الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى
اختلفوا في أن ذلك هل يقدح في علية الوصف أم لا
؟
فقال الأكثرون: أنه لا يقدح إذا كان النقض واردًا على سبيل الاستثناء، أو كان تخلف الحكم لمانع، وإن كان في العلة المستنبطة، وهو مذهب أكثر أصحاب الأئمة الثلاثة.
وذهب أكثر أصحابنا إلى أنه يقدح في علية الوصف وهو اختيار أبي الحسين البصري.
ومنهم من فصل فقال: أنه لا يقدح في المنصوصة، ويقدح في المستنبطة.
ثم من قال بالقدح فيهما مع وجود المانع فلا شك أنه يقول: إن التخلف لا لمانع يقدح في عليته بالطريق الأولى.
وأما الذين قالوا: لا يقدح ذلك في العلية فقد اختلفوا فيه:
فقال الأكثرون: أنه يقدح في عليته.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يقدح فيها.
ولا يبعد التفصيل بين المنصوصة والمستنبطة في ذلك بأن يقال: لا يقدح في المنصوصة، ويقدح في المستنبطة، وإطلاق البعض يشعر بذلك إشعارًا ظاهرًا.
وذكر الشيخ الغزالي في ذلك تفصيلًا آخر فقال: تخلف الحكم عن العلة يفرض على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يفرض في صوب جريان العلة ما يمنع اطرادها وهو الذي يسمى نقضًا، وهو ينقسم إلى ما يظهر أنه ورد مستثني عن القياس وإلى ما لا يظهر ذلك فيه، فما ظهر أنه مستثني عن القياس مع استيفاء قاعدة القياس فلا يفسد
العلة بل يخصصها بما وراء المستثنى فتكون علة في غير محل الاستثناء، ولا فرق بين أن يرد ذلك على علة مقطوعة أو مظنونة.
مثال الوارد على العلة المقطوعة: إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة، فإن علة إيجاب المثل في المثليات إنما هو تماثل الأجزاء، والشرع لما أوجب صاعًا من التمر في المصراة لم ينقص هذه العلة؛ إذ عليها التعويل في الضمانات، ولكن استثنى هذه الصورة، فهذا الاستثناء وأمثاله لا يبين لمجتهد فساد هذه العلة، ولا ينبغي أن يكلف المناظر الاحتراز عنه حتى نقول/ (193/ أ) في علته: تماثل أجزاء في غير المصراة فيقتضي إيجاب المثل؛ لأن هذا تكلف قبيح، وكذلك صدور الجناية من الشخص علة وجوب الغرامة عليه، فورود ضرب الدية على العاقلة في بعض الجنايات لا يفسد هذه العلة ولكنه استثنى هذه الصورة فتخصصت لعلة بما وراءها.
ومثال ما ورد على العلة المظنونة: مسألة العرايا فإنها لا تنقض التعليل بالطعم؛ إذ فهم أن ذلك استثناء لرخصة الحاجة ولم يرد ورود النسخ للربا، ودليل كونه مستنثى: أنه يرد على كل علة كالكيل وغيره.
وكذلك إذا قلنا: عبادة مفروضة فتفتقر إلى تعيين النية، لم تنتقض بالحج فإنه ورد على خلاف قياس العبادات؛ لأنه لو أهل بإهلال زيد صح ولا يعهد مثله.
أما إذا لم يرد مورد لاستثناء فلا يخلو إما أن يرد على العلة المنصوصة
أو على غيرها. فإن ورد على المنصوصة فلا يتصور هذا إلا بأن ينعطف به قيد على العلة، ويتبين أن ما ذكرناه لم يكن تمام العلة.
مثاله قولنا: خارج فتنتقض الطهارة أخذًا من قوله عليه السلام: " الوضوء مما يخرج".
ثم بان أنه لم يتوضأ عن الحجامة، فيعلم أن العلة بتمامها لم يذكرها في الحديث، وأن العلة إنما هو الخارج من السبيلين، فكان ما ذكر من مطلق الخروج إنما هو بعض العلة، فالعلة إن كانت منصوصة ولم يرد النقض مورد الاستثناء، لم يتصور إلا كذلك.
وإن لم يكن كذلك فيجب تأويل التعليل؛ إذ قد يرد بصيغة التعليل ما لا يراد به التعليل، أو وإن أريد منه ذلك لكن لا للحكم المذكور بل لحكم آخر كقوله تعالى:{يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} ثم علل ذلك بقوله تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} ومن المعلوم أنه ليس كل من يشاقق الله ورسوله يخرب بيته فتكون العلة منقوضة، ولا يمكن أن يقال: إنه علة في حقهم خاصة؛ لأن هذا يعد تهافتا في الكلام فإذا الحكم
المعلل بذلك ليس هو التخريب المذكور بل وهو لازمه أو جزؤه الأعم هو كونه عذابًا، ولا شك أن كل من يشاقق الله ورسوله فإنه معذب أما بخراب البيت، أو بغيره، وهذا وإن كان خلاف الظاهر وتأويلا للنص لكن يجب المصير إليه لئلا يكون الكلام منتقضًا.
أما إذا ورد على العلة المظنونة لا في معرض الاستثناء وانقدح جواب عن محل النقض من طريق الإخالة أن كانت العلة مخيلة، أو من طريق الشبه إن كانت شبهًا فهذا يبين أن ما ذكرناه لم يكن تمام العلة وانعطف قيد على العلة من مسألة النقض به يندفع النقض، أما إذا كانت العلة مخيلة ولم ينقدح جواب مناسب وأمكن أن يكون النقض دليلًا علي فساد العلة و [أمكن] أن يكون معرفا اختصاص العلة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبهية يفصلها عن غير مجراها فهذا يجب الاحتراز عنه بينهم في الجدل للناظر لكن المجتهد الناظر ماذا عليه أن يعتقد في هذه العلل الانتقاض والفساد أو التخصيص؟ وهذا عندي في محل الاجتهاد ويتبع كل مجتهد ما غلب على ظنه.
مثاله: قولنا: أن صوم رمضان يفتقر إلى تبييت النية؛ لأن النية لا تنعطف على ما مضى، وصوم جميع النهار واجب وأنه لا يتجزأ، فينتفض هذا بالتطوع فإنه لا يصح إلا بنية ولا يتجزأ على المذهب الصحيح ولا بمذهب من يقول إنه صائم بعض النهار فيحتمل أن ينقدح عند المجتهد فساد هذه العلة بسبب التطوع، ويحتمل أن ينقدح له أن التطوع ورد مستثني رخصة لتكثير النوافل؛ ولهذا سامح الشرع في التطوع بما لا يسامح به في الفرض، فيكون وصف الفرضية فاصلًا بين مجري العلة وموقفها، ويكون ذلك وصفًا شبهيًا اعتبر في استعمال المخيل وتمييز مجراه عن موقفه، ومن أنكر قياس الشبه جوز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهي أيضًا، فأكثر العلل
المخيلة خصص الشرع اعتبارها بمواضع لا ينقدح في تعيين المحل معنى مناسب وعلى هذا أصل العلة، وهذا التردد إنما ينقدح في معني مؤثر لا يحتاج إلى شهادة الأصل فإن مقدمات هذا القياس مؤثرة بالاتفاق فإن قولنا: إن كل الصوم واجب وأن النية عزم لا ينعطف على الماضي وأن الصوم لا يصح إلا بنية فإن كانت العلة مناسبة بحيث يفتقر إلى أصل يستشهد به فإنما يشهد بصحتها ثبوت الحكم في موضع واحد على وفقه فتنتقض هذه الشهادة بتخلف الحكم عنه في موضع آخر فإن إثبات الحكم على وفق المعنى إن دل على التفات الشرع [فقطع الحكم أيضًا يدل على أعراض الشرع عنه، وقول القائل: إني أتبعه إلا في محل إعراض الشرع] بالنص ليس هو بأولى من قول من قال: أعرض عنه إلا في محل اعتبار الشرع إياه بالتنصيص على الحكم، وعلى الجملة يجوز أن يصرح الشرع بتخصيص العلة واستثناء صورة عنها، ولكن إذا لم يصرح واحتمل نفي الحكم مع وجود العلة أن يكون لفساد/ (194/ أ) العلة واحتمل أن يكون لتخصيص العلة، فإن كانت العلة قطعية كان تنزيلها على التخصيص أولى من التنزيل على نسخ العلة وإبطالها، وإن كانت مظنونة ولا مستند للظن إلا إثبات الحكم في موضع على وفقها، فينقطع هذا الظن بإعراض الشرع عن إثباتها في موضع وإن كانت مستقلة مؤثرة كما ذكرناه في مسألة تبيت النية كان ذلك في محل الاجتهاد.
الوجه الثاني لانتفاء العلة: أن تنتفي لا لخلل في نفس العلة لكن يندفع الحكم عنه بمعارضة علة أخرى دافعة.
مثاله: قولنا: إن علة رق الولد ملك الأم، ثم المغرور بحرية جارية ينعقد ولده حرًا، وقد وجد رق الأم وانتفي رق الولد لكن هذا انعدام بطريق الاندفاع بعلة دافعة مع كمال العلة المرقة بدليل أن الغرم يجب على المغرور، ولولا أن الرق في حكم الحاصل المندفع لما وجبت قيمة الولد فهذا النمط لا يرد
نقضًا على المناظر ولا يتبين للناظر فساد في العلة؛ لأن الحكم هاهنا كأنه حصل تقديرًا.
الوجه الثالث: أن يكون النقض مائلا عن صوب جريان العلة ويكون تخلف الحكم لا لخلل في ركن العلة لكن لعدم مصادفتها محلها، وشرطها، وأهلها.
كقولنا: السرقة علة القطع، وقد وجد في النباش فيجب القطع فقيل: يبطل هذا بسرقة ما دون النصاب، وسرقة الصبي وبالسرقة من غير الحرز.
أو نقول البيع علة الملك وقد جرى فليثبت الملك في زمان الخيار فقيل: هذا باطل ببيع المستولدة، والموقوف، والمرهون، وأمثال ذلك فهذا جنس لا يلتفت إليه المجتهد؛ لأن نظره في تحقق العلة دون شرطها ومحلها فهو مائل عن صوب نظره، أما المناظر فهل يلزمه الاحتراز عنه، أم يقبل منه العذر بأن هذا منحرف عن مقصد النظر وليس [عليه] البحث عن المحل والشرط؟ هذا مما اختلف فيه الجدليون.
وهذا تمام كلامه فيما يتعلق بهذا التفصيل، وهو مما لا بأس به وإن كان في بعضه نظر.
والمختار وهو أن التخلف إن كان لمانع سواء كان في المنصوصة المظنونة، أو في المستنبطة، أو كان على وجه الاستثناء في المنصوصة المقطوعة لم يقدح وإلا قدح.
أما إن التخلف أن كان للمانع فلا يقدح في العلية فلوجوه:
أحدها: أن المناسبة مع الاقتران دليل العلية، وقد وجد في الأصل الوصف
المناسب [لثبوت الحكم مقترنًا معه، وفي صورة النقض الوصف المناسب]
لعدم الحكم مقترنًا معه فلو قلنا: أن تخصيص العلة لمانع لا يقدح في العلية لكنا عملنا بهذين الأصلين، وإن كنا خالفنا أصلًا آخر وهو أن الأصل أن يكون عدم الحكم لعدم المقتضي إذ إحالة انتفاء الحكم إلى المانع يستلزم التعارض الذي هو خلاف الأصل، ومستلزم خلاف الأصل خلاف الأصل، ولو قلنا: بأن تخصيص العلة يقدح في العلية [لكنا خالفنا ذينك الأصلين وإن كنا عملنا بأصل واحد وهو] ما تقدم، ومعلوم أن أعمال الأصلين أولى من أعمال أصل واحد.
فإن قلت: لا نسلم أن مجرد المناسبة مع الاقتران دليل العلية بل هما مع الاطراد، وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور.
قلت: سيأتي الجواب عنه في الجواب عن حجج المخالفين.
وثانيها: أن العقل والعرف يتطابقان على أن الحكم قد يتخلف في الصور للمانع، ولذلك فإن العقلاء وأهل العرف يعرفون ذلك في تعليلهم ألا ترى أن الإنسان قد يعطي للفقير درهمًا ويعلله بفقره، فإذا منع فقيرًا آخر فقيل له في ذلك، فيعلل منعه إياه بفسقه ولم يقبح هذان التعليلان منه لا بحسب العقل، ولا بحسب العرف، ولو كان تخصيص العلة غير جائز لقبح التعليلان، وإذا ثبت أن ذلك جائز في العرف وجب أن يجوز في الشرع لقوله عليه السلام:"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن".
وثالثها: أن العلة لا تخلو إما أن تكون منصوصة أو مستنبطة، فإن كان الأول
فإما أن يجعل التنصيص عليها تنصيصًا على الحكم، أو لا يجعل ذلك بل يجعل كالتنصيص على علته [و] على التقديرين يجب أن لا يكون التخصيص قادحًا في العلية كما أن تخصيص عموم النص لا يقدح على النافي، وإن كانت مستنبطة فكذلك؛ لأنه ليس في أدلة الاستنباط إلا أن هذا الوصف علة، فإما أنه لا يجوز أن أن يتخلف الحكم عنه لمانع أو فقد شرط فليس فيه دلالة على ذلك أصلًا، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون التخصيص لمانع قادحًا في علية الوصف، فإن ما يقدح في شيء لابد وأن يكون منافيًا لوجه دلالة الدليل على ذلك الشيء من كل الوجوه أو من بعضه، أو يكون منافيًا لما اقتضاه ذلك الدليل من الحكم.
فإن قلت: هذا ينتقض بما إذا كان تخلف الحكم لا لمانع ولا لفقد شرط فإن ما ذكرتم من الاعتبار حاصل فيه مع أنكم سلمتم أنه يقدح في عليته.
قلت: لا نسلم حصول ذلك الاعتبار فيه؛ وهذا لأن تجويز تخلف/ (199/ أ) الحكم عن العلة من غير مانع وفقد شرط ينافي معنى العلية التي هي مدلول دليل العلية؛ لأنه لا معنى لكون الوصف علة للحكم إلا أنه يستلزم الحكم ويعلق به أينما وجد بشروطه بلا مانع، وتخلف الحكم لا لسبب ينافي هذا المعنى ورود التعبد بالقياس من حيث إنها لا يمكن الاستدلال بحصوله على حصول الحكم بل يحتاج فيه إلى منفصل بخلاف ما إذا كان التخلف لسبب فإنه لا ينافي كل ذلك كما في صورة وجود المعارض للدليل الدال على الحكم فإنه يستلزم حصول المدلول عند عدم المعارض ومعه لا يستلزم ولا يقدح ذلك في كونه دليلًا ولو تخلف عنه عند عدمه لقدح ذلك في كونه دليلًا على الحكم.
ورابعها: أن بعض الصحابة قال بتخصيص العلة، روى عن ابن مسعود- رضي الله عنه أنه كان يقول:"هذا حكم معدول به عن القياس".
وعن ابن عباس- رضي الله عنه مثله، واشتهر ذلك فيما بين الصحابة ولم ينكر عليهما أحد فكان إجماعًا، ومن الظاهر أنه لا يجوز أن يتناول [ذلك صور التخصيص بلا سبب لأنه يلزم حينئذ أن يكون الحكم] بذلك الحكم المعدول به عن القياس لا عن دليل بل بمجرد التشهي وهو باطل قطعًا؛ فإن الحكم لا عن دليل باطل فكيف إذا كان على مخالفة دليل آخر فيتعين أن يكون المراد منه ما إذا كان ذلك لمانع يقتضي ذلك الحكم المعدول به عن سنن القياس.
وما يقال عليه: وهو أنهم، وإن قالوا بذلك لكنهم لم يقولوا بأن ذلك القياس حجة فهو وإن كان إشكالًا قويًا على هذا المسلك.
لكن يمكن أن يجاب عنه بأن نقول: إنه أطلق عليه القياس وهو يشعر إشعارًا ظاهرًا بكونه حجة، وتسميته بذلك اعتبارًا بما كان قبل ذلك الحكم المعدول به مجاز على خلاف الأصل والقياس الغير المعمول به من المنسوخ والفاسد لا نسلم أن يسمي قياسًا إذ ذاك على الإطلاق في العرف، وإن سمى به مقيدًا.
وخامسها: أن اقتضاء العلة للحكم في محل، إن لم يتوقف على اقتضائه في محل آخر فقد حصل الغرض وهو أن يكون مقتضيًا له في محل وإن لم يكن مقتضيًا له في محل آخر وإلا لكان متوقفًا عليه، ونحن نتكلم على خلاف
هذا التقدير، وإن توقف فلا يخلو إما أن يكون الاقتضاء في محل آخر يتوقف على الاقتضاء في المحل المتوقف عليه أولا، والأول باطل لأنه يلزم الدور، والثاني أيضًا باطل لأنه يلزم ترجيح أحدهما على الآخر من غير مرجح، وهو أيضًا ممتنع، ولما بطل القسمان بطل القول بالتوقف.
وهذا ضعيف لما تقدم في باب العموم، ولما أنه يقتضي جواز التخصيص وإن لم يكن لمانع وفقد شرط.
وسادسها: أن الوصف المناسب بعد التخصيص يفيد ظن ثبوت الحكم فإنا إذا عرفنا أن العالم مستحق للإكرام مطلوب البقاء غلب على ظننا حرمة قتله، وإن لم يخطر ببالنا في ذلك الوقت ماهية القتل فضلًا عن عدم كونه قاتلًا قتلًا عمدًا عدوانًا للمكافئ مع أنه مخصوص بهذه الصورة، فلو كان عدم القتل المذكور جزءًا من المقتضي لما حصل الظن بحرمة قتله بمجرد العلم لكونه عالما ولما لم يكن كذلك بل حصل الظن بحرمة قتله بمجرد العلم بكونه عالمًا علمنا أن عدم القتل المذكور ليس جزءًا من المقتضي، وإذا ثبت أنه يفيد ظن ثبوت الحكم لزم العمل به لما تقدم أن العمل بالظن واجب.
وما ذكر جواب عن هذا وهو: أنه ينعطف من الفرق بين الأصل وصورة التخصيص قيد على العلة فليس بجواب عنه؛ لأنا بينا أنه يحصل لنا غلبة الظن بالحكم وأن لم يخطر ببالنا ذلك العدم فانعطاف القيد إنما يكون بعد خطران الفرق الناشئ من خطر أن ذلك العدم فلم يكن ذلك القيد جزأ من المقتضي.
وسابعها: أن استقراء الشريعة يدل على جواز تخصيص العلة لمعني يقتضي ذلك، فإنه قلما تثبت فيها قاعدة ممهدة لعلة معلومة أو مظنونة إلا وقد ورد فيها ما يخصها لمعنى فيه، أما ما ورد على خلاف العلة المعلومة فيجوز أن
إتلاف المثلى سبب لوجوب المثل وإتلاف ذوات القيم سبب لوجود القيمة وهو معلوم في الشريعة قطعًا مع أنه ورد في المصراة ما يخالفه، ولم يبطل تلك القاعدة لورود ذلك الحكم على خلافها وفاقًا وكذلك كون الجناية سببًا لوجوب غرامتها على فاعلها أو منتسبها معلوم، مع أنه ورد وجوب الدية على العاقلة في القتل الخطأ ولم يبطل تلك القاعدة بسببها إجماعًا لما كان ذلك واردًا على وجه الاستثناء لمعني فيه.
وأما ما ورد على العلة المظنونة فنحو العرايا، وبيع الجفنة بالجفنتين على مذهب أبي حنيفة- رضي الله عنه والعتق تحت الحر على مذهب الشافعي- رضي الله عنه مع أن ظاهر قوله عليه السلام:"ملكت بضعك فاختاري" يدل على أن ملك البضع سبب للاختيار، ولو قيل بأن مطلق إتلاف المثلى أو ذوات القيم ليس سببًا لوجوب المثل أو القيمة بل في غير المصراة لتطرق مثله في كل ما يدعي علة بأن يقال: إنما هو علة في غير محل النزاع ولا نسلم عليته فيه، فإن المناسبة والاقتران ما دل على عليته إلا في الأصل وحينئذ ينسد باب الاستدلال بالعلة على الحكم في المتنازع فيه فثبت/ (196/ أ) أن استقراء الشريعة يدل على جواز تخصيص العلة معلومة كانت أو مظنونة لمعاني توجد في صورة التخصيص وذلك هو المطلوب.
وثامنها: لو لم يجز تخصيص العلة للزم أن يكون العدم جزء علة الوجود في كثير من الصور لكن الثاني باطل فالمقدم مثله.
أما بيان الملازمة: فهو أنه إذا لم يجز تخصيص العلة لم يتصور انتفاء الحكم عن محل لانتفاء علته، فإن توقيف الاقتضاء على حصول الشرط أو عدم المانع حينئذ يكون باطلًا بل مجموع ما يتوقف عليه الحكم هو العلة، فإذا رأينا
صورًا يتوقف ثبوت الحكم فيها على الإعدام لزمنا أن نقول أن تلك الإعدام أجزاء لتلك العلل، أما بيان بطلان الثاني فلوجهين:
أحدهما: أن العلية صفة ثبوتية فيستحيل قيامها بما ليس موجودًا وما جزؤه العدم ليس بموجود، لأن المركب من الوجودي والعدمي عدمي.
وثانيهما: أن العلية مبنية على التأثير وما جزؤه العدم لا يؤثر.
فإن قلت: العلة عندنا مفسرة بالمعرف، والعدم لا يمتنع أن يكون معرفًا فضلًا عن أن يكون جزء المعرف كما في انتفاء معارض المعجزة فإنه جزء دلالة المعجزة على الصدق.
سلمنا أن العلة مفسرة بغيره، لكن لا نسلم أنه يلزم أن يكون الإعدام في تلك الصورة التي يتوقف الحكم عليها أجزاء للعلل، ولم لا يجوز أن تكون كاشفة عن أمور أخر وجودية تنضم إلى العلل ويصير المجموع علة الحكم.
قلت: الجواب عن الأول هو: أن البحث في أن تخصيص العلة هل هو جائز أم لا؟ ينبغي أن يكون مبنيًا على كون العلة مفسرة بغير المعرف فإن بتقدير أن تكون العلة مفسرة بالمعرف لا يتجه هذا البحث وأن خروج المعروف عن كونه معرفًا في بعض الصور لا يقتضي خروجه عن كونه معرفًا في البعض الآخر كما في العام المخصوص، ولم يظهر بينه وبين العلة حينئذ فرق، فإذا لم يقدح التخصيص في حجية العام لم يقدح في العلية بهذا التفسير، فأما إذا كانت مفسرة بغيره فإنه يتجه ذلك من حيث إنها حينئذ تشبه العلل العقلية وتخصيصها وانتقاضها غير جائز فكذا ما يشبهه، وكلامهم يشعر بهذا إشعارًا ظاهرًا فإنهم قاسوا العلل الشرعية على العلل العقلية، ولما فرق
بينهما بأن العلل العقلية موجبة لذواتها، وعلل الشرع ليست كذلك بل هي أمارة، والأمارة قد تكون أمارة في الحال، ولا تكون أمارة في حالة أخرى والعلل العقلية لا يجوز أن تكون علة في زمان دون زمان.
أجاب بعضهم: بأنها وإن لم تكن موجبة لذواتها لكنها موجبة بجعل الشارع إياها فوجب أن تجري مجراها.
وأجاب البعض الآخر: بأن العلل العقلية إنما كانت كذلك لكونها علة، والعلة الشرعية علة فوجب أن تكون كذلك، وإنما لم يجب وجود حكمها عند وجودها إذا لم تكن علة كما قبل الشرع أو بعد نسخها فغما ما دام هو علة فلا يجوز أن يتخلف الحكم عنها فإذا تخلف دل على بطلانها، ومعلوم أن هذا الكلام كله يدل على أن هذا البحث مبني على أنها مفسرة بغير المعرف.
سلمنا أنه غير مبني عليه لكن لا يجوز جعل العدم جزء العلة وإن كان بمعنى المعرف وإلا لوجب ذكره عند المناظرة ضرورة أنه لابد من ذكر العلة وهو بدون الجزء محال لكن لا يدب ذكره لا في- العلة ولا في العام المخصوص وفاقًا فلا يكون جزءًا منه.
وما يقال عليه: إن ذلك أمر يتعلق بالاصطلاح وإلا فالتمسك بالعام لا يجوز إلا بعد ظن عدم المخصص ضعيف؛ لأن الأصل أن يكون الاصطلاح مطابقًا للواقع في نفس الأمر.
سلمنا أن ذلك ليس بأصل لكن لا نسلم أنه لا يجوز التمسك بالعام إلا بعد ظن عدم المخصص فإنه يجوز التمسك بالعام ابتداء ما لم يظهر المخصص على ما تقدم تقريره فإن أريد به ظن عدمه بالأصل فهذا القدر حاصل في نفي المعارض الذي ليس بمخصص مع أن نفيه ليس جزءًا من الدليل وفاقًا.
وعن الثاني وهو مما عول عليه أكثر المانعين من تخصيص العلة في الجواب عن إلزام جعل العدم جزء علة الوجود، وهو: أن الأصل عدم ذلك الأمر الوجودي لاسيما بوصف كونه ملازمًا لذلك العدم.
وأيضًا: فإن ما لا دليل عليه وإن كان لا يجب القطع بنفيه عن نفسه لكن لا شك في أنه يحصل الظن بنفيه، والظن كاف في هذه المسألة إذ هي ظنية.
سلمنا أنه لا يحصل العلم والا الظن وأنه مجرد احتمال لكن لا شك في أنه لا يجوز إثبات الحكم على مجرد الاحتمال سواء كان الحكم قطعيًا أو ظنيًا، فلا يجوز أن يبني على ذلك الأمر الذي لم يدل عليه دليل عدم جواز تخصيص العلة.
فإن قلت: نحن لا نبني عدم جواز التخصيص على ذلك الاحتمال بل يقطع به استدلال الخصم، فإنه لما قال القول بعدم جواز تخصيص العلة يقتضي أن يكون العدم جزء علة الوجود منعنا ذلك فأسندناه إلى ذلك الاحتمال ومجرد الاحتمال كاف في ذلك وعلى المستدل إبطاله.
سلمناه لكن لا نسلم أنه لا يدل عليه دليل وأي شيء تعني به؟ تعني به: أنه لا يدل عليه دليل تفصيلي فهذا مسلم، لكن/ (197/ أ) لا يلزم منه أن لا يدل عليه دليل لجواز أن يدل عليه دليل إجمالي.
وإن عنيت به: أنه لا يدل عليه دليل فهذا ممنوع؛ وهذا لأن لما دل على أن تخصيص العلة غير جائز ودل الدليل على أن الحكم يتوقف على أمور عدمية في كثير من الصور، وأنها لا يجوز أن تكون أجزاء علل الوجود لزم أن يقال أنها كاشفة عن أمور وجودية تنضم إلى الحاصل من قبل ويصير المجموع علة الحكم حتى يلزم الجمع بين الأدلة ولا يلزم بطلان واحد منها.
قلت: الجواب عن الأول: أن مجرد الاحتمال إنما يكفي في دفع ما يرد على الخصم إذا كان له في المسألة دليل آخر يصلح أن يبني اجتهاده عليه، فأما إذا لم يكن في المسألة دليل آخر بل لا تصح تلك المسألة إلا بذلك الاحتمال كما هو في مثالنا فلا نسلم أنه يكتفي بذلك القدر وهذا لأن الناظر هو المجتهد وهو لا يجوز له أن يبني اجتهاده على مجرد الاحتمال، فكذا للمناظر فيما يتخذه مذهبًا، نعم له ذلك في دفع ما يرد عليه من المحذور لكن بشرط أن لا يكون ذلك الاحتمال معتمدة فيما ذهب إليه.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن الدليل دل على [أن] تخصيص العلة غير جائز وسنجيب عن كل ما يذكره الخصم من الدلالة عليه.
سلمناه لكن لو لم نجوز تخصيص العلة لزم أيضًا الترك بمقتضي الدليل ما تقدم تقريره في الوجه الأول فلم كان ذلك النوع من الجمع بين الدليلين أولى من هذا النوع وعليكم الترجيح لأنكم المستدلون في هذا المقام؟.
ثم أنه معنا؛ لأن ترك العلم بالمناسبة والاقتران يقتضي رفع ذات العلة، وأما ترك دليل عدم جواز التخصيص يقتضي رفع وصف العلة وهو الاطراد ومعلوم أن ما يرفع ذات الشيء أشد محذورًا مما يرفع وصفه.
احتجوا بوجوه:
أحدها: أن اقتضاء العلة للحكم أن لم يعتبر فيه انتفاء المعارض فحينئذ يحصل الحكم سواء حصل المعارض أو لم يحصل عملًا بالعلة السالمة عن معارضة ما ينفي اقتضاؤها للحكم لكن ذلك باطل؛ لأنه يقتضي أن لا يكون المعارض معارضها، وإن اعتبر لم يكن علة إلا عند انتفاء المعارض وذلك يقتضي أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ليس تمام العلة بل بعضها.
وهو ضعيف لأنا وإن سلمنا أنه لا يعتبر في اقتضاء العلة للحكم عدم المعارض لكن لا يلزم منه وجود الحكم معه لجواز أن يكون انتفاؤه معتبرًا في وجود الحكم وإن لم يكن معتبرًا في الاقتضاء، فإن الاقتضاء غير حصول الحكم فلا يلزم من أن يكون الانتفاء غير معتبر في الاقتضاء غير معتبر في حصول الحكم، ولهذا حصول المعارض لا ينفي اقتضاء الدليل للمدلول، وإن كان ينفي حصول المدلول وهذا يسهل دفعه بأن يردد في حصول الحكم عنها فيقال: حصول الحكم عن العلة أن لم يعتبر فيه انتفاء المعارض [لم يكن المعارض] معارضها، وإنما الذي يضعفه هو الاعتراض على القسم الثاني ولا محيص عنه سواء ردد في الاقتضاء أو في حصول الحكم عنه، وهو أنا لا نسلم أنه أن اعتبر فيه انتفاء المعارض لم يكن الحاصل قبل انتفاء المعارض تمام العلة بل بعضها وما الدليل عليه، وهذا فإن من جوز تخصيص العلة جوز أن تكون ذات العلة حاصلة وإن لم يكن الحكم حاصلًا معها لفقد شرط أو وجود مانع فادعاء كون الحاصل قبل انتفاء المعارض لم يكن تمام العلة ادعاء نفس المتنازع فيه من غير دليل.
لا يقال: العدم لا يجوز أن يكون شرط العلة على ما تقدم تقريره أيضًا فلا يجوز أن يجعل انتفاء المعارض شرطًا لأنا نقول: لو لم يجز جعله شرطًا لم يجز جعله جزءًا بالطريق الأولى.
فإن قلت: نحن لا نجعله جزءًا بل نجعله [كاشفًا عنه قلت: قد سبق الجواب عنه، سلمناه لكن نحن أيضًا لا نجعله شرطًا بل] كاشفًا عن أمر وجودي آخر وهو شرط.
وثانيها: وهو ما ذكره أبو الحسين البصري وهو: أن تخصيص العلة مما يمنع [كونها أمارة على الحكم في شيء من الفروع سواء ظن كونها جهة المصلحة أو
لا يظن] ذلك لكن ذلك باطل؛ لأن العلة فائدتها كونها توجب العلم أو الظن بثبوت الحكم في غير الأصل مما يشاركه من الصور فيها وإلا ففي الأصل لا حاجة إليها لثبوت الحكم فيه بالنص، وإذا لم يحصل هذا بطل كونه علة.
بيان أنه يمنع كونها أمارة على الحكم: أنا إذا علمنا أن علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلًا هو كونه موزونًا، ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بالرصاص متفاضلًا مثلا مع أنه موزون فلا يخلو: أما أن يعلم ذلك بعلة أخرى تقتضي إباحته أو بنص، فإن علمنا إباحته بعلة أخرى يقاس بها الرصاص على أصل ثبت فيه ذلك الحكم لكونه أبيض مثلا فإنا إذا علمنا في شيء أنه موزون وشككنا في كونه أبيض مثلا لم نعلم قبح بيعه متفاضلًا ما لمنتعلم أنه ليس بأبيض كما لو شككنا في كونه موزونًا فظهر أنه لا يعلم بعد التخصيص تحريم بيع شيء متفاضلًا لكونه موزونًا فقط فبطل أن يكون كونه موزونًا [وحدة علة بل كونه موزونًا] مع كونه غير أبيض، وإن علمنا إباحته بالنص فالكلام بالنص فالكلام فيه كما في القسم الأول.
وجوابه: قريب مما مر عن الوجه الأول، وهو أنا نسلم أنه مما انتفى الحكم عن العلة في بعض الصور لمعارض فما لم يعلم أو يظن انتفاء ذلك المعارض في غيره من الصور لا يمكننا إثبات ذلك الحكم فيه لكن لم قلتم أنه يلزم منه أن يكون انتفاء ذلك المعارض/ (198/ أ) داخلًا في ذات العلة بل جاز أن يكون شرطًا، هذا بعد تسليم انتفاء اللازم وفي مقدماته كلام ستعرفه في مسألة أن التعليل بالعلة القاصرة يجوز.
وثالثها: أن بين كون المقتضي مقتضيًا اقتضاءً حقيقيًا بالفعل وبين كون المانع مانعًا منعًا حقيقيًا بالفعل منافاة بالذات، وشرط طريان أحد الضدين انتفاء
الضد الآخر، ولا يجوز أن يكون انتفاء الأول لطريان اللاحق وإلا وقع الدور، فلما كان شرط كون المانع مانعًا بالفعل خروج المقتضي عن أن يكون مقتضيًا بالفعل لم يجز أن يكون خروج المقتضي كونه مقتضيًا بالفعل [بالمانع وإلا لزم الدور فيكون خروجه عن أن يكون مقتضيًا بالفعل] بذاته وقد انعقد الإجماع على أن ما يكون كذلك فإنه لا يصلح للعلية.
وهو أيضًا ضعيف؛ لأنه إن عنى بالشرط ما ينعدم المشروط عند عدمه لم يلزم من كون طريان الثاني مشروطًا بانتفاء الأول، وكون انتفاء الأول مشروطًا بطريان الثاني الدور، وكذلك لم يلزم من كون المانع مانعًا بالفعل مشروطًا بخروج المقتضي عن كونه مقتضيًا، وخروج المقتضي عن كونه مقتضيًا بالفعل مشروطًا بكون المانع بالفعل الدور؛ لأن المتلازمين والمتضايفين بهذه المثابة مع عدم امتناعهما، وإن عنى به معني يتقدم على المشروط ولو بالرتبة فلا نسلم تحقق الشرطية بهذا المعنى فيما ذكره من الموضعين، والذي نحققه أن انتفاء أحد النقيضين هو عين وجود الآخر وإلا لزم الواسطة بينهما وهو ممتنع فلو كان أحد المتنافين مشروطًا بانتفاء الآخر لزم أن يكون الشيء مشروطًا بنفسه وهو محال.
ورابعها: وهو أن الوصف وجد في الأصل مع وجود الحكم وفي صورة التخصيص مع عدمه، ووجوده مع الحكم لا يقتضي القطع بكونه على لذلك الحكم هناك لكن وجوده مع عدم الحكم في صورة التخصيص يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم، ثم أن الوصف الحاصل في الفرع كما
أنه مثل الوصف الحاصل في الأصل فهو أيضًا مثل الوصف الحاصل في صورة التخصيص فليس إلحاقه بأحدهما أولى ومن إلحاقه بالثاني ولما تعارضا لم يجز إلحاقه بواحد منهما فلم يجز الحكم عليه بالعلية.
وجوابه: أنا لا نسلم أن وجود الوصف مع عدم الحكم يقتضي ظن عدم عليته له مطلقًا فضلًا عن أن يقتضي القطع بعدم عليته؛ وهذا لأنا لما جوزنا انتفاء الحكم المانع وجدنا في صورة التخصيص معني مناسبًا لعدم الحكم غلب على الظن إحالة ذلك النفي إلى ذلك المعني فيبقي ظن علية الوصف كما كان.
سلمنا التعارض لكن الترجيح معنا فإن [الأصل في] الوصف مع الاقتران أن يكون على فعند ذلك إذا رأينا الحكم متخلفًا عنه في صورة وعثرنا في تلك الصورة على أمر يصلح أن يكون مانعًا وجب إحالة ذلك التخلف على المانع عملًا بالمناسبة والاقتران.
أجاب المانعون عنه: أن الأصل ترتب الحكم على المقتضي، فحيث لم يترتب الحكم عليه وجب الحكم بأنه ليس بعلة، عملا بهذا الأصل فصار هذا الأصل معارضًا للأصل الذي ذكرتموه، وإذا تعارضا وجب الرجوع إلى ما كان عليه أولًا وهو عدم العلية.
قال المجوزون: الترجيح معنا من وجهين:
الأول: أنا إذا اعتقدنا أن هذا الوصف ليس بعلة يلزمنا ترك العمل بالمناسبة مع الاقتران من كل وجه.
وأما إذا اعتقدنا أنه علة عملنا بما ذكرتم من الأصل من بعض الوجوه؛ لأن ذلك الوصف يفيد الأثر في بعض الصور، ولا شك أن ترك العمل
بالدليل من وجه دون وجه أولى من ترك العمل بالدليل من كل الوجوه.
الثاني: وهو أن الوصف الذي ندعي كونه مانعًا في صورة التخصيص يناسب انتفاء الحكم، والانتفاء حاصل معه فيغلب على الظن أن علة ذلك الانتفاء إنما هو ذلك الوصف، وإذا ثبت هذا فنقول: معكم أصل واحد، وهو أن الأصل ترتب الحكم على العلة، ومعنا أصلان:
أحدهما: أن المناسبة مع الاقتران دليل على كون الوصف في الأصل علة لثبوت الحكم فيه.
الثاني: أن المناسبة مع الاقتران في صورة التخصيص دليل على كون المانع علة لانتفاء الحكم فيها، ومعلوم أن العمل بالأصلين أولى من العمل بالأصل الواحد.
أجاب المانعون عن الأول: بأنا لا نسلم حينئذ أن المناسبة مع الاقتران دليل العلية بل عندنا: المناسبة مع الاقتران والاطراد دليل العلية، فإن حذفتم الاطراد عن درجة الاعتبار فهو أول المسألة.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن انتفاء الحكم في محل التخصيص يمكن تعليله بالمانع؛ لأن ذلك الانتفاء كان حاصلًا قبل حصول ذلك المانع، والحاصل لا يمكن تحصيله ثانيًا.
أجاب المجوزون عن الأول من وجهين:
أحدهما: أن ما ذكرنا من الدليل في باب المناسبة يفيد أنها مع الاقتران [تفيد ظن العلية من غير إشعار باعتبار الاطراد وذلك يفيد أنها مع الاقتران] دليل العلية من غير اعتبار الاطراد وإلا لزم الترك بمقتضي ذلك الدليل، والأصل عدم دليل آخر يدل على اعتباره، وبتقدير حصول ذلك فإنه لا
ينافي ما هو المطلوب في هذا المقام، إذ المطلوب في هذا المقام أن لو لم نقل بعلية الوصف مع المناسبة والاقتران لزم الترك بالدليل وهو حاصل إذ يترك/ (199/ أ) الدليل الذي تقدم ذكره حينئذ.
وثانيهما: هب أن ذلك الدليل لم يفد ذلك لكن نقول: إلا أن الدليل على أن المناسبة مع الاقتران يفيد ظن العلية هو أنا إذا رأينا الوصف مناسبًا والحكم مقترنًا به فإنه غلب على الظن بأول النظر إليه أنه علة مع قطع النظر عن البحث في أن الحكم هل هو مقارن له في جميع محاله أم لا؟ والعلم بهذا جلي بعد الاستقراء والتجربة، ولو كان الاطراد جزء دليل العلية لاستحال حصول الظن بالعلية بدونه، ثم الذي تحقق أن الاطراد غير داخل في ماهية دليل العلية هو أن حاصله يرجع إلى السلامة عن النقض المعارض لدليل العلية، وعدم المعارض غير داخل في ماهية المعارض الآخر وإلا لم يتصور المعارض.
وعن الثاني أيضًا من وجهين:
أحدهما: أن العلة الشرعية معرفة لا يمتنع تعليل المتقدم بالمتأخر بهذا التفسير.
وهذا الجواب ضعيف لما تقدم أن البحث في هذه المسألة بناء على أن العلة مفسرة بغير المعرف [ويؤكده: ما أورد عليه بأن العلة إذا كانت مفسرة بالمعرف] لم يمتنع من تعليل ذلك الانتفاء بعدم المقتضي تعليله بعدم المانع أيضًا لجواز أن يجتمع على المطلوب الواحد دليلان معرفان:
أحدهما وجودي، والآخر عدمي، ولا يتصور النزاع في المسألة حينئذ
وإنما يجوز اجتماع العلل على المعلول الواحد بمعني المعرف لا بغيره.
وثانيهما: أن المانع ليس علة للانتفاء الحاصل قبله، بل هو علة منع الحكم من الدخول في الوجود بعد أن كان بعرضية الدخول فيه ولا نسلم بعدم هذا المعني عليه، وما ذكر الإمام عليه من الاعتراض وهو: أن المعلل بالمانع يستحيل أن يكون إعدام شيء؛ لأن ذلك يستدعي سابقة الوجود، وها هنا لم يوجد الحكم ألبتة فيستحيل إعدامه، وحينئذ يلزم أن يكون المستند إلى المانع إنما هو العدم السابق وحينئذ يلزم المحذور المذكور. فضعيف؛ لأنا وإن سلمنا أن تأثير المانع ليس في إعدام شيء موجود، لكن لا يلزم منه أن يكون المستند إليه ليس إلا العدم السابق الذي يعبر عنه بالانتفاء، لجواز أن يكون المستند إليه المنع من الدخول بعد أن كان بعرضيته وهو الذي يعبر عنه بالنفي، ولا شك أن هذا المعني مغاير للمعنيين السابقين أعني إعدام شيء أو الانتفاء الأصلي.
وخامسها: وهو أن تعليل نفي الحكم بالمانع وفوات الشرط في صورة التخصيص يتوقف على وجود المقتضي، فإن بتقدير أن لا يكون المقتضي موجودًا فيها كان عدم الحكم معللًا فيها بعدم المقتضي لا بالمانع وفوات الشرط ووجود المقتضي فيها يتوقف على وجود المانع وفوات الشرط؛ فإن بتقدير أن لا يكون المانع موجودًا فيها ولا يكون الشرط فائتًا فيها لم يكن المقتضي موجودًا فيها، ضرورة أن عدم الحكم فيها حينئذ مضاف إلى عدم المقتضي وإلا لكان الحكم حاصلًا فيها، وإذا توقف كل واحد من وجود المقتضي ووجود المانع على الآخر كان دورًا محالًا، وهو إنما لزم من التعليل بالمانع وفوات الشرط في صورة التخصيص فكان ممتنعًا.
وجوابه: أنا وإن سلمنا التوقف من الجانبين مع أن فيه كلامًا ستعرفه في
مسألة أن التعليل بالمانع هل يتوقف على وجود المقتضي أم لا؟ ومن حيث أنه يمكن أن يعرف وجود المقتضي بالمناسبة والاقتران أو غيره من الطرق مع قطع النظر عن وجود المانع، وكيف لا وتوقفه عليه يقتضي بطلان كون المناسبة مع الاقتران طريقًا إلى معرفة المقتضي، وكذا غيره من الطرق يقتضي توقف أحد المعارضين على الآخر، ومعلوم أن أحد المعارضين لا يتوقف على الآخر لكن توقف المعية لا توقف التقدم والتأخر، والممتنع إنما هو الثاني دون الأول، فلم قلتم أن الممتنع هو اللازم، وما ذكرتم من الدلالة لا يدل عليه لتأتيها في المتلازمين والمتضايفين.
وسادسها: القياس على العلل العقلية والجامع وهو كون الحكم متعلقا بكل واحد منهما وأنهما علة.
وجوابه: منع الحكم في المقيس عليه، فإن تخلف الحكم عن العلل العقلية جائز عندنا لفقد الشرط أو وجود المانع على ما عرف ذلك في موضعه.
سلمناه لكن الفرق بينهما حاصل وهو أنها مقتضية للحكم بذاتها والعلل الشرعية ليست كذلك بل هي علل بوضع الشارع لها فلا يمتنع أن وضعها بحيث يتخلف عنها الحكم لفقد الشرط أو وجود مانع، فلا يقدح ذلك في الوضع.
وسابعها: طريق صحة العلة الشرعية اطرادها وهو أن يجري معها حكمها، فإذا لم يطرد لم يصح لانتفاء طريق صحتها.
وجوابه: أنه إن عنى به انحصار طريق صحتها في الاطراد فهذا ممنوع؛ وهذا فإن عندنا طرق صحتها متعددة كما سبق.
وإن عنى به أنه من جملة طرقها فهذا لو سلم لم يلزم منه انتفاء طريق صحتها عند انتفائه؛ لأن لصحتها طرقًا أخر فلا يلزم من عدم اطرادها انتفاء طريق صحتها.
وأيضًا: فإنه إن عني بالاطراد جريان حكمها في جميع صور حصولها سواء وجد هناك مانع أو لم يوجد فلا نسلم أنه بهذا التفسير من جملة طرقها؛ فإن هذا عندنا ممتنع فكيف يكون طريقًا إلى معرفة العلة وإن عني به جريان حكمها في جميع الصور التي وجدت فيها شرائطها وارتفعت موانعها فهذا/ (200/ أ) مسلم لكن لا نسلم أنها لم تطرد بهذا التفسير.
وثامنها: أن العلة في القياس طريق إلى إثبات الحكم في الفروع، فإذا وجدت في الفرعين امتنع أن يكون طريقًا إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر كما في الإدراكات والأدلة العقلية.
وجوابه: أن وجودها في الفرعين لو كان على حد سواء لزم ما ذكرتم فأما إذا لم يكن كذلك بل وجدت في النقض مع المانع أو مع فقد الشرط ووجد في الفرع الآخر بدونها لم يلزم ذلك، وكذا الحكم في الإدراكات والأدلة العقلية، فإن الإدراك إنما يحصل إذا وجد مع أسبابها بشرائطها وارتفاع موانعها، فأما بدون ذلك فلا. سلمناه لكن الفرق بين المقيس والمقيس عليه ثابت وهو ما تقدم.
وتاسعها: لو لم يجب حصول الحكم حيث حصلت العلة فأما أن لا يجب حصوله في شيء من صور حصولها وهو باطل قطعًا، أو يجب في البعض دون البعض فيلزم الترجيح من غير مرجح وهو ممتنع فيتعين أن يقال: إنه يحب حصوله حيث حصلت.
[وجوابه: منع لزوم الترجيح من غير مرحج وسنده غير خاف مما سبق]
وعاشرها: أنكم وافقتموها في المعني ونازعتمونا في اللفظ والنزاع فيه لا يليق بذوي التحصيل والتحقيق، فإن لكل أحد أن يفسر لفظه بما شاء.
بيان ذلك: أنا أجمعنا على أنه يعتبر في ثبوت الحكم في جميع مجاري علته وجود شرائطها وعدم موانعها ومعارضها، بقي النزاع في أن تلك الأمور التي يتوقف عليها حصول الحكم من العلة هي تسمي جزؤ العلة أم لا؟ ومعلوم أن ذلك نزاع في محض اللفظ.
وجوابه: أنا لا نسلم أن النزاع إنما هو في محض اللفظ بل في المعني؛ وهذا لأن الذين يجوزون تخصيص العلة لفقد الشرط أو وجود مانع يجوزون أن يكون عدم المانع شرطًا وأن يكون الشرط عدميًا، وإن فسرنا العلة بالموجب والداعي ولا يشترط فيه المناسبة ولا ذكره في ابتداء التعليل.
وأما الذين لا يجوزون تخصيص العلة فإنهم لا يجوزون أن يكون العدم أو العدمي جزؤ العلة بل هو كاشف عن أمر آخر وجودي ينضم إلى غيره من الأجزاء ويصير المجموع علة ما سبق. وهذا إذا فسرت العلة بغير المعرف.
أما إذا فسرت بالمعرف على ما ذكره الإمام في هذا المقام فإنهم يجوزون أن يكون العدم جزء العلة لكنه يجب البحث عن مناسبته فإن وجدوه مناسبًا صححوا العلة وإلا أبطلوها.
وأما الدليل على أن تخلف الحكم عن العلة [من غير مانع أو فقد شرط]
يقدح في عليته فهو أن العلة إذا وجدت بتمامها بحيث لا يفتقد شيء مما يتوقف عليه صدور الحكم عنها، ولم يوجب الحكم في بعض الصور وأوجبته في البعض الآخر لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر وهو محال، وأيضًا المناسبة مع الاقتران وإن دل على أن الوصف علة الحكم ظاهرًا لكن التخلف بدون ظهور ما يصلح أن يكون مستندًا للعدم أيضًا يدل على عدم العلية ظاهرًا بالاستقراء، وحينئذ يتعارض الظاهران ووجب الرجوع إلى ما كان عليه الوصف في نفسه من قبل وهو عدم العلية.
احتجوا بوجهين:
أحدهما: أن العلل الشرعية أمارات على الأحكام، فوجودها في بعض الصور دون حكمها وإن كان من غير مانع لا يقدح في كونها أمارات على الأحكام؛ إذ ليس من شرط الأمارة أن يصحبها الحكم ولا يتخلف عنها أصلًا، وإلا لكان دليلًا قاطعًا لا أمارة ولهذا تخلف المطر في بعض الأوقات عن الغيم الرطب في الشتاء لا يقدح في كونه أمارة على نزول المطر ونحوه من النظائر كثير.
وجوابه: أنا لا نسلم أن تخلف الحكم عن الأمارة في بعض الصور لا يقدح في كونها أمارة.
قوله: لو صحبها الحكم في كل الصور لم تكن أمارة بل قاطعًا.
قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن القاطع هو الذي لا يجوز أن ينفك الحكم عنه [ولو لمانع لا أنه الذي لا ينفك الحكم عنه]؛ فإن الدليل الظني قد لا ينفك الحكم عنه وإن كان يجوز أن ينفك عنه لمانع، وما ذكره من المثال فأنا لا نسلم أنه لا يقدح ذلك في غلبة الظن في كونه أمارة على نزول المطر، وإنما
يقدح ذلك فيه وفي سائر الأمارات إذا غلب على ظنه حصول ما يلازم انتفاء الحكم في صورة التخلف فأما إذا لم يحصل ذلك فلا نسلم أنه لا يقدح ذلك فيه.
ثم الذي يؤيد ما ذكرنا من الاحتمال هو أن الدليل الذي دل على كون الأمارة أمارة للحكم الفلاني أما أن اعتبر في كونها أمارة صورًا مخصوصة وصفة مخصوصة، وهيئة مخصوصة، أو لم يعتبر ذلك بل دل على أنها أمارة في سائر الصور كيف ما حصلت فإن كان الأول لم يكن تخلف الحكم في غير تلك الصور، وفي غير تلك الصفة والهيئة تخلف الحكم عن الأمارة بل عن بعضها؛ وفي غير تلك الصفة والهيئة تخلف الحكم عن الأمارة بل عن بعضها؛ لأن تلك الخصوصيات معتبرة في ماهية تلك الأمارة حينئذ وإن كان الثاني امتنع التخلف وإلا لزم الترك بمقتضي دليل الأمارة وهو باطل.
وثانيهما: أن العلة المستنبطة أمارة فجاز تخصيصها كالمنصوصة.
وجوابه: منع حكم الأصل من غير مانع واستثناء وأن/ (201/ أ) قاس عليهما فالفرق واضح.