الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة
الرجل الذي تنزل به الواقعة إن كان عاميًا صرفًا جاز له الاستفتاء
على ما تقدم تقريره.
وإن كان عالما ولكن لم يبلغ درجة الاجتهاد والإفتاء لغيره إن جوز ذلك كما هو المعتاد هذا الزمان فالأظهر أنه يجوز له الاستفتاء أيضًا، لأنه عامي بالنسبة إلى معرفة ما يوجب الحكم المطلوب فجاز له الاستفتاء كالعامي الصرف.
ومنهم من لم يجوز له ذلك بل يوجب عليه أن يعرف ذلك الحكم بدليله، ولو أنه بالمراجعة إلى المفتين، لأن له صلاحية معرفة طرق الأحكام بخلاف العامي فإنه ليس له ذلك فكان يجب عليه ذلك.
وبالجملة الخلاف ها هنا أولى من العامي الصرف لكونه عالمًا الفنون.
وإن كان عالما بلغ درجة الاجتهاد فإن اجتهد في الواقعة وأدى اجتهاده إلى حكم لم يجز له الرجوع إلى غيره في تلك الواقعة إجماعًا.
لأن لم يجتهد فيها فهاهنا اختلفوا فيه.
فذهب أكثر أصحابنا وجمع من الأصوليين كالقاض أبى بكر إلى أنه لا يجوز للعالم تقليد غيره مطلقًا سواء كان من الصحابة أو من غيرهم، وسواء كان أعلم منه أو لم يكن.
وذهب الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه وسفيان الثوري إلى أنه يجوز له ذلك مطلقًا، وهو رواية عن ابن حنيفة. ومنهم من فضل وذكروا فيه وجوها.
أحدها: قول من قال كالجبائي: الأولى له أن يجتهد، وإن لم يجتهد وترك الأولى جار له تقليد واحد من الصحابة إذا كان مترجحًا في نظره على غيره ممن خالفه وإن استووا في في نظره يخير في تقليد من شاء منهم ولا يجوز له تقليد من عداهم من المجتهدين.
وثانيها: أنه يجوز لمن بعد الصحابة تقليدهم، ولا يجوز لهم تقليد غيرهم وهو القول القديم للشافعي- رضى الله عنه.
وهذا التقييد يقتضي أن لا يجوز أن يقلد الصحابة بعضهم بعضًا.
وثالثها: أنه يجوز للعالم تقليد الأعلم دون من هو مثله أو دونه وهو قول
محمد بن الحسن.
ورابعها: أنه يجوز أن يقلد العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد إما لتحيوه، أو لفوات وقته وهو قول ابن سريح.
وخامسها: أنه يجوز فيما يخصه دون ما يفتى به.
وسادسها: أنه يجوز فيما يخصه دون ما يفتى به لكن بشرط خوف فوات الوقت وهو منسوب إلى ابن سريح أيضًا.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولى الأبصار} ولا شك أن المجتهد داخل تحته وإلا لزم تعطيل النص إذ العامي غير مراد منه؛ ولهذا كان مأمورًا بالقياس وفاقًا، وإذا كان مأمورًا بالاعتبار لم يجز له التقليد؛ لأن/ (324/ أ) فيه ترك الاعتبار المأمور به فيكون غير جائز، وكون العامي مخصوصًا من الآية لعجزه عن الاعتبار المعتبر في الشرع لا يوجب تخصيص المتمكن منه، وإن لم يلزم منه تعطيل النص فكيف يوجبه حيث يلزم ذلك.
وثانيها: أنه متمكن من الأصول إلى حكم المسألة بفكره فوجب أن يحرم عليه التقليد كما في أصول. الدين، والجامع: وجوب الاحتراز المحتمل عند القدرة على الاحتراز عنه.
واعترض عليه: بأن المطلوب في أصول الدين العلم، وهو غير حاصل بالتقليد بخلاف الأحكام الاجتهادية فإن المطلوب فيها الظن وهو حاصل بالتقليد
وأجيب عنه: بان ليس المطلوب فيها الظن كيف ما كان بدليل أنه لا يجوز الاكتفاء بالظن الضعيف مع القدرة على الظن القوى ولا شك أن الظن الحاصل من التقليد أضعف من الظن الحاصل من النظر في الدليل فحينئذ يلزم أن لا يجوز الاكتفاء بالتقليد مع القدرة على النظر في دليل المسالة، ولهذا قلنا: لا يجوز الاكتفاء بالظن في المطالب الأصولية؛ لأن المكلف قادر على تحصيل اليقين فيها لوجود الدليل المقيد لليقين ولا مكان النظر.
واعترض عليه أيضًا: بالنقض بقضاء القاضي، فإنه لا يجوز خلافه وإن كان ذلك تقليدًا إذ لا معنى للتقليد سوى قبول الحكم من غير حجة.
وإن كان المجتهد متمكنًا من معرفة الحكم بالنظر في الدليل وبالقرب من الرسول- عليه السلام فإنه متمكن من الوصول إلى المسألة مع أنه يجوز له أن يسأل من أخبر عن الرسول- عليه السلام وأجيب عن الأول: أنا نمنع أن ذلك التقليد، وهذا لأن الدليل لما دل على أن الحكم الذى قضي القاضي به لا يمكن نقضه بالاجتهاد والنظر لم يكن العمل بما قضى القاضي به تقليدًا بل هو محمل بذلك الدليل.
فإن قلت: هذا يقتضى أن لا يكون قبول العامي قول المفتي تقليدًا؛ لأنه لما دل الدليل على وجوب قبول قوله كان العمل به عملا بذلك الدليل فلا يكون تقليدًا وهو خلاف الإجماع.
قلت: لكن ذلك الدليل ووجه دلالته على المطلوب لا يعرفه العامة فيكون ذلك تقليدًا في حقه بخلاف الدليل الدال على عدم جواز نقض قضاء القاضي فإنه يعرفه المجتهد فلا يكون ذلك تقليدًا في حقه.
وأجيب عن الثاني: بمنع الحكم ولئن سلم لكن لما دل القاطع على وجوب قبول خبر الواحد لم يكن ذلك تقليدًا.
وثالثها: أنه لو جاز له القبول قبل الاجتهاد لجاز له القبول بعد الاجتهاد واللازم باطل إجماعًا فالملزوم مثله.
وهو ضعيف؛ لأنه قياس خال عن الجامع.
سلمنا لكن الفرق ظاهر، وهو أن بعد الاجتهاد حصل له الظن القوى بالحكم فلا يجوز له العدول عنه إلى الظن الضعيف بخلاف ما قبل الاجتهاد فإنه لم يحصل له هذا الظن وإن كانت القدرة عليه حاصلة.
ورابعها: أنه لو جاز لبعض المجتهدين [من]، غير الصحابة أن يقلد المجتهد من الصحابة أن يقلد المجتهد من الصحابي لجاز لبعض المجتهدين [من]، الصحابة أن يقلد الآخر منهم وحينئذ يلزم أن لا يكون لمناظرتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى"
وهو أيضًا ضعيف؛ لأنا لا نسلم أنه من الأول الثاني، وهذا لأن الوثوق باجتهاد الصحابي بسبب مشاهدة الوحى والتنزيل، ومعرفة نقل الدلائل والتأويل، والاطلاع على القرائن الحالية، والمقالية، وزيادة اختصاصه بالتشديد في البحث عن قواعد الدين، وتأسيس الشريعة، وعدم تسامحهم فيها أشد من غيرهم أكثر من الوثوق باجتهاد غير الصحابي، ومثل هذا التفاوت غير حاصل فيما بين الصحابة فلم يلزم من جواز تقليد المجتهد الغير صحابي للصحابي جواز تقليد المجتهد من الصحابي [للصحابي].
سلمناه لكن لا نسلم عدم جوازه، وهذا لأنه ذهب بعضهم إلى أنه يجوز للعالم تقليد الأعلم منهم، ولا نسلم أنه لا يكون لمناظرتهم حينئذ معنى؟ وهذا لأن فائدتها الاطلاع على المأخذ الراجح ليحصل منه الظن القوى، ولا يلزم من كون الرجل أعلم أن يكون دليل ما أدى إليه اجتهاده راجحًا دائما فالمناظرة تكشف عن ذلك.
وخامسها: أن الدليل ينفى قبول قول الغير من غير حجة وبينة، ترك العمل به في حق العامي لمسيس الحاجة فوجب أن يبقى في حق غيره على الأصل. وسادسها. أن جواز تقليد المجتهد للمجتهد حكم شرعي فلا بد له من الدليل، والأصل عدم ذلك الدليل فمن ادعى فعليه بيانه، والقياس على العامي لا يصلح أن يكون دليلاً لما تقدم من الفرق.
واحتج المجوزون بوجوه:
أحدها: قوله [تعالى]: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} والمجتهد قبل النظر لا يعلم فوجب أن يجوز له السؤال.
وجوابه: أنه يقتضى جواز التقليد بعد النظر والاجتهاد أيضًا ضرورة أنه لا يعلم حينئذ أيضًا.
سلمناه لكن المراد منه المقلدون بدليل قوله [تعالى]: {إن كمن لا تعلمون} وهو لا يصدق على المجتهد، ضرورة أنه عالم، ولا يخرج عن كونه عالمًا بان لا تكون المسالة حاضرة في فإنه مع التمكن من معرفتها من غير أن يتعلم من غيره، ولأن قوله:{فاسألوا أهل الذكر} ينفى أن يكون المجتهد منه مرادًا، لأن المجتهد من أهل الذكر؛ لأن أهل الشيء من أهل لذلك الشيء لا من حصل له ذلك، ولا شك أن المجتهد تأهل لذكر الشيء فيكون أهل/ (325/ أ) الذكر فيكون مسئولاً لا سائلاً، ولأن ظاهر الآية يقتضى وجوب السؤال وهو غير ثابت في حق المجتهد إجماعًا، وإنما هو ثابت في حق العوام فيجب تخصيصه بهم لئلا يلزم الترك بالظاهر.
سلمنا أن المجتهد يجوز أن يكون مرادًا منه لكن نقول: ما عنه السؤال غير مبين في الآية فيحمل على السؤال عن وجه دلالة الدليل ليحصل العلم وهذا كما يقال: كل لتشبع، واشرب لتروى.
وثانيها. قوله تعالى: {فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} الآية.
ووجه الاستدلال به: أنه أوجب الحذر بإنذار من تفقه في الدين مطلقًا فوجب على العالم قبوله كما وجب على العامي ذلك.
وقوله: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} والعلماء من أولى الأمر؛ لأن أمرهم نافذ على الأمراء والولاة، فإذا أمر العلماء بشيء وجب أن يتمثل.
وجواب الأول: أن الآية محمولة على الرواية دون الفتوى على ما تقريره.
سلمنا أنها تتناولها لكن تقتضى وجوب الحذر على ما تقدم تقريره، وهو غير ثابت في حق العالم إجماعا، فلا تكون الفتوى مرادًا منه بالنسبة إلى العالم، وأيضًا خص منه ما بعد الاجتهاد فكذا ما قبله بجامع التمكن من معرفة. الحكم بالنظر.
وجواب الثاني: أنا لا نسلم أن المراد من أولى الأمر العلماء؛ وهذا لأن المتبادر منه إلى الفهم الأمراء والولاة، أوجب الله تعالى على العوام طاعتهم.
سلمنا أنه يتناول العلماء أيضا لكن المراد منه طاعة العوام لهم بدليل أن ذلك هو الواجب على العوام، وأما طاعة المجتهد للمجتهد فغير واجبة فلا تكون
مرادة منها.
سلمنا وجوب طاعة العلماء للعلماء، لكن في الجملة أو كل شيء؟ والأول مسلم؛ وهذا لأن طاعتهم واجبة على الكل في الأقضية والأحكام، والثاني ممنوع وهذا لأنه ليس في النص ما يدل على التعميم.
وثالثها: التمسك بالخبر نحو قوله عليه السلام: {اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر}
وقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" وقوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
والاستدلال بها إنما هو من جواز تقليد الصحابة دون غيرهم وهو ظاهر، فإنه أمر بذلك وأقل درجات الامر الجواز.
وجوابه: ما سيأتي في أن قول الصحابي حجة أم لا؟ وبتقدير تسليمه فإنما يجوز تقليدهم دون تقليد غيرهم من المجتهدين.
ورابعها: إجماع الصحابة، روى عن عبد الرحمن بن عوف قال لعثمان: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، فقبل ذلك مع أنه كان- رضى الله عنه- أهلاً للاجتهاد، وكان ذلك بمحضر من علماء الصحابة فلم ينكر عليه أحد فكان ذلك إجماع وكون علي- رضى الله له عنه- لم يقبل ذلك لم يدل على عدم جواز قبوله [بل على عدم وجوب قبوله]، ونحن نقول
إنه غير واجب القبول بل هو جائز القبول
وروى أيضًا أن عمر- رضى الله عنه- رجع إلى قول على ومعاذ رضى الله عنهم- ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان ذلك إجماعًا.
وجوابه: أن المراد من سيرة الشيخين: طريقتهما في العدل والانصاف، والانقياد للحق، والبعد عن حب الدنيا؛ لأنه المفهوم من السيرة، ولا يفهم من قولنا سيرة فلان ما أدى إليه اجتهاده، ولو سلم لكن يجب المصير إلى ما ذكرنا جمعًا بين الدليلين، ولئلا يلزم وجوب التقليد الذى هو مخالف للإجماع.
وخامسها: أن اجتهاد المجتهد لا يفيد إلا الظن، وإذا أفتاه مجتهد آخر فقد حصل له الظن أيضًا، والظن معول عليه في الشرعيات فكان اتباعه جائزًا وجوابه؛ أنه أضعف من ظن الاجتهاد وهو معلوم قطعًا، ولا يجوز العمل بالظن الضعيف مع القدرة على الظن القوى.
وسادسها. أن المجتهد إذا أدى اجتهاده إلى العمل بفتوى مجتهد آخر، لقد حصل له ظن أن حكم الله- تعالى ذلك وذلك يقتضى أن يحصل له ظن أنه لو لم يعمل له لاستحق العقاب فوجب أن يجب العمل به دفعًا للضرر المظنون
وجوابه: أن ما أدى إليه اجتهاد المجتهد من الظن إنما يعمل به إذا لم يقم دليل سمعي يصرف عنه، فأما بتقدير ذلك فلا، وها هنا قامت الدلائل السمعية وهى ما ذكرنا من الأدلة على الصوف عنه فوجب الامتناع من العمل بهذا الظن.
وسابعها: أنه حكم يسوغ فيه الاجتهاد، فجاز لمن لم يكن عالمًا له تقليد من علمه كالعامي بجامع حصول الظن بقول المفتي.
وجوابه: لا يخفى مما تقدم.
وثامنها: يجوز للمجتهد أن يقبل خبر الواحد عن مجتهد آخر بل عن عامي، وإنما جاز ذلك اعتمادًا على عقله ودينه، فإذا أخبر المجتهد عن مقتضى ذلك الخبر مع أن احتياط الشخص فيما يفتيه أكثر من احتياطه فيما يرويه فلأن يجوز له العمل به كان أولى.
وجوابه: أن احتمال الخطأ فيما اجتهد الانسان فيه بنفسه أقل مما اجتهد فيه غيره، ولا يلزم من قبول الرواية من المجتهد ليجتهد بنفسه فيه قبول اجتهاد غيره.