الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
في المجتهد فيه
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
ذهب الجماهير إلى أنه ليس كل مجهد في الأصول مصيبًا
، وأن الإثم غير محطوط عنه إذا لم يصادف ما هو الواقع، وإن بالغ في الاجتهاد والنظر سواء كان مدركه عقليًا كحدوث العالم، وخلق الأعمال، وعلى هذا كل العقليات لأن لم تكن من مسائل الأصول، أو شرعيًا لا بمعنى أنه يعرف بمدرك شرعي فإنه حينئذ يلزم أن يكون كثو مسائل أصول الدين شرعيًا؛ لأن له أيضًا مدركًا شرعيًا بل يعنى أنه لا يعرف إلا بمدرك شرعي كعذاب القبور حشر الأجساد، ومن صفات الرب كالسمع والبصر وكونه مرئيًا عند من يجعلها سمعية.
ونقل عن الجاحظ، وعبيد الله بن حسين العنبري: أن كل مجتهد في
الأصول مصيب.
فإن أرادا بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد فقد خرجا عن غريزة العقل، وانخراطًا في سلك:{أولئك كالأنعام بل هم أضل} .
وإن أرادا به نفي الحرج والإثم، والخروج عن عهدة التكليف، فهذا وإن كان معقولاً غير مخالف لقضية العقل لكنه خروج عن المنقول، ومخالف للأدلة النقلية. ومعنى كونه مصيبًا هو أنه مصيب بما كلف [به]، مما هو داخل تحت وسعه وقدرته وهو بذل جهده ووسعه في النظر والاجتهاد.
احتج الجماهير بوجوه:
أحدها: قوله تعالى. {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} ، وقوله تعالى:{وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} وقوله تعالى/ [303/ أ]: {ويحسبون أنهم على شيء إلا إنهم هم الكاذبون} وغيرها من الآيات الدالة على ذم الكفار بسبب عقائدهم.
ووجه التمسك بها: أنه ذمهم على عقائدهم وظنونهم وتواعدهم على ذلك
بالنار من غير فصل بين المعاند وغيره مع استحالة كون كلهم معاندين عادة فلو كان المجتهد متهم معذورًا لما كان كذلك.
فإن قيل: الذم إنما توجه على الكافر، والكافر إنما هو الساتر؛ إذ الكفر في اللغة هو: الستر ومنه يقال للمزارع: كافر ويقال: ليل كافو ساتو، ومنه قيل: كفر النجوم ظلامها، والأصل عدم التغيير، وهو إنما يصدق على الذى عرف الحق وستره، فأما الذى ما عرف ذلك بك عرف أن ما عدا دينه الذي هو عليه بلطل فلا يصدق عديه أنه كافر؛ إذ لا يصدق عليه أنه ساتر.
سلمنا أنه يصدق عليه لكن يجب تخصيصه عنه لما سنذكر من الدلالة عليه.
سلمنا عدم التخصيص لكن إنما ذمهم على ظنهم، فلعلهم ما عولوا في أنظارهم على ما هو دليل عندهم وفي اعتقادهم وإن كان شبهة في نفس الأمر فإن الشبهة دليل في اعتقاد من اشتبه عليه، ولوكان ما تمسكوا به شبهة لكان يجب أن يفيد لهم العلم، ولما لم يكن كذلك دل على أنهم عولوا على ما اعتقدوه أنه يفيد الظن مع أن المطالب يقينية فلا جرم ذمهم.
قلنا: لا نزاع أن الكفر في اللغة قد جاء بمعنى الستر، لكنا ندعي أنه صار في عرف الشرع حقيقة في من انتحل دينًا مخصوصًا سواء عرفه حقًا أو باطلاً، والتغيير وان كان خلاف الأصل لكنه يصار إليه عند قيام الدلالة عليه وها هنا كذلك:
أما أولاً: فلتبادر الذهن إليه عند سماع لفظ الكافر من غير فهم معنى الستر.
وأما ثانيًا: فلأن كثيرًا من العوام يعرفون معنى الكافر مع أنهم لم يعرفوا
أنه في أصل اللغة للستر.
وأما ثالثًا: فبالإجماع؛ إذ الإجماع منعقد على إطلاقه على من انتحل دينًا مخصوصًا سواء كان مقلدًا فيه، أو مجتهدًا، أو معاندًا.
ولا نسلم أنه إنما يصدق على من عرف الحق وستره؛ وهذا لأن ستر الشيء لا يتوقف على العلم به، ألا ترى أن من بسط ثوبًا في مكان وكان فيه شيء لم يبصره يقال: ستره بالثوب.
قوله: يجب تخصيصه.
قلنا: إنه خلاف الأصل.
وأما ما يذكرونه من الأدلة فسيأتي جوابه.
قوله: لعل متمسكهم في الاجتهاد أدلة ظنية.
قلنا: يستحيل ذلك عادة فإن كون كل الكفرة أطبقوا على التمسك بما يشبه الدليل الظني دون ما يشبه الدليل الذى يفيد العلم يستحيل عادة، ثم كون بعضهم بل أكثرهم جازمين بصحة ما هم عليه من الاعتقادات الفاسدة ينفى ذلك، وأيضًا: فلان ما ذكروه يقضي عدم توجه الذم إليهم على تقدير أن يكون اعتقادهم بناء على الشبهة التي توجب قوة تلك الاعتقادات الفاسدة وهو معلوم الفساد بالضرورة.
وثانيها: أنا نعلم بالضرورة أنه- عليه السلام كان يكلف اليهود والنصارى وسائر أصناف الكفار بالأيمان به وبما أنزل اليه، وذمهم على ترك ذلك وإصرارهم على عقائدهم، وأباح قتلهم وأسرهم وأسر أولادهم ونسائهم، ورمى ديارهم بالنار والمنجنيق وغير ذلك من أنواع التنكيل والتعذيب من غير فصل بين المعاند والمجتهد والمقلد مع أنا نعلم بالضرورة أن كلهم ما كانوا معاندين بل المعاند أقلهم، وهذا لأن الأحبار منهم والقسيسين العارفين للكتاب
كما أنزل من غير تبديل وتحريف في غاية القلة، وهم الذين وصفهم الله تعالى بالعناد حيث قال تعالى:{الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} وقليل من غيرهم كما روى عن بعض المشركين أنه كان يعترف بنبوته في الباطن وما كان يؤمن به للعار؛ فلو كان غير المعاند منهم، أو المجتهد منهم معذورًا لما جاز ذلك منه- عليه السلام.
واعترض عليه: بأنا لا نسلم أنه- عليه السلام ذمهم وأباح قتلهم وأسرهم وغير ذلك من العقوبات لاعتقادهم الغير المطابق/ (304/ أ) ولجهلهم، بل لتركهم التعلم بما علموا، أو عدم توجيههم نظرهم وفكوهم فيمأ دعوا إليه ونبهوا عليه، وإصرارهم على عقائده هم الأولى مع أنهم أرشدوا إلى دلائل العقائد الحقة.
وأجيب عنه: أن حمل ذلك على أن كلهم [تركوا]، التعلم وأعرضوا عما أرشدوا إليه وأصروا على عقائدهم الأولة مع أنهم نبهوا على طرق العقائد الحقة متعذر العادة، كما أن حمل ذلك على كون كلهم معاندين متعذر عادة، فلم يبق إلا الحمل على أن بعضهم كانوا مقلدة وهم الأكثرون، وبعضهم كانوا معاندين وهم الأقلون، وبعضهم كانوا مجتهدين ومعتقدين حقيته بناء على شبه اعتقدوها دلائل ككثر اليهود، فإنهم يحتجون على حقية دينهم باستحالة نسخه بما يدل عليه من المعقول أو المنقول، وكذلك غيرهم من الكفار من أهل الملة وغيرهم، ولأنا نعلم بالضرورة من حال النبي والصحابة أنه لو جاءهم واحد من الكفرة وقال [لهم]، ظهر لي حقية ديني بناء على
الدلائل القاطعة في زعمه، وهى شبهة في نفس الأمر، فإنه- عليه السلام ما كان يعذره ولا الصحابة بل كانوا بوبخونه ويذمونه ويبيحون قتله وقتاله كغيره من الكفار بل ربما كان كفره عندهم أعظم من كفر المقلدة، وبالجملة عدم اعذار الكفرة على العموم سواء كانوا مجتهدين أو غير مجتهدين معلوم من دين محمد عليه السلام ويؤكده العمومات التي تدل على أن الكفر والشرك لا يغفر مطلقًا نحو قوله:{إن الله لا يغفر أن يشرك به} فلم يفصل فيه بين من شركه وكفره عن اجتهاد ونظر، وبين من ليس كذلك.
وثالثها: الاجماع فإن الأمة من السلف قبل ظهور المخالف أجمعت على ذم من كفر عن نظر واستدلال وتوبيخه كالفلاسفة والمجسمة، وعلى إباحة قتلهم، وربما كان عندهم أن كفرهم أعظم وأشد من كفو المقلدة، ولو كان المجتهد في الأصول معذورًا لكان إجماعهم خطا وهو ممتنع.
وما يقال عليه. أنه كيف يمكن ادعاء الإجماع في محل الخلاف فهو ساقط؛ لأنا ندعى الاجماع قبل ظهور المخالف فلا يكون ما ذكروه قادحا فيه.
رابعها: أن الله تعالى وضع على هذه المطالب أعنى المطالب الأصولية أدلة قاطعة، ومكن المكلفين من معرفتها، فوجب أن لا يخرجوا عن العهدة إلا بالعلم، ترك العمل به في حق المقلد لكون اعتقاده مطابقا فوجب أن يبقى ما عداه على الأصل.
فإن قلت: أنا لا نسلم بأنه تعالى وضح على هذه المطالب أدلة قاطعة
وهذا لأنا نرى الخلق مختلفين في المطالب الأصولية، وإذا نظرنا في أدلة المخالفين في هذه المسائل وأنصفنا لم نجد واحدًا منهم مكابرًا قائلاً بما يقطع العقل بفساده.
سلمناه لكن نسلم أن ذلك يقتضى أن لا يخرجوا عن العهدة إلا بالعلم وهذا لأن العلم لو حصل منها لا حصل إلا بفكر متعب ونظر دقيق، وكونه تعالى رؤوفًا رحيمًا والشريعة المبعوثة سمحة سهلة مما ينفي ذلك وحينئذ نقول: لم لا يجوز أن يقال: أنهم إنما أمروا بالاعتقاد الذى غلب على ظنهم أنه صواب سواء كان مطابقًا أو غير مطابقًا، وعلى هذا التقدير يكون الآتي به معذورًا). ثم الذى يدل على أن التكليف لم يقع إلا بالظن الغالب وجهان:
أحدهما: أن حصول اليقين الذي لا يحتمل النقيض ألبتة بوجه ما إنما يكون من الدليل الموكب من المقدمات البديهية توكيبا معلوم الصحة بالبديهية وهذا نادر عزيز جدًا، لا يفي به إلا الفرد بعد الفرد، والاستقواء يحققه، فلا يجوز أن يكون ذلك ما كلف به عامة الخلق الذين هم عاجزون عن مثل هذا النظر، فإن منهم من ليس له صلاحية أدنى العلوم فكيف يمكنه اتيان مثل هذا النظر لاسيما في المطالب الإلهية التي هي غريبة عن المألوفات والمشهورات، وإذا لم يمكنهم إتيان مثل هذا النظر كان تكليفهم به تكليف بما لا يطاق وهو ممتنع، أو وإن لم يكن ممتنعًا لكنه باطل لما سبق.
وثانيهما: أنا نعلم بالضرورة أن النبي- عليه السلام كان يقبل إيمان كل من أتاه بكلمتي الشهادة/ (305/ 1) من بدوى وغيره، لا يدرى البرهان ولا شرائطه ولا دلالة التوحيد والنبوة وكان يحكم بصحة إيمانه من غير مسألة منه عن ثبوت مضمون كلمتي الشهادة بالبرهان عنده، فلو كان الناس مكلفين بالاعتقاد الجارم بناء على الدلائل والبرهان لما حكم بصحة إيمان من يقطع بأنه
لا يعرف ذلك.
قلت: أما الدليل على أنه تعالى وضع على هذه المطالب أدلة قاطعة في الجملة أعنى بها على بعضها فإن ذلك هو المراد من قولنا: وضع على هذه المطالب أدلة قاطعة لا كلها هو: أنا إذا شاهدنا أن الشيء وجد بعد أن لم يكن علمنا قطعا أن له سببًا، فإن العلم بكون المحدث لا يوجد بلا محبب ضروري، ثم نعلم أن ذلك المحدث إن كان محدثًا افتقر إلى محدث فيتسلسل أو يدور، ثم علمنا بطلانهما بدليل قاطع علمنا قطعا انتهاء ذلك إلى محدث غير محدث فالعلم بان المحدث محدثًا غير محدث قطعي لابتنائه على مقدمات قطعية، وكون الخلق مختلفين في المطالب الأصولية لا يدل على عدم الدلالة القاطعة عليها، فإن الاختلاف واقع أيضًا في الحسيات والبديهيات، وكذلك كوننا لا نجد المخالفين مكابرين قائلين بما يقطع العقل بفساده لا يدل على ذلك لاحتمال أن ذلك بناء على شبهة وخيال قوي، ومن قال قولاً بناء على الشبهة القوية أو المخيلة لا يعد مكابرًا وقائلاً بما يقطع العقل بفساده في أول الوهلة.
وعن الثاني: أنا لم نحصر الخروج عن عهدة التكليف على العلم حتى يلزم ما ذكرتم من الحرج والعسر بل على أحد الأمرين وهو إما العلم، أو التقليد الجارم، ومعلوم أن ذلك سهل، وبه خروج الجواب محما ذكره من الوجهين على أن التكليف لا يجوز أن يكون بالعلم القطعي.
وأما الجواب عن قوله: فلم لا يجوز أن يقال: إنهم إنما أمروا بالاعتقاد الذى كلب على ظنهم صدقه سواء كان مطابقا أو لم يكن فهو: أن ذلك غير جائز
لما ذكرنا من الأدلة، وقد أجبنا عن الاعتراضات التي أوردت عليها فبقيت سليمة عن القوادح فيعسر دلالتها على نفى ما ذكرتم من الاحتمال فإنه مجرد احتمال غير قاح في وجه دلالة الدليل.
واحتج الخصم: بأن المكلف لو لم يكن مأمورًا من الاعتقاد بما غلب على ظنه أنه صواب لكان إما أن يكون مأمورًا بما غلب على ظنه أنه صواب على وجه التخيير وهو إما على الاطلاق، أو بشرط مطابقته للمعتقد، فالأول يحصل الغرض، لأنه إذا لم يكن مأمورًا بالاعتقاد الذي مخلب على ظنه أنه صواب سواء كان مطابقًا أو غير مطابق ولو على وجه التخيير بينه وبين العلم وجب أن يخرج عن عهدة التكليف بما غلب على ظنه أنه صواب وإن لم يكن مطابقًا فوجب أن لا يعاقب عليه ولا يذم بسببه وهو المطلوب.
والثاني على قسمين: لأنه إما أن يكون يشترط في ذلك أن يعلم ذلك بناء على طريق، أو لا يشترط فيه ذلك.
والأول يقتضي أن لا يكون ذلك الاعتقاد [تقليدًا ولا ظنًا وهو خلف، فإنه إذا علم ذلك أن ذلك الاعتقاد] صواب لم يكن ذلك القسم الذى نحن فيه وهو ما غلب على ظنه أنه صواب فيكون خلفًا.
والثاني يقتضي أن يكون ذلك التكليف على عماية وهو ممتنع.
وجوابه: أنه استدلال في مقابلة النصوص والإجماع فكان باطلاً.