الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية
اعلم أن الحكم إذا شرع للمناسبة فلابد وأن يكون محصلًا للمصلحة أو دافعًا للمفسدة، أو محصلًا للمصلحة ودافعًا للمفسدة معًا
سواء علل أفعال الله أو لم تعلل [ثم كونه محصلًا] أو دافعًا إما يقيني أو ظني، أو يستوى فيه الأمران أعنى الحصول [أو] اللاحصول أو يترجح اللاحصول على الحصول فهذه أقسام:
أحدهما: ما يكون محصلًا للمصلحة يقينًا كالحكم بصحة البيع لحصول الملك وصحة التصرف.
وثانيها: ما يكون كذلك ظنًا كشرعية وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لإبقاء النفوس المعصومة، وصيانةً لها عن التلف، فإن ذلك ليس مقطوع الحصول؛ إذ يحصل إهلاكها مع شرعية القصاص لكن يغلب على الظن حصوله، إذ الظاهر من حال العاقل أنه لا يقدم على القتل إذا علم أنه يقتل بسببه.
وثالثها: ما يستوى فيه الأمران قيل: هو كشرعية وجوب الحد على شارب الخمر فإنه محصل لمصلحة حفظ العقل، لكن كونه كذلك يستوى فيه الأمران أعنى الوجود والعدم؛ لأنا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه من غير ترجيح وغلبة لأحد الفريقين في العادة وفيه نظر، ذلك أنا لو سلمنا ذلك فإنما كان كذلك للتهاون والتسامح في إقامة الحد فأما مع
إقامته فلا، ونحن إنما نعتبر كونه مفضيًا إلى المقصود أو لا يكون مفضيًا إليه على تقدير رعاية المشروع، فأما بمجرد تشريع الحكم مع قطع النظر عن ذلك فلا.
ورابعها: ما يكون حصول المقصود منه مرجوحًا كشرعية نكاح الآيسة لمصلحة التوالد والتناسل، فإنه وإن كان ممكنًا عقلًا لكنه بعيد على مجرى العادة فكان مرجوحًا.
ولا يخفى أن الأول أقوى المراتب، ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع. والأولان لا نزاع فيهما عند القائلين بالقياس.
وأما الثالث والرابع مختلف فيهما، والأصح أنه يجوز التعليل بهما إذا كان ذلك في آحاد الصور الشاذة، وكان ذلك الوصف في أغلب الصور من الجنس مفضيًا إلى المقصود وإلا فلا.
والدليل عليه ما تقدم من جواز شرعية نكاح الآيسة لغرض التناسل وكذا تحقق رخصة السفر في حق الملك المترفه الذي لم يتحقق بالنسبة إليه مشقة، وكذا غيرهما من المظان الذي رتب الحكم عليها مع انتفاء ما هو مظنة له.
فإما إذا قطع بخلوه عنه لم يجز التعليل به خلافًا للحنفية، وهو كلحوق نسب المشرقي من زوجته المغربية التي لم يرها، وكوجوب الاستبراء
في الجارية التي اشتراها في المجلس بعد أن باعها فيه، فإنا نعلم قطعًا عدم العلوق منه، وكذا نعلم براءة رحمها من ماء غيره، والدليل عليه: أنه غير محتمل في هذه الصورة فلا يكون الوصف مفضيًا إليه قطعًا، وما شأنه كذلك لا يكون مناسبًا فلا يصح التعليل به.
وعلى هذا القياس تكون الأمثلة في جانب دفع المفسدة، فإن الحكم بفساد النكاح والبيع في الأنكحة والبياعات الفاسدة يدفع المفسدة الناشئة من الحكم بصحتهما قطعًا، والحكم بوجوب حد الزنا يدفع مفسدة الزنا ظنًا غالبًا، والحكم بوجوب التعزيز في الصغائر التي تدعو النفس إليه غالبًا مما يستوي فيه الأمران، والحكم برد الشهادة بتكثير اللعب بالشطرنج يفضى إلى دفع المفسدة الناشئة من القليل منه على سبيل المرجوحية.