الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة
المشهور أن العقليات لا يتطرق الترجيح إليها
.
وهذا على الإطلاق غير صحيح، فإن من العقليات ما هو ظني، وما هو تقليدي كاعتقادات العوام فإن اكتفى منهم بذلك تطرق إليها الترجيح كما في تقليد الفتوى وإلا فلا، وكذا القول فيما هو ظنى.
نعم القطعيات منها لا تقبل الترجيح [لكنه ليس مخصوصا به بل القطعيات الشرعيات أيضا لا تقبل الترجيح]، كما سبق.
المسالة الخامسة
ذهب الشافعي ومالك- رضي الله عنهما إلى أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة، خلافًا للحنفية
.
ومن جملة صور المسألة ترجيح الخبر بكثرة الرواة.
لنا وجوه:
أحدها: أن الظن الحاصل يقول الأكثر أقوى، والأقوى يتعين العمل به، فيكون العمل الأكثر متعينًا ولا نعنى بقولنا: يرجح الخبر بكثرة الرواة سوى هذا.
بيان الأول بوجوه:
أحدها: ما روى عنه عليه السلام أنه لم يعمل بخبر ذي اليدين حتى أخبره بذلك غيره، وما ذاك إلا لأنه غلب على ظنه عليه السلام صدق المجموع.
وثانيها: إجماع الصحابة على ذلك:
رد أبو بكر- رضى الله عنه- خبر المغيرة في توريث الجدة حتى شهد له محمد بن مسلمة فحينئذ قبله.
ورد عمر- رضى الله عنه- خبر أبى موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد الخدري، ولولا إن لكثرة الرواة أثرًا في قوة الظن، وإلا لما كان كذلك ثم أنه لم ينكر عليهما أحد فكان إجماعًا.
وفى هذا الاستدلال نظر من جهة أنه غير وارد على محل النزاع، فإن محل النزل هو: أن يفيد قول الواحد ظنا معتبرًا في وجوب العمل به، ثم يرجح عليه الخبر الأخر لكثرة رواته، وما ذكرتم من الصورتين فلا نسلم
أنه أفاد قول الواحد ظنا معتبرًا في وجوب العمل، وهذا لأنه لو أفاد لما جاز لهم توقيف الأمر على شهادة الآخر، بل إنما توقف النبي- عليه السلام وأبو بكر وعمر، لأن قول الواحد ما أفاد لهم الظن المعتبر في وجوب العمل به لأجل التهمة فلما شهد الأخر بذلك زالت التهمة، وبهذا أجيب عنه عن احتجاج من احتج بهذا على إجماع الصحابة على رد خبر الواحد، وحينئذ يكون الاستدلال به غير وارد على محل النزاع.
وثالثها: أن الرواة إذا كثروا جدًا حصل بقولهم العلم، فالعدد الذى هو أقرب إلى تلك الكثرة كثر افادة للظن وإلا لما حصل اليقين بالانتهاء إلى تلك الكثرة، ضرورة عدم حصول ما بعد تلك المرتبة من الظن وإن لكل عدد من إعداد تلك الكثرة [قدر من الظن إلى أن ينتهى إلى العلم بتلك الكثرة].
ورابعها: أن قول الواحد يفيد قدرًا من الظن، فإذا انضم إليه الأخر فإن حصلت زيادة بسببه فقد حصل الغرض، وإن لم يحصل لزم أن يكون الشيء/ (257/ أ) مع غيره كهو لا مع غيره، ولزم أيضا اجتماع المؤثرين المستقلين على الاثر الواحد، ولزم أيضا جواز أن لا يحصل بانضمام الثالث والرابع زيادة على ذلك، وحينئذ يلزم عدم إفادة عدد التواتر لليقين واللوازم ممتعة فالملزوم مثله.
وخامسها: أن احتراز العدد عن تعمد الكذب أكثر من احتراز الواحد منه، وكذا بعده عن الغلط والسهو والنسيان كثر من بعد الواحد عنهما، وحينئذ يلزم أن يكون الظن الحاصل بقوله أقوى من الظن الحاصل بقول الواحد.
وسادسها: أن احتراز العاقل عن كذب يعرف اطلاع غيره عليه أكثر من احترازه عن كذب لا يشعر به غيره.
وسابعها: إذا تعارض دليلان فلابد وأن يكونا متساويين في القوة في ذهن
من عنده التعارض وإلا لما كانا متعارضين فإذا وجد دليل آخر يساوى أحدهما في القوة موافق له فمجموعهما لابد وأن يكون زائدًا على ذلك الآخر في القوة، لأن مجموعهما أعظم من كل واحد منهما، وكل واحد منهما مساوي لذلك الآخر، والأعظم من المساوي أعظم.
فثبت بهذه الوجوه أن الظن الحاصل بقوله أكثر أقوى.
وإنما قلنا: إنه يتعين العمل بالأقوى، لأنا أجمعنا على وجوب العمل بالأقوى الذى حصل من الأدلة المختلفة المراتب كالكتاب، والسنة، والقياس، وعلى وجوب العمل بالأقوى الذى حصل من الدليل الذى ترجيحه بالقوة، وبحسب وصف يعود إليه، وإنما كان ذلك واجبا لزيادة القوة والظن في أحد الجانبين، وهذا المعنى حاصل في الترجيح بكثرة الأدلة فيتعين وجوب العمل به.
وما يقال: من الفرق بين الترجيح بكثرة الأدلة وبين الترجيح بالقوة والوصف الذى يعود إليه وهو أن الزيادة حصلت مع المزيد عليه في محل واحد بخلاف الترجيح بكثرة الأدلة فإنه ما حصلت الزيادة مع المزيد عليه في محل واحد فضعيف جدًا، لأنه غير مناسب ولا مؤثر فإنا نعلم بالضرورة أنه لا أثر لذلك والفرق يجب أن يكون كذلك.
وثانيها: أن مخالفة الدليل خلاف الأصل، فكان تكثيرها أكثر مخالفة للأصل فإذا وجد دليلان في أحد الجانبين، وفى الجانب الأخر دليل واحد كانت مخالفة الدليلين أكثر مخالفة للأصل من مخالفة الدليل الواحد فكان أكثر محذورًا منه، فلو لم يحصل الترجيح بكثرة الدليل لجاز ترك الدليلين وحينئذ يلزم وقوع ذلك القدر الزائد من المحذور من غير صبب ولا معارض وأنه ممتنع.
وثالثها: إذا حصل التعارض بين دليل ودليلين فالعقلاء يوجبون الأخذ بموجب الدليلين حتى أن من عدل عنهما وأخذ بموجب الدليل الواحد سفهوا رأيه واستقبحوا تصرفه، ألا ترى أن الإنسان إذا قصد السفر إلى جانب فاخبره عدلان بان الطريق مخوف، وأخبره عدل بانه آمن فإنه إذا سلكه وأصابه مخافة سفه العقلاء رأيه وذموه ولم يعذروه، بخلاف ما إذا كان الأمر على العكس، فإنه إذا سلكه ولحقه مكروه لم يسفه رأيه وأعذره كل واحد، وإذا كان كذلك في العرف وجب أن يكون في الشرع كذلك لما سبق من الحديث والوجه المعقول.
واحتج الخصم بأمور:
أحدها: الخبر، وهو قوله عليه السلام:"نحن نحكم الظاهر" فالحديث - بإيمائه- يلغى زيادة الظهور من حيث أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعليته، ترك العمل به في الترجيح بقوة الدليل، لأن هناك الزيادة مع المزيد عليه حاصلان في محل واحد، والقوى حال اجتماعها تكون أقوى منها حال تفرقها، بخلاف الترجيح بكثرة الدليل فإن هناك الزيادة في محل والمزيد عليه في محل آخر فلا يحصل كمال القوة لعدم الاجتماع في محل واحد. وجوابه: أنه إنما ترك العمل به في الترجيح بالقوة لما فيه من غلبة الظن وزيادته على ما يقابله فوجب أن يكون الأمر كذلك في الترجيح بكثرة الأدلة.
قوله: الترجيح بالقوة يحصل الزيادة مع المزيد عليه في [محل واحد فيحصل بسبب الاجتماع قوة.
قلنا. نحن نعلم أنه وإن كان] محل الزيادة مغايرًا لمحل الأصل لكن المجموع يؤثر في تقوية الظن الذى هو المطلوب من قوة الدليل كما أن الزيادة
مع المزيد عليه في محل واحد مؤثر/ (258/ أ) في تقوية الظن المطلوب منه، فإنه إذا أخبونا عدل عن واقعة حصل لنا ظن، [فإذا أخبرنا عدل آخر صار ذلك الظن أقوى]، مما كان، ولا تزال القوة تزداد بزيادة المخبرين حتى تنتهى إلى العلم كما في صورة الترجيح بالقوة فلا فرق بينهما من حيث أنهما يفيدان الظن القوى الذى هو المطلوب من قوة الدليل، والفرق بينهما من غير هذا الوجه لا يضر لأنه فرق في غير محل الجمع.
وثانيها: القياس، وهو أنا أجمعنا على أنه لا يحصل الترجيح بالكثرة في الشهادات والفتوى فكذا هاهنا، والجامع دفع الضرر الناشئ من اعتبار الأظهرية على الظهور.
وجوابه: منع الحكم فيها، أما في الشهادة فقد عرفت الخلاف فيهما، وأما في الفتوى، فلأن كثيرًا منهم جوز ترجيح الفتوى بالكثرة أيضًا.
ولو سلم الحكم فيهما فالفرق بينه وبن الشهادة ما تقدم، والفرق بينه وبن الفتوى أنه يعسر على العامي الترجيح فحط عنه بابه، وأن كان منه ما هو سهل، ولهذا يجوز للعامي أن يقلد المفضول ويعمل بقوله، وليس للمجتهد أن يعمل بالدليل المرجوح، والافتراق في الحكم دليل على الافتراق في الحكمة.
وثالثها. أنا أجمعنا على أن خبو الواحد مقدم على الأقيسة الكثيرة، وذلك يدل على أن الترجيح لا يحصل بكثرة الأدلة.
وجوابه: منع الحكم إن كانت أصول تلك الأقيسة متعددة، وإن كان أصل تلك الأقيسة شيئا واحدًا فالخبر مقدم عليها، لكن في الحقيقة يلزم تقدمه على