد

- ‌المسألة الرابعةاختلفوا في أن صفة الاجتهاد هل تحصل في فن دون فن أم لا

- ‌الفصل الثانيفي المجتهد فيه

- ‌المسألة الأولىذهب الجماهير إلى أنه ليس كل مجهد في الأصول مصيبًا

- ‌المسألة الثانيةفي تصويب المجتهدين في الأحكام الشرعية

- ‌النوع الثامن عشرالكلام في المفتي والمستفتي وما فيه الاستفتاء

- ‌الفصل الأول في المفتي

- ‌المسألة الأولىفي المفتي المجتهد إذا أفتى مرة بما أدى إليه اجتهاده، ثم سئل مرة أخرى عن تلك الحادثة بعينها:

- ‌المسألة الثانيةفي أن غير المجتهد هل يجوز له الفتوى بما يحكيه عن الغير من المجتهدين

- ‌المسألة الثالثةالمختار عند الأكثرين أنه يجوز خلو عصر من الأعصار عن الذي يمكن تفويض الفتوى إليه سواء كان مجتهدًا مطلقًا، أو كان مجتهدًا في مذهب المجتهد، ومنع منه الأقلون كالحنابلة

- ‌الفصل الثانيفي المستفتي

- ‌المسألة الأولىيجوز للعامي أن يقلد المجتهدين في مسائل الفروع اجتهادية كانت أو غير اجتهادية

- ‌المسألة الثانيةفي شرائط الاستفتاء

- ‌المسألة الثالثةالرجل الذي تنزل به الواقعة إن كان عاميًا صرفًا جاز له الاستفتاء

- ‌المسألة الرابعةالعامي إذا عمل بفتوى بعض المجتهدين في حكم حادثة وقلده فيه لم يجز له الرجوع عنه إلى حكم آخر في تلك الحادثة بعينها بفتوى غيره إجماعًا

- ‌النوع التاسع عشرالكلام في المدارك التي اختلف المجتهدون في أنها هل هي مدارك للأحكام أم لا

- ‌المسألة الأولىفي أن الأصل في المنافع الإذن، وفى المضار المنع خلافا لبعضهم

- ‌المسألة الثانيةفي استصحاب الحال

- ‌المسألة الثالثةفي أن النافي هل عليه دليل أم لا

- ‌المسألة الرابعةاختلفوا في أن مذهب الصحابي وقوله هل هو حجة على من بعدهم من التابعين أم لا

- ‌المسألة الخامسةفي المصالح المرسلة

- ‌المسألة السادسةفي الاستحسان

- ‌المسألة السابعةاختلفوا في أنه هل يجوز أن يقول الله تعالى لنبي أو لعام: احكم بما شئت، فإنك لا تحكم إلا بالصواب:

- ‌المسألة الثامنةذهب الشافعي رضي الله عنه وأصحابه إلى أنه يجوز الاعتماد في إثبات الأحكام على الأخذ بأقل ما قيل فيه خلافًا لبعضهم

- ‌المسألة التاسعةذهب بعضهم إلى أن الأخذ بأخف القولين واجب على المكلف

- ‌النوع العشرونالكلام في الاستدلال

- ‌المسألة الأولىفي معنى الاستدلال

- ‌المسألة الثانيةفيما يتعلق بالسبب والشرط والمانع

- ‌المسألة الثالثةفي الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم على عدم الحكم

- ‌المسألة الرابعةمن جملة طرق الاستدلال والاستقراء

- ‌المسألة الخامسةفي الاستدلال على عدم الحكم

- ‌المسألة السادسةفي الاستدلال على ثبوت الحكم

الفصل: ‌المسألة الأولىذهب الجماهير إلى أنه ليس كل مجهد في الأصول مصيبا

‌الفصل الثاني

في المجتهد فيه

وفيه مسائل:

‌المسألة الأولى

ذهب الجماهير إلى أنه ليس كل مجهد في الأصول مصيبًا

، وأن الإثم غير محطوط عنه إذا لم يصادف ما هو الواقع، وإن بالغ في الاجتهاد والنظر سواء كان مدركه عقليًا كحدوث العالم، وخلق الأعمال، وعلى هذا كل العقليات لأن لم تكن من مسائل الأصول، أو شرعيًا لا بمعنى أنه يعرف بمدرك شرعي فإنه حينئذ يلزم أن يكون كثو مسائل أصول الدين شرعيًا؛ لأن له أيضًا مدركًا شرعيًا بل يعنى أنه لا يعرف إلا بمدرك شرعي كعذاب القبور حشر الأجساد، ومن صفات الرب كالسمع والبصر وكونه مرئيًا عند من يجعلها سمعية.

ونقل عن الجاحظ، وعبيد الله بن حسين العنبري: أن كل مجتهد في

ص: 3837

الأصول مصيب.

فإن أرادا بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد فقد خرجا عن غريزة العقل، وانخراطًا في سلك:{أولئك كالأنعام بل هم أضل} .

وإن أرادا به نفي الحرج والإثم، والخروج عن عهدة التكليف، فهذا وإن كان معقولاً غير مخالف لقضية العقل لكنه خروج عن المنقول، ومخالف للأدلة النقلية. ومعنى كونه مصيبًا هو أنه مصيب بما كلف [به]، مما هو داخل تحت وسعه وقدرته وهو بذل جهده ووسعه في النظر والاجتهاد.

احتج الجماهير بوجوه:

أحدها: قوله تعالى. {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} ، وقوله تعالى:{وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} وقوله تعالى/ [303/ أ]: {ويحسبون أنهم على شيء إلا إنهم هم الكاذبون} وغيرها من الآيات الدالة على ذم الكفار بسبب عقائدهم.

ووجه التمسك بها: أنه ذمهم على عقائدهم وظنونهم وتواعدهم على ذلك

ص: 3838

بالنار من غير فصل بين المعاند وغيره مع استحالة كون كلهم معاندين عادة فلو كان المجتهد متهم معذورًا لما كان كذلك.

فإن قيل: الذم إنما توجه على الكافر، والكافر إنما هو الساتر؛ إذ الكفر في اللغة هو: الستر ومنه يقال للمزارع: كافر ويقال: ليل كافو ساتو، ومنه قيل: كفر النجوم ظلامها، والأصل عدم التغيير، وهو إنما يصدق على الذى عرف الحق وستره، فأما الذى ما عرف ذلك بك عرف أن ما عدا دينه الذي هو عليه بلطل فلا يصدق عديه أنه كافر؛ إذ لا يصدق عليه أنه ساتر.

سلمنا أنه يصدق عليه لكن يجب تخصيصه عنه لما سنذكر من الدلالة عليه.

سلمنا عدم التخصيص لكن إنما ذمهم على ظنهم، فلعلهم ما عولوا في أنظارهم على ما هو دليل عندهم وفي اعتقادهم وإن كان شبهة في نفس الأمر فإن الشبهة دليل في اعتقاد من اشتبه عليه، ولوكان ما تمسكوا به شبهة لكان يجب أن يفيد لهم العلم، ولما لم يكن كذلك دل على أنهم عولوا على ما اعتقدوه أنه يفيد الظن مع أن المطالب يقينية فلا جرم ذمهم.

قلنا: لا نزاع أن الكفر في اللغة قد جاء بمعنى الستر، لكنا ندعي أنه صار في عرف الشرع حقيقة في من انتحل دينًا مخصوصًا سواء عرفه حقًا أو باطلاً، والتغيير وان كان خلاف الأصل لكنه يصار إليه عند قيام الدلالة عليه وها هنا كذلك:

أما أولاً: فلتبادر الذهن إليه عند سماع لفظ الكافر من غير فهم معنى الستر.

وأما ثانيًا: فلأن كثيرًا من العوام يعرفون معنى الكافر مع أنهم لم يعرفوا

ص: 3839

أنه في أصل اللغة للستر.

وأما ثالثًا: فبالإجماع؛ إذ الإجماع منعقد على إطلاقه على من انتحل دينًا مخصوصًا سواء كان مقلدًا فيه، أو مجتهدًا، أو معاندًا.

ولا نسلم أنه إنما يصدق على من عرف الحق وستره؛ وهذا لأن ستر الشيء لا يتوقف على العلم به، ألا ترى أن من بسط ثوبًا في مكان وكان فيه شيء لم يبصره يقال: ستره بالثوب.

قوله: يجب تخصيصه.

قلنا: إنه خلاف الأصل.

وأما ما يذكرونه من الأدلة فسيأتي جوابه.

قوله: لعل متمسكهم في الاجتهاد أدلة ظنية.

قلنا: يستحيل ذلك عادة فإن كون كل الكفرة أطبقوا على التمسك بما يشبه الدليل الظني دون ما يشبه الدليل الذى يفيد العلم يستحيل عادة، ثم كون بعضهم بل أكثرهم جازمين بصحة ما هم عليه من الاعتقادات الفاسدة ينفى ذلك، وأيضًا: فلان ما ذكروه يقضي عدم توجه الذم إليهم على تقدير أن يكون اعتقادهم بناء على الشبهة التي توجب قوة تلك الاعتقادات الفاسدة وهو معلوم الفساد بالضرورة.

وثانيها: أنا نعلم بالضرورة أنه- عليه السلام كان يكلف اليهود والنصارى وسائر أصناف الكفار بالأيمان به وبما أنزل اليه، وذمهم على ترك ذلك وإصرارهم على عقائدهم، وأباح قتلهم وأسرهم وأسر أولادهم ونسائهم، ورمى ديارهم بالنار والمنجنيق وغير ذلك من أنواع التنكيل والتعذيب من غير فصل بين المعاند والمجتهد والمقلد مع أنا نعلم بالضرورة أن كلهم ما كانوا معاندين بل المعاند أقلهم، وهذا لأن الأحبار منهم والقسيسين العارفين للكتاب

ص: 3840

كما أنزل من غير تبديل وتحريف في غاية القلة، وهم الذين وصفهم الله تعالى بالعناد حيث قال تعالى:{الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} وقليل من غيرهم كما روى عن بعض المشركين أنه كان يعترف بنبوته في الباطن وما كان يؤمن به للعار؛ فلو كان غير المعاند منهم، أو المجتهد منهم معذورًا لما جاز ذلك منه- عليه السلام.

واعترض عليه: بأنا لا نسلم أنه- عليه السلام ذمهم وأباح قتلهم وأسرهم وغير ذلك من العقوبات لاعتقادهم الغير المطابق/ (304/ أ) ولجهلهم، بل لتركهم التعلم بما علموا، أو عدم توجيههم نظرهم وفكوهم فيمأ دعوا إليه ونبهوا عليه، وإصرارهم على عقائده هم الأولى مع أنهم أرشدوا إلى دلائل العقائد الحقة.

وأجيب عنه: أن حمل ذلك على أن كلهم [تركوا]، التعلم وأعرضوا عما أرشدوا إليه وأصروا على عقائدهم الأولة مع أنهم نبهوا على طرق العقائد الحقة متعذر العادة، كما أن حمل ذلك على كون كلهم معاندين متعذر عادة، فلم يبق إلا الحمل على أن بعضهم كانوا مقلدة وهم الأكثرون، وبعضهم كانوا معاندين وهم الأقلون، وبعضهم كانوا مجتهدين ومعتقدين حقيته بناء على شبه اعتقدوها دلائل ككثر اليهود، فإنهم يحتجون على حقية دينهم باستحالة نسخه بما يدل عليه من المعقول أو المنقول، وكذلك غيرهم من الكفار من أهل الملة وغيرهم، ولأنا نعلم بالضرورة من حال النبي والصحابة أنه لو جاءهم واحد من الكفرة وقال [لهم]، ظهر لي حقية ديني بناء على

ص: 3841

الدلائل القاطعة في زعمه، وهى شبهة في نفس الأمر، فإنه- عليه السلام ما كان يعذره ولا الصحابة بل كانوا بوبخونه ويذمونه ويبيحون قتله وقتاله كغيره من الكفار بل ربما كان كفره عندهم أعظم من كفر المقلدة، وبالجملة عدم اعذار الكفرة على العموم سواء كانوا مجتهدين أو غير مجتهدين معلوم من دين محمد عليه السلام ويؤكده العمومات التي تدل على أن الكفر والشرك لا يغفر مطلقًا نحو قوله:{إن الله لا يغفر أن يشرك به} فلم يفصل فيه بين من شركه وكفره عن اجتهاد ونظر، وبين من ليس كذلك.

وثالثها: الاجماع فإن الأمة من السلف قبل ظهور المخالف أجمعت على ذم من كفر عن نظر واستدلال وتوبيخه كالفلاسفة والمجسمة، وعلى إباحة قتلهم، وربما كان عندهم أن كفرهم أعظم وأشد من كفو المقلدة، ولو كان المجتهد في الأصول معذورًا لكان إجماعهم خطا وهو ممتنع.

وما يقال عليه. أنه كيف يمكن ادعاء الإجماع في محل الخلاف فهو ساقط؛ لأنا ندعى الاجماع قبل ظهور المخالف فلا يكون ما ذكروه قادحا فيه.

رابعها: أن الله تعالى وضع على هذه المطالب أعنى المطالب الأصولية أدلة قاطعة، ومكن المكلفين من معرفتها، فوجب أن لا يخرجوا عن العهدة إلا بالعلم، ترك العمل به في حق المقلد لكون اعتقاده مطابقا فوجب أن يبقى ما عداه على الأصل.

فإن قلت: أنا لا نسلم بأنه تعالى وضح على هذه المطالب أدلة قاطعة

ص: 3842

وهذا لأنا نرى الخلق مختلفين في المطالب الأصولية، وإذا نظرنا في أدلة المخالفين في هذه المسائل وأنصفنا لم نجد واحدًا منهم مكابرًا قائلاً بما يقطع العقل بفساده.

سلمناه لكن نسلم أن ذلك يقتضى أن لا يخرجوا عن العهدة إلا بالعلم وهذا لأن العلم لو حصل منها لا حصل إلا بفكر متعب ونظر دقيق، وكونه تعالى رؤوفًا رحيمًا والشريعة المبعوثة سمحة سهلة مما ينفي ذلك وحينئذ نقول: لم لا يجوز أن يقال: أنهم إنما أمروا بالاعتقاد الذى غلب على ظنهم أنه صواب سواء كان مطابقًا أو غير مطابقًا، وعلى هذا التقدير يكون الآتي به معذورًا). ثم الذى يدل على أن التكليف لم يقع إلا بالظن الغالب وجهان:

أحدهما: أن حصول اليقين الذي لا يحتمل النقيض ألبتة بوجه ما إنما يكون من الدليل الموكب من المقدمات البديهية توكيبا معلوم الصحة بالبديهية وهذا نادر عزيز جدًا، لا يفي به إلا الفرد بعد الفرد، والاستقواء يحققه، فلا يجوز أن يكون ذلك ما كلف به عامة الخلق الذين هم عاجزون عن مثل هذا النظر، فإن منهم من ليس له صلاحية أدنى العلوم فكيف يمكنه اتيان مثل هذا النظر لاسيما في المطالب الإلهية التي هي غريبة عن المألوفات والمشهورات، وإذا لم يمكنهم إتيان مثل هذا النظر كان تكليفهم به تكليف بما لا يطاق وهو ممتنع، أو وإن لم يكن ممتنعًا لكنه باطل لما سبق.

وثانيهما: أنا نعلم بالضرورة أن النبي- عليه السلام كان يقبل إيمان كل من أتاه بكلمتي الشهادة/ (305/ 1) من بدوى وغيره، لا يدرى البرهان ولا شرائطه ولا دلالة التوحيد والنبوة وكان يحكم بصحة إيمانه من غير مسألة منه عن ثبوت مضمون كلمتي الشهادة بالبرهان عنده، فلو كان الناس مكلفين بالاعتقاد الجارم بناء على الدلائل والبرهان لما حكم بصحة إيمان من يقطع بأنه

ص: 3843

لا يعرف ذلك.

قلت: أما الدليل على أنه تعالى وضع على هذه المطالب أدلة قاطعة في الجملة أعنى بها على بعضها فإن ذلك هو المراد من قولنا: وضع على هذه المطالب أدلة قاطعة لا كلها هو: أنا إذا شاهدنا أن الشيء وجد بعد أن لم يكن علمنا قطعا أن له سببًا، فإن العلم بكون المحدث لا يوجد بلا محبب ضروري، ثم نعلم أن ذلك المحدث إن كان محدثًا افتقر إلى محدث فيتسلسل أو يدور، ثم علمنا بطلانهما بدليل قاطع علمنا قطعا انتهاء ذلك إلى محدث غير محدث فالعلم بان المحدث محدثًا غير محدث قطعي لابتنائه على مقدمات قطعية، وكون الخلق مختلفين في المطالب الأصولية لا يدل على عدم الدلالة القاطعة عليها، فإن الاختلاف واقع أيضًا في الحسيات والبديهيات، وكذلك كوننا لا نجد المخالفين مكابرين قائلين بما يقطع العقل بفساده لا يدل على ذلك لاحتمال أن ذلك بناء على شبهة وخيال قوي، ومن قال قولاً بناء على الشبهة القوية أو المخيلة لا يعد مكابرًا وقائلاً بما يقطع العقل بفساده في أول الوهلة.

وعن الثاني: أنا لم نحصر الخروج عن عهدة التكليف على العلم حتى يلزم ما ذكرتم من الحرج والعسر بل على أحد الأمرين وهو إما العلم، أو التقليد الجارم، ومعلوم أن ذلك سهل، وبه خروج الجواب محما ذكره من الوجهين على أن التكليف لا يجوز أن يكون بالعلم القطعي.

وأما الجواب عن قوله: فلم لا يجوز أن يقال: إنهم إنما أمروا بالاعتقاد الذى كلب على ظنهم صدقه سواء كان مطابقا أو لم يكن فهو: أن ذلك غير جائز

ص: 3844

لما ذكرنا من الأدلة، وقد أجبنا عن الاعتراضات التي أوردت عليها فبقيت سليمة عن القوادح فيعسر دلالتها على نفى ما ذكرتم من الاحتمال فإنه مجرد احتمال غير قاح في وجه دلالة الدليل.

واحتج الخصم: بأن المكلف لو لم يكن مأمورًا من الاعتقاد بما غلب على ظنه أنه صواب لكان إما أن يكون مأمورًا بما غلب على ظنه أنه صواب على وجه التخيير وهو إما على الاطلاق، أو بشرط مطابقته للمعتقد، فالأول يحصل الغرض، لأنه إذا لم يكن مأمورًا بالاعتقاد الذي مخلب على ظنه أنه صواب سواء كان مطابقًا أو غير مطابق ولو على وجه التخيير بينه وبين العلم وجب أن يخرج عن عهدة التكليف بما غلب على ظنه أنه صواب وإن لم يكن مطابقًا فوجب أن لا يعاقب عليه ولا يذم بسببه وهو المطلوب.

والثاني على قسمين: لأنه إما أن يكون يشترط في ذلك أن يعلم ذلك بناء على طريق، أو لا يشترط فيه ذلك.

والأول يقتضي أن لا يكون ذلك الاعتقاد [تقليدًا ولا ظنًا وهو خلف، فإنه إذا علم ذلك أن ذلك الاعتقاد] صواب لم يكن ذلك القسم الذى نحن فيه وهو ما غلب على ظنه أنه صواب فيكون خلفًا.

والثاني يقتضي أن يكون ذلك التكليف على عماية وهو ممتنع.

وجوابه: أنه استدلال في مقابلة النصوص والإجماع فكان باطلاً.

ص: 3845