الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثامنة
التعليل بالوصف المركب جائز عند المعظم، وقال بعضهم لا يجوز
. لنا أن ما يدل على علية الوصف من الدوران والسبر والتقسيم والمناسبة مع الاقتران لا يختص بمفرد بل دلالته عليه وعلى المركب على حد سواء، وإذا كان كذلك فلا يمتنع أن يدل شيء من ذلك على أن الوصف المركب علة الحكم فكان علة عملا بالدليل كما في المفرد.
احتج من منع ذلك بوجوه:
أحدهما: أن جواز ذلك يفضي إلى نقض العلة العقلية فكان باطلا.
بيان الأول: أن الماهية المركبة لو كانت علة لزم أن يكون عدم كل واحد من أجزائها علة مستقلة لعدم تلك العلية ضرورة انعدامها عند انعدام كل واحد منها؛ لأن العلية صفة من صفات تلك الماهية فيكون وجودها متوقفا على حصول الماهية المتوقفة على أجزائها التى عند عدم كل واحد منها تنعدم الماهية ضرورة انعدام المتوقف بانعدام المتوقف عليه.
بيان الثاني: أنه إذا انعدام جزء فقد انعدمت تلك العلية، فإذا عدم جزء آخر يستحيل انعدامها لاستحالة انعدام المعدوم، فقد حصل نقض العلة لما تقدم أن عدم كل واحد من أجزاء الماهية علة] لعدم عليتها.
بيان الثالث: أن كون عدم كل واحد من أجزاء الماهية علة [لانعدام علية تلك الماهية أمر حقيقي سواء كان عليه الشيء عقلية أو شرعية.
بيان الرابع: ظاهر على ما عرفت أن التخلف عن العلل العقلية محال في التحسين والتقبيح.
فإن قلت: هذا الدليل يقتضي أن لا توجد ماهية] مركبة [لما ذكرتم من التقرير بعينه؛ فإن عدم كل واحد من أجزائه علة لعدم تلك الماهية المركبة فإذا انعدم جزء انعدمت تلك الماهية فإذا انعدم جزء آخر لم يحصل انعدام تلك الماهية لأن تحصيل الحاصل محال فيلزم نقض العلة العقلية.
قلت: أجيب بالفرق، وهو أن الماهية: عبارة عن نفس تلك الأجزاء مجموعة فلم يكن عدم شيء من تلك الأجزاء علة لعدم شيء آخر. أما علية الوصف المركب فهي زائدة على ذات الماهية المركبة، وعدمها معلل بعدم كل واحد من أجزاء الماهية فظهر الفرق.
وهذا فيه نظر من حيث إن تقرير الدلالة/ (221/أ) يدل على أن عدم الماهية أمر يترتب على عدم كل واحد من أجزائها، فكيف يكون مع ذلك
عدم كل واحد من أجزائها عين عدمها؟
وجوابه: أنا لا نسلم أن عدم كل واحد من تلك الأجزاء علة لعدم تلك العلية؛ وهذا لأنه لو كان كذلك لكان العدم علة وهو ممنوع، ولأنه لا يلزم من عدم العلية إذ ذاك أن يكون ذلك العدم علة لجواز أن يكون ذلك لعدم تحقق الشرط وعدم الشرط ليس بعلة.
سلمنا أن العدم يصلح أن تكون علة في الجملة، لكن لا نسلم أن عدم كل واحد من أجزاء الماهية علة لعدم عليتها؛ وهذا لأن وجود تلك الأجزاء] شرط لتحقق تلك العلية بها، فانتفاء كل واحد منها انتفاء [شرط تحقق العلة فانتفاؤها لانتفاء شرطها لا للعلة.
سلمنا ذلك لكن دليلكم إنما يستقيم أن لو كانت العلية زائدة على الماهية وهو ممنوع؛ وهذا لأنها لو كانت زائدة لكانت معلولة للماهية فكانت علية الماهية لها بعلية أخرى؛ ضرورة أن المعلوم لا يصدر إلا عن علة وهي بالعلية وحينئذ يلزم التسلسل.
سلمناه لكنه يقتضي أن لا تكون للماهية المركبة صفة من الصفات وهو باطل قطعا.
وثانيها: أن كل واحد من تلك الأوصاف عند انفرادها ليس بعلة، فعند الاجتماع إن لم يحدث لها صفة زائدة على حالة الانفراد لم تكن علة حالة الاجتماع لما لم تكن علة حالة الانفراد، وإن حدثت فتلك الصفة إما العلية، أو ما يقتضيها، فإن كان فالمقتضي لها إما
كل واحد من أجزائها وهو باطل؛ لأنه حينئذ يلزم أن يكون كل واحد من تلك الأجزاء علة مستقلة، أو مجموعها وهو أيضا باطل؛ لأن كون المجموع مقتضيا للعلية مع آحادها غير مقتض لها إن لم يكن لأمر آخر زائد على حالة الانفراد لم يكن مقتضيا لها كما كان حالة الانفراد، وإن كان لأمر كان الكلام فيه كالكلام في الأول ولزم التسلسل.
وإن كان الثاني والثالث فالكلام فيهما على نهج ما سبق في العلية ويخص الثالث أنها حينئذ تكون أجنبية عن العلية فلم يكن حصول العلية عندها أولى من حصولها عند حصول سائر الحوادث.
وجوابه: النقض بالهيئة الاجتماعية، والتفصيل هو أنها حدثت لحدوث الانضمام الحاصل من الفاعل المختار وحينئذ لا يلزم التسلسل.
وثالثها: أن العلة صفة زائدة على ذات العلة بدليل أنه يمكن تعقل الذات مع الجهل بكونها علة، والمعلوم مغاير لما هو غير معلوم، ولأن العلية معنى من المعاني، والذات جوهر أو جسم فلم يكن عينه وحينئذ لو اتصفت الماهية المركبة بها فإما أن يقال: قامت بكل واحدة من تلك الصفات علية على حدة وهو باطل، أما أولا:
فلأنه جينئذ يلزم أن تكون كل واحدة من تلك الصفات علة مستقلة بنفسها وهو خلاف المفروض.
وأما ثانيا: فلأنه يلزم قيام الصفة الواحدة بمحال كثيرة.
أو قامت بمجموعها علية واحدة لمعنى أنه قام ببعضها جزؤ وببعضها الآخر جزء آخر، وهو أيضا باطل؛] لأنه يقتضي أن يكون للعلية ثلث وربع ونصف، أو قامت بواحدة منها وهو أيضا باطل [لأنه حينئذ يلزم أن
تكون تلك الصفة بعينها هي العلة دون ما عداها من الصفات ولما بطلت هذه الأقسام بطلت قيام العلية بالماهية المركبة.
وجوابه:] أنه [إنما يلزم أن لو كانت العلية صفة ثبوتية، وهو باطل وإلا لزم التسلسل كما سبق، ولأنها لو كانت ثبوتية لزم قيام العرض بالعرض لما أن المعاني تنصرف بالعلية، ولأنها إضافية ولا وجود لها في الأعيان، ولأن معنى العلة المعرف فكأن الشارع قال: مهما وجدت هذه الصفات مجموعة فاعلموا أن الحكم الفلاني حاصل في ذلك المحل ومعلوم أن هذا لا يقتضي قيام الصفة الحقيقية بها حتى يتأتى التقسيم المذكور، ولأن معنى العلة الباعث، وهو أيضا لا يقتضي أن تكون الصفات متصفة بصفة حقيقية.
سلمناه لكنه منقوض بما وضعت الألفاظ المركبة من الخبرية، والاستخبارية والأمرية، والوعدية، والوعيدية.
ورابعها: أن الماهية المركبة لو كانت علة لزم اجتماع العلل على معلوم واحد واللازم باطل فالملزوم مثله.
بيان الملازمة: هو أن عدم كل واحدة من تلك الصفات علة لانعدام العلية على ما تقدم تقريره من قبل فإذا فرض انعدام تلك الصفات بأسرها دفعة واحدة لزم اجتماع العلل على معلوم واحد.
بيان امنتاع اللازم: ما تقدم غيره مرة.
وجوابه لا يخفى مما سبق ها هنا وفيما تقدم.
وخامسها: أن كل واحد من تلك الأوصاف إن كان مناسبا للحكم كان كل واحد منها علة للأقتران والمناسبة وهو على خلاف الأصل وأيضاً: فإنه
يلزم منه اجتماع العلل الكثيرة على معلوم واحد
وإن لم يكن شيء منها مناسبا لم يكن المجموع الحاصل منها] مناسبا [لأن ضم ما لا يناسب إلى غير المناسب لا يوجب المناسبة فلم يكن المجموع مناسبا فلم يصلح للعلية.
وإن كان البعض منها مناسبا] دون البعض الآخر [كان المناسب وحده علة ولم يكن لغيره مدخل في العلية فلم يكن المجموع المركب علة بل البعض منه.
وجوابه: أنا لا نسلم إذا لم يكن كل واحد منها مناسبا لم يكن المجموع المركب منه مناسبا؛ وهذا لأنه يجوز أن يثبت للمركب ما ليس لمفرداته.
سلمنا أن ما ليس بمناسب بوجه ما لا يتألف منه مناسب لكن/ (222/أ) لم لا يجوز أن يكون كل واحد منها مناسبا بوجه ما، وإن كان غير تام المناسبة، وأنه يتألف منها تام المناسبة فيكون علة.
وأعلم أنه لا سبيل إلى إنكار جواز كون الماهية المركبة علة فإن استقراء الشرع يدل على وجوب وقوعه، فإن كون القصاص واجبا في القتل العمد العدوان دون الخطأ لا يمكن أن يستنبط منه علة بسيطة نحو القتل وحده، أو العمدية وحدها، أو العدوانية وحدها، وكذلك كون الربا جاريا في المطعوم بجنسه، أو في المكيل، أو الموزون بجنسه لا يمكن أن يجعل أحد الوصفين علة مستقلة لذلك بل مجموع الوصفين أو أحدهما بشرط الآخر، وفي الجملة أن أكثر أحكام الشرع غير ثابت على إطلاقها بل بقيود معتبرة فيها واستنباط العلة البسيطة من مثل هذه الأحكام غير ممكن فيلزم المصير إما إلى كون تلك الأحكام تعبدية وهو على خلاف الأصل، أو تجويز استخراج العلة المركبة وهو المطلوب.