المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة الثالثةالرجل الذي تنزل به الواقعة إن كان عاميا صرفا جاز له الاستفتاء - نهاية الوصول في دراية الأصول - جـ ٨

[الصفي الهندي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الرابعفي الركن الثالثوهو العلة

- ‌القسم الأول:في الطرق الدالة على كون الوصف علة الحكم

- ‌الفصل الثانيفي إثبات العلية بالمناسبة والإخالةوهي من الطرق العقلية

- ‌المسألة الأولىفي تعريف المناسب:

- ‌المسألة الثانيةاعلم أن الحكم إذا شرع للمناسبة فلابد وأن يكون محصلًا للمصلحة أو دافعًا للمفسدة، أو محصلًا للمصلحة ودافعًا للمفسدة معًا

- ‌المسألة الثالثةفي تقسيم المناسب

- ‌المسألة الرابعةفي أن مناسبة المصلحة تبطل وتحرم بمناسبة مفسدة مساوية أو راجحة، وقال قوم لا تبطل وهو اختيار الإمام

- ‌المسألة الخامسةفي إقامة الدلالة على أن المناسبة دالة على كون الوصف علة الحكم

- ‌الفصل الثالثفي قياس الشبه

- ‌المسألة الأولىفي تعريف ماهيته

- ‌المسألة الثانيةفي إقامة الدلالة على أنه حجة إذا اقترن به الحكم

- ‌المسألة الثالثةذهب بعض أصحابنا أن الوصف الشبهي إذا لم يعرف تأثير عينه في عين الحكم بل عرف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم لا يكون حجة. وخالفه الباقون وهو المختار

- ‌الفصل الرابعفي الدورانويسمى بالطرد والعكس

- ‌الفصل الخامسفي السبر والتقسيم

- ‌الفصل السادسفي الطرد

- ‌الفصل السابعفي تنقيح المناط

- ‌الفصل الثامنفيما ظن أنه من طرق إثبات العلة وليس كذلك

- ‌القسم الثانيمن الطرق الدالة على أن الوصف لا يجوز أن يكون علة الحكم

- ‌الفصل الأولفي النقض

- ‌المسألة الأولىاختلفوا في أن ذلك هل يقدح في علية الوصف أم لا

- ‌المسألة الثانيةالقائلون بأن تخلف الحكم عن الوصف لمانع أو لغير مانع لا يقدح في عليته اتفقوا على أن تخلفه كذلك عن حكمة الوصف لا يقدح في عليته.فأما القائلون بأن تخلفه عن الوصف يقدح في عليته اختلفوا في أن تخلفه عن حكمه المقصودة هل يقدح في عليته أم لا

- ‌المسألة الثالثةالقائلون بتخصيص العلة اختلفوا في أنه هل يجب على المستدل ابتداء التعرض لنفي المانع، أم لا

- ‌المسألة الرابعةالقائلون بعدم تخصيص العلة اختلفوا في النقض إذا كان واردًا على سبيل الاستثناء

- ‌المسألة الخامسةفي الكسروهو نقض يرد على بعض أوصاف العلة

- ‌المسألة السادسةفي كيفية دفع النقض

- ‌الفصل الثانيفي عدم التأثير والعكس

- ‌المسألة الأولىفي معناهما:

- ‌المسألة الثانيةفي أن عدم التأثير يقدح في العلية

- ‌المسألة الثالثةفي أن العكس غير واجب في العلة عقلية كانت أو شرعية

- ‌الفصل الثالثفي القلب

- ‌المسألة الأولىفي حقيقته

- ‌المسألة الثانية

- ‌المسألة الثالثةفي أقسام القلب:

- ‌الفصل الرابعفي القول بالموجب

- ‌الفصل الخامسفي الفرق

- ‌المسألة الأولى

- ‌المسألة الثانيةيجوز تعليل الحكم الواحد نوعًا المختلف شخصًا بعلل مختلفة وفاقًا

- ‌المسألة الثالثةالقائلون بكون الفرق يقدح في العلية اختلفوا في أنه هل هو من تمامه ولوازمه نفيه عن الفرع أم لا

- ‌المسألة الرابعة

- ‌القسم الثالثفي أمور ظنت أنها تفسد العلة مع أنها ليست

- ‌المسألة الأولىفي تقسيم العلة

- ‌المسألة الثانيةاختلفوا في جواز التعليل بمحل الحكم، أو جزئه الخاص:

- ‌المسألة الثالثةالحق أنه لا يجوز أن تكون علة الحكم في الأصل بمعني الأمارة

- ‌المسألة الرابعةيجوز التعليل بالحكمة عند قوم.وقال قوم لا يجوز

- ‌المسألة الخامسةذهب جمع إلى جواز التعليل بالعدم ثبوتيا كان الحكم أو عدميا

- ‌المسألة السادسةاختلفوا في جواز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي:

- ‌المسالة السابعةالتعليل بالأوصاف العرفية

- ‌المسألة الثامنةالتعليل بالوصف المركب جائز عند المعظم، وقال بعضهم لا يجوز

- ‌المسألة التاسعةأطبق الكل على أن العلة المنصوصة أو المجمع عليها يجوز أن تكون قاصرة، وأختلفوا في المستنبطة:

- ‌المسألة العاشرةاتفقوا على التعليل بمجرد الاسم غير جائز

- ‌المسألة الحادية عشرة

- ‌المسألة الثانية عشرةذهب الأكثرون إلى إنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة، خلافا للأقلين من المتأخرين

- ‌المسألة الثالثة عشرةفي تقسيم العلة باعتبارات أخر غير ما تقدم

- ‌المسألة الرابعة عشرةاعلم أن الاستدلال قد يكون بذات العلة على الحكم، وقد يكون بعلية الحكم للحكم عليه

- ‌المسألة الخامسة عشرةاعلم أن تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي يسمى تعليلا بالمانع

- ‌خاتمة لهذا القسم بمسائل في أحكام العلة لم يتقدم ذكرها

- ‌المسألة الثانيةالوصف الذي جعل علة الحكم بمعنى الباعث لا شتمالها على الحكمة يجب أن لا يمكن بمثابة يلزم منه إثبات الحكم، أو نفيه مع القطع

- ‌المسألة الثالثةقيل الوصف الذي جعل ضابطا لحكمته يجب أن يكون جامعا للحكمة

- ‌المسألة الرابعةالمشهور أنه لا يجوز تعليل الحكم بعلة متأخرة عنه في الوجود

- ‌المسألة الخامسة: (231/ أ)العلة المستنبطة من الحكم يجب أن لا ترجع إليه بالإبطال، ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا في الأصل

- ‌الباب الخامسفي الركن الرابع وهو الفرع

- ‌النوع الخامس عشرفي الاعتراضات [وأجوبتها]

- ‌النوع السادس عشرالكلام في التعادل والتراجيح

- ‌ القسم الأول في التعادل

- ‌المسألة الأولىأطبق الكل على أن تعادل القاطعين المتنافيين عقليين كانا أو نقليين غير جائزة

- ‌المسألة الثانيةالقائلون بجواز هذا التعادل [قالوا: إن وقع هذا التعادل]، للإنسان في عمل نفسه كان حكمه فيه التخيير، أو التساقط والرجوع إلى غيرهما

- ‌المسألة الثالثةالمجتهد إذا نقل عنه قولان كالوجوب والتحريم مثلاً

- ‌القسم الثانيفي التراجيح

- ‌الفصل الأولفي مقدمات التراجيح

- ‌المسالة الأولى: في حد الترجيح

- ‌المسألة الثانيةذهب الأكثرون إلى وجوب العمل بالراجح سواء كان الترجيح معلومًا أو مظنونًا

- ‌المسألة الثالثةلا يتطرق الترجيح إلى الأدلة القطعية

- ‌المسألة الرابعةالمشهور أن العقليات لا يتطرق الترجيح إليها

- ‌المسالة الخامسةذهب الشافعي ومالك- رضي الله عنهما إلى أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة، خلافًا للحنفية

- ‌المسألة السادسةإذا تعارض دليلان فإن لم يمكن العمل بكل واحد منهما بوجه دون وجه صير إلى الترجيح

- ‌المسألة السابعةإذا تعارض نصان فإما أن يكونا عامين، أو خاصين.أو أحدهما عامًا والآخر خاصًا

- ‌الفصل الثانيفي تراجيح الأخبار

- ‌المسألة الأولىفي ترجيح الخبر بكيفية السند

- ‌المسألة الثانيةفي ترجيح الخبر بكيفية الرواية

- ‌المسألة الثالثةفي الترجيح بحال وروده

- ‌المسألة الرابعةفي ترجيح الخبر باعتبار اللفظ

- ‌المسألة الخامسةفي ترجيح الخبر باعتبار مدلوله وهو الحكم

- ‌المسالة السادسةفي ترجيح الخبر بالأمور الخارجية

- ‌الفصل الثالثفي ترجيح القياس بحسب علته

- ‌المسألة الأولىفي ترجيح القياس بحسب ماهية علته

- ‌المسألة الثانيةفي ترجيح القياس بحسب الدليل الدال على وجود علته

- ‌المسألة الثالثةفي ترجيح القياس بسبب الدليل الدال على علية الوصف في الأصل

- ‌المسألة الرابعةفي ترجيح القياس بسبب وصف العلة

- ‌النوع السابع عشر في الاجتهاد

- ‌ المقدمة:

- ‌الفصل الأولفي المجتهد

- ‌المسألة الأولىاختلفوا في أن الرسول- عليه السلام هل كان يجوز له الاجتهاد فيما لا نص فيه:

- ‌المسألة الثانيةاتفقوا على جواز الاجتهاد بعد الرسول- عليه السلام

- ‌المسأله الثالثةفي شرائط المجتهد

- ‌المسألة الرابعةاختلفوا في أن صفة الاجتهاد هل تحصل في فن دون فن أم لا

- ‌الفصل الثانيفي المجتهد فيه

- ‌المسألة الأولىذهب الجماهير إلى أنه ليس كل مجهد في الأصول مصيبًا

- ‌المسألة الثانيةفي تصويب المجتهدين في الأحكام الشرعية

- ‌النوع الثامن عشرالكلام في المفتي والمستفتي وما فيه الاستفتاء

- ‌الفصل الأول في المفتي

- ‌المسألة الأولىفي المفتي المجتهد إذا أفتى مرة بما أدى إليه اجتهاده، ثم سئل مرة أخرى عن تلك الحادثة بعينها:

- ‌المسألة الثانيةفي أن غير المجتهد هل يجوز له الفتوى بما يحكيه عن الغير من المجتهدين

- ‌المسألة الثالثةالمختار عند الأكثرين أنه يجوز خلو عصر من الأعصار عن الذي يمكن تفويض الفتوى إليه سواء كان مجتهدًا مطلقًا، أو كان مجتهدًا في مذهب المجتهد، ومنع منه الأقلون كالحنابلة

- ‌الفصل الثانيفي المستفتي

- ‌المسألة الأولىيجوز للعامي أن يقلد المجتهدين في مسائل الفروع اجتهادية كانت أو غير اجتهادية

- ‌المسألة الثانيةفي شرائط الاستفتاء

- ‌المسألة الثالثةالرجل الذي تنزل به الواقعة إن كان عاميًا صرفًا جاز له الاستفتاء

- ‌المسألة الرابعةالعامي إذا عمل بفتوى بعض المجتهدين في حكم حادثة وقلده فيه لم يجز له الرجوع عنه إلى حكم آخر في تلك الحادثة بعينها بفتوى غيره إجماعًا

- ‌النوع التاسع عشرالكلام في المدارك التي اختلف المجتهدون في أنها هل هي مدارك للأحكام أم لا

- ‌المسألة الأولىفي أن الأصل في المنافع الإذن، وفى المضار المنع خلافا لبعضهم

- ‌المسألة الثانيةفي استصحاب الحال

- ‌المسألة الثالثةفي أن النافي هل عليه دليل أم لا

- ‌المسألة الرابعةاختلفوا في أن مذهب الصحابي وقوله هل هو حجة على من بعدهم من التابعين أم لا

- ‌المسألة الخامسةفي المصالح المرسلة

- ‌المسألة السادسةفي الاستحسان

- ‌المسألة السابعةاختلفوا في أنه هل يجوز أن يقول الله تعالى لنبي أو لعام: احكم بما شئت، فإنك لا تحكم إلا بالصواب:

- ‌المسألة الثامنةذهب الشافعي رضي الله عنه وأصحابه إلى أنه يجوز الاعتماد في إثبات الأحكام على الأخذ بأقل ما قيل فيه خلافًا لبعضهم

- ‌المسألة التاسعةذهب بعضهم إلى أن الأخذ بأخف القولين واجب على المكلف

- ‌النوع العشرونالكلام في الاستدلال

- ‌المسألة الأولىفي معنى الاستدلال

- ‌المسألة الثانيةفيما يتعلق بالسبب والشرط والمانع

- ‌المسألة الثالثةفي الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم على عدم الحكم

- ‌المسألة الرابعةمن جملة طرق الاستدلال والاستقراء

- ‌المسألة الخامسةفي الاستدلال على عدم الحكم

- ‌المسألة السادسةفي الاستدلال على ثبوت الحكم

الفصل: ‌المسألة الثالثةالرجل الذي تنزل به الواقعة إن كان عاميا صرفا جاز له الاستفتاء

‌المسألة الثالثة

الرجل الذي تنزل به الواقعة إن كان عاميًا صرفًا جاز له الاستفتاء

على ما تقدم تقريره.

وإن كان عالما ولكن لم يبلغ درجة الاجتهاد والإفتاء لغيره إن جوز ذلك كما هو المعتاد هذا الزمان فالأظهر أنه يجوز له الاستفتاء أيضًا، لأنه عامي بالنسبة إلى معرفة ما يوجب الحكم المطلوب فجاز له الاستفتاء كالعامي الصرف.

ومنهم من لم يجوز له ذلك بل يوجب عليه أن يعرف ذلك الحكم بدليله، ولو أنه بالمراجعة إلى المفتين، لأن له صلاحية معرفة طرق الأحكام بخلاف العامي فإنه ليس له ذلك فكان يجب عليه ذلك.

وبالجملة الخلاف ها هنا أولى من العامي الصرف لكونه عالمًا الفنون.

وإن كان عالما بلغ درجة الاجتهاد فإن اجتهد في الواقعة وأدى اجتهاده إلى حكم لم يجز له الرجوع إلى غيره في تلك الواقعة إجماعًا.

لأن لم يجتهد فيها فهاهنا اختلفوا فيه.

فذهب أكثر أصحابنا وجمع من الأصوليين كالقاض أبى بكر إلى أنه لا يجوز للعالم تقليد غيره مطلقًا سواء كان من الصحابة أو من غيرهم، وسواء كان أعلم منه أو لم يكن.

ص: 3909

وذهب الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه وسفيان الثوري إلى أنه يجوز له ذلك مطلقًا، وهو رواية عن ابن حنيفة. ومنهم من فضل وذكروا فيه وجوها.

أحدها: قول من قال كالجبائي: الأولى له أن يجتهد، وإن لم يجتهد وترك الأولى جار له تقليد واحد من الصحابة إذا كان مترجحًا في نظره على غيره ممن خالفه وإن استووا في في نظره يخير في تقليد من شاء منهم ولا يجوز له تقليد من عداهم من المجتهدين.

وثانيها: أنه يجوز لمن بعد الصحابة تقليدهم، ولا يجوز لهم تقليد غيرهم وهو القول القديم للشافعي- رضى الله عنه.

وهذا التقييد يقتضي أن لا يجوز أن يقلد الصحابة بعضهم بعضًا.

وثالثها: أنه يجوز للعالم تقليد الأعلم دون من هو مثله أو دونه وهو قول

ص: 3910

محمد بن الحسن.

ورابعها: أنه يجوز أن يقلد العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد إما لتحيوه، أو لفوات وقته وهو قول ابن سريح.

وخامسها: أنه يجوز فيما يخصه دون ما يفتى به.

وسادسها: أنه يجوز فيما يخصه دون ما يفتى به لكن بشرط خوف فوات الوقت وهو منسوب إلى ابن سريح أيضًا.

احتج الأولون بوجوه:

أحدها: قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولى الأبصار} ولا شك أن المجتهد داخل تحته وإلا لزم تعطيل النص إذ العامي غير مراد منه؛ ولهذا كان مأمورًا بالقياس وفاقًا، وإذا كان مأمورًا بالاعتبار لم يجز له التقليد؛ لأن/ (324/ أ) فيه ترك الاعتبار المأمور به فيكون غير جائز، وكون العامي مخصوصًا من الآية لعجزه عن الاعتبار المعتبر في الشرع لا يوجب تخصيص المتمكن منه، وإن لم يلزم منه تعطيل النص فكيف يوجبه حيث يلزم ذلك.

وثانيها: أنه متمكن من الأصول إلى حكم المسألة بفكره فوجب أن يحرم عليه التقليد كما في أصول. الدين، والجامع: وجوب الاحتراز المحتمل عند القدرة على الاحتراز عنه.

واعترض عليه: بأن المطلوب في أصول الدين العلم، وهو غير حاصل بالتقليد بخلاف الأحكام الاجتهادية فإن المطلوب فيها الظن وهو حاصل بالتقليد

ص: 3911

وأجيب عنه: بان ليس المطلوب فيها الظن كيف ما كان بدليل أنه لا يجوز الاكتفاء بالظن الضعيف مع القدرة على الظن القوى ولا شك أن الظن الحاصل من التقليد أضعف من الظن الحاصل من النظر في الدليل فحينئذ يلزم أن لا يجوز الاكتفاء بالتقليد مع القدرة على النظر في دليل المسالة، ولهذا قلنا: لا يجوز الاكتفاء بالظن في المطالب الأصولية؛ لأن المكلف قادر على تحصيل اليقين فيها لوجود الدليل المقيد لليقين ولا مكان النظر.

واعترض عليه أيضًا: بالنقض بقضاء القاضي، فإنه لا يجوز خلافه وإن كان ذلك تقليدًا إذ لا معنى للتقليد سوى قبول الحكم من غير حجة.

وإن كان المجتهد متمكنًا من معرفة الحكم بالنظر في الدليل وبالقرب من الرسول- عليه السلام فإنه متمكن من الوصول إلى المسألة مع أنه يجوز له أن يسأل من أخبر عن الرسول- عليه السلام وأجيب عن الأول: أنا نمنع أن ذلك التقليد، وهذا لأن الدليل لما دل على أن الحكم الذى قضي القاضي به لا يمكن نقضه بالاجتهاد والنظر لم يكن العمل بما قضى القاضي به تقليدًا بل هو محمل بذلك الدليل.

فإن قلت: هذا يقتضى أن لا يكون قبول العامي قول المفتي تقليدًا؛ لأنه لما دل الدليل على وجوب قبول قوله كان العمل به عملا بذلك الدليل فلا يكون تقليدًا وهو خلاف الإجماع.

قلت: لكن ذلك الدليل ووجه دلالته على المطلوب لا يعرفه العامة فيكون ذلك تقليدًا في حقه بخلاف الدليل الدال على عدم جواز نقض قضاء القاضي فإنه يعرفه المجتهد فلا يكون ذلك تقليدًا في حقه.

وأجيب عن الثاني: بمنع الحكم ولئن سلم لكن لما دل القاطع على وجوب قبول خبر الواحد لم يكن ذلك تقليدًا.

ص: 3912

وثالثها: أنه لو جاز له القبول قبل الاجتهاد لجاز له القبول بعد الاجتهاد واللازم باطل إجماعًا فالملزوم مثله.

وهو ضعيف؛ لأنه قياس خال عن الجامع.

سلمنا لكن الفرق ظاهر، وهو أن بعد الاجتهاد حصل له الظن القوى بالحكم فلا يجوز له العدول عنه إلى الظن الضعيف بخلاف ما قبل الاجتهاد فإنه لم يحصل له هذا الظن وإن كانت القدرة عليه حاصلة.

ورابعها: أنه لو جاز لبعض المجتهدين [من]، غير الصحابة أن يقلد المجتهد من الصحابة أن يقلد المجتهد من الصحابي لجاز لبعض المجتهدين [من]، الصحابة أن يقلد الآخر منهم وحينئذ يلزم أن لا يكون لمناظرتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى"

وهو أيضًا ضعيف؛ لأنا لا نسلم أنه من الأول الثاني، وهذا لأن الوثوق باجتهاد الصحابي بسبب مشاهدة الوحى والتنزيل، ومعرفة نقل الدلائل والتأويل، والاطلاع على القرائن الحالية، والمقالية، وزيادة اختصاصه بالتشديد في البحث عن قواعد الدين، وتأسيس الشريعة، وعدم تسامحهم فيها أشد من غيرهم أكثر من الوثوق باجتهاد غير الصحابي، ومثل هذا التفاوت غير حاصل فيما بين الصحابة فلم يلزم من جواز تقليد المجتهد الغير صحابي للصحابي جواز تقليد المجتهد من الصحابي [للصحابي].

سلمناه لكن لا نسلم عدم جوازه، وهذا لأنه ذهب بعضهم إلى أنه يجوز للعالم تقليد الأعلم منهم، ولا نسلم أنه لا يكون لمناظرتهم حينئذ معنى؟ وهذا لأن فائدتها الاطلاع على المأخذ الراجح ليحصل منه الظن القوى، ولا يلزم من كون الرجل أعلم أن يكون دليل ما أدى إليه اجتهاده راجحًا دائما فالمناظرة تكشف عن ذلك.

ص: 3913

وخامسها: أن الدليل ينفى قبول قول الغير من غير حجة وبينة، ترك العمل به في حق العامي لمسيس الحاجة فوجب أن يبقى في حق غيره على الأصل. وسادسها. أن جواز تقليد المجتهد للمجتهد حكم شرعي فلا بد له من الدليل، والأصل عدم ذلك الدليل فمن ادعى فعليه بيانه، والقياس على العامي لا يصلح أن يكون دليلاً لما تقدم من الفرق.

واحتج المجوزون بوجوه:

أحدها: قوله [تعالى]: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} والمجتهد قبل النظر لا يعلم فوجب أن يجوز له السؤال.

وجوابه: أنه يقتضى جواز التقليد بعد النظر والاجتهاد أيضًا ضرورة أنه لا يعلم حينئذ أيضًا.

سلمناه لكن المراد منه المقلدون بدليل قوله [تعالى]: {إن كمن لا تعلمون} وهو لا يصدق على المجتهد، ضرورة أنه عالم، ولا يخرج عن كونه عالمًا بان لا تكون المسالة حاضرة في فإنه مع التمكن من معرفتها من غير أن يتعلم من غيره، ولأن قوله:{فاسألوا أهل الذكر} ينفى أن يكون المجتهد منه مرادًا، لأن المجتهد من أهل الذكر؛ لأن أهل الشيء من أهل لذلك الشيء لا من حصل له ذلك، ولا شك أن المجتهد تأهل لذكر الشيء فيكون أهل/ (325/ أ) الذكر فيكون مسئولاً لا سائلاً، ولأن ظاهر الآية يقتضى وجوب السؤال وهو غير ثابت في حق المجتهد إجماعًا، وإنما هو ثابت في حق العوام فيجب تخصيصه بهم لئلا يلزم الترك بالظاهر.

ص: 3914

سلمنا أن المجتهد يجوز أن يكون مرادًا منه لكن نقول: ما عنه السؤال غير مبين في الآية فيحمل على السؤال عن وجه دلالة الدليل ليحصل العلم وهذا كما يقال: كل لتشبع، واشرب لتروى.

وثانيها. قوله تعالى: {فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} الآية.

ووجه الاستدلال به: أنه أوجب الحذر بإنذار من تفقه في الدين مطلقًا فوجب على العالم قبوله كما وجب على العامي ذلك.

وقوله: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} والعلماء من أولى الأمر؛ لأن أمرهم نافذ على الأمراء والولاة، فإذا أمر العلماء بشيء وجب أن يتمثل.

وجواب الأول: أن الآية محمولة على الرواية دون الفتوى على ما تقريره.

سلمنا أنها تتناولها لكن تقتضى وجوب الحذر على ما تقدم تقريره، وهو غير ثابت في حق العالم إجماعا، فلا تكون الفتوى مرادًا منه بالنسبة إلى العالم، وأيضًا خص منه ما بعد الاجتهاد فكذا ما قبله بجامع التمكن من معرفة. الحكم بالنظر.

وجواب الثاني: أنا لا نسلم أن المراد من أولى الأمر العلماء؛ وهذا لأن المتبادر منه إلى الفهم الأمراء والولاة، أوجب الله تعالى على العوام طاعتهم.

سلمنا أنه يتناول العلماء أيضا لكن المراد منه طاعة العوام لهم بدليل أن ذلك هو الواجب على العوام، وأما طاعة المجتهد للمجتهد فغير واجبة فلا تكون

ص: 3915

مرادة منها.

سلمنا وجوب طاعة العلماء للعلماء، لكن في الجملة أو كل شيء؟ والأول مسلم؛ وهذا لأن طاعتهم واجبة على الكل في الأقضية والأحكام، والثاني ممنوع وهذا لأنه ليس في النص ما يدل على التعميم.

وثالثها: التمسك بالخبر نحو قوله عليه السلام: {اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر}

وقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" وقوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".

والاستدلال بها إنما هو من جواز تقليد الصحابة دون غيرهم وهو ظاهر، فإنه أمر بذلك وأقل درجات الامر الجواز.

وجوابه: ما سيأتي في أن قول الصحابي حجة أم لا؟ وبتقدير تسليمه فإنما يجوز تقليدهم دون تقليد غيرهم من المجتهدين.

ورابعها: إجماع الصحابة، روى عن عبد الرحمن بن عوف قال لعثمان: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، فقبل ذلك مع أنه كان- رضى الله عنه- أهلاً للاجتهاد، وكان ذلك بمحضر من علماء الصحابة فلم ينكر عليه أحد فكان ذلك إجماع وكون علي- رضى الله له عنه- لم يقبل ذلك لم يدل على عدم جواز قبوله [بل على عدم وجوب قبوله]، ونحن نقول

ص: 3916

إنه غير واجب القبول بل هو جائز القبول

وروى أيضًا أن عمر- رضى الله عنه- رجع إلى قول على ومعاذ رضى الله عنهم- ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان ذلك إجماعًا.

وجوابه: أن المراد من سيرة الشيخين: طريقتهما في العدل والانصاف، والانقياد للحق، والبعد عن حب الدنيا؛ لأنه المفهوم من السيرة، ولا يفهم من قولنا سيرة فلان ما أدى إليه اجتهاده، ولو سلم لكن يجب المصير إلى ما ذكرنا جمعًا بين الدليلين، ولئلا يلزم وجوب التقليد الذى هو مخالف للإجماع.

وخامسها: أن اجتهاد المجتهد لا يفيد إلا الظن، وإذا أفتاه مجتهد آخر فقد حصل له الظن أيضًا، والظن معول عليه في الشرعيات فكان اتباعه جائزًا وجوابه؛ أنه أضعف من ظن الاجتهاد وهو معلوم قطعًا، ولا يجوز العمل بالظن الضعيف مع القدرة على الظن القوى.

وسادسها. أن المجتهد إذا أدى اجتهاده إلى العمل بفتوى مجتهد آخر، لقد حصل له ظن أن حكم الله- تعالى ذلك وذلك يقتضى أن يحصل له ظن أنه لو لم يعمل له لاستحق العقاب فوجب أن يجب العمل به دفعًا للضرر المظنون

وجوابه: أن ما أدى إليه اجتهاد المجتهد من الظن إنما يعمل به إذا لم يقم دليل سمعي يصرف عنه، فأما بتقدير ذلك فلا، وها هنا قامت الدلائل السمعية وهى ما ذكرنا من الأدلة على الصوف عنه فوجب الامتناع من العمل بهذا الظن.

وسابعها: أنه حكم يسوغ فيه الاجتهاد، فجاز لمن لم يكن عالمًا له تقليد من علمه كالعامي بجامع حصول الظن بقول المفتي.

ص: 3917

وجوابه: لا يخفى مما تقدم.

وثامنها: يجوز للمجتهد أن يقبل خبر الواحد عن مجتهد آخر بل عن عامي، وإنما جاز ذلك اعتمادًا على عقله ودينه، فإذا أخبر المجتهد عن مقتضى ذلك الخبر مع أن احتياط الشخص فيما يفتيه أكثر من احتياطه فيما يرويه فلأن يجوز له العمل به كان أولى.

وجوابه: أن احتمال الخطأ فيما اجتهد الانسان فيه بنفسه أقل مما اجتهد فيه غيره، ولا يلزم من قبول الرواية من المجتهد ليجتهد بنفسه فيه قبول اجتهاد غيره.

ص: 3918