الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثامنة
ذهب الشافعي رضي الله عنه وأصحابه إلى أنه يجوز الاعتماد في إثبات الأحكام على الأخذ بأقل ما قيل فيه خلافًا لبعضهم
.
مثاله: اختلاف الناس في دية اليهودي:
فمنهم من قال كالحنفية: إن دية اليهودي كدية المسلم، ومنهم من قال: كالمالكية: إن ديته نصف دية المسلم. ومنهم من قال: ديته ثلث دية المسلم وأخذ الشافعي رضي الله عنه بذلك؛ لأنه أقل ما قيل واعلم أن هذه القاعدة مبنية على قاعدتين:
أحدهما: الإجماع.
وثانيهما: البراءة الأصلية.
فإن الأمة لما أجمعت على ذلك الأقل كالثلث في مسألتنا فإن من قال بوجوب كل دية المسلم فقد قال بوجوب ثلث ديته قطعًا، وكذا من قال نصف ديته فقد قال بوجوب ثلث ديته، من قال بوجوب ثلث ديته فقد قال به، فالكل مطبقون على وجوب الثلث فقد حصل الإجماع بوجوب على ذلك.
وأما البراءة الأصلية فإنها تدل على عدم الوجوب في الكل، ترك العمل بها في الثلث لحصول الإجماع عليه فيبقى الباقي على أصله وحينئذ يجب المصير إليه وهذا إنما يتم إذا لم يكن في الأمة من يقول بعدم وجوب شيء منها، فإن بتقدير ذلك لا يكون القول بوجوب الثلث قول كل الأمة، وأن لا يكون هناك دليل سمعي من نص أو قياس دال على الأكثر، فإن بتقدير ذلك لا يصح أن يتمسك بالبراءة الأصلية على نفي الزائد لأنها ليست بحجة مع الناقل السمعي. وكلام الإمام يشعر باشتراط عدم ورود الدليل السمعي بالأقل وعلل بأنه لو ورد فيه شيء كان الرجوع إلى أقل ما قيل لأجله لا لأجل الرجوع إلى أقل ما قيل.
وهذا فيه نظر لأن هذا الاحتمال قائم في كل الإجماع مع أنه لا ينفي حجيته فكذا ما نحن فيه، ثم الذي يؤكد أن دية اليهودي مثال للمسألة مع أنه ورد في الدليل السمعي على ما اعتقده أصحابنا.
لا يقال: خالفتم هذا الأصل في العدد الذي تنعقد به الجمعة فإنكم شرطتم في ذلك الأربعين وهو ليس أقل ما قيل فيه بل أقل ما قيل فيه غيره.
وكذا خالفتم/ (350/ أ) هذا الأصل في عدد الغسل من ولوغ الكلب فإن أقل ما قيل فيه ثلاثة وأنتم لا تقولون؛ لأنا نقول: لا نسلم مخالفة هذا الأصل؛ وهذا لأن شرطه عدم ورود الدليل السمعي على الأكثر على ما تقدم ذكره في المثالين المذكورين ولم يوجد هذا الشرط في اعتقادنا؛ لأنا نعتقد وجود الدليل السمعي على الأكثر، فلم يمكن التمسك بالبراءة الأصلية فلم يمكن الرجوع فيهما إلى الأخذ بأقل ما قيل بخلاف دية اليهودي فإنا لا نعتقد وجود دليل على وجوب الأكثر وإن كنا نعتقد وجود دليل سمعي على الأقل غير الإجماع.
فإن قلتم: ما ذكرتم وإن دل على أن الأخذ بأقل ما قيل أولى لكن عندنا ما يدل على أن الأخذ بأكثر ما قيل أولى لأنه أحوط، وتقريره: أنه قد ثبت في الذمة حق واختلفت الأمة في الكمية، فقال بعضهم: كل الدية. وقال بعضهم نصف الدية وقال بعضهم: ثلث الدية. فإذا كان الكل محتملًا وفرضنا أنه ليس على واحد منها دليل سمعي تعارضت تلك الاحتمالات فتساقطت فلا تحصل براءة الذمة باليقين إلا عند أداء كل دية المسلم فوجب القول به ليحصل الخروج عن عهدة التكليف بيقين.
قلت: لما كان الأصل براءة الذمة يمتنع الحكم بكونها مشغولة إلا بدليل سمعي، فإذ لم يوجد دليل سمعي سوى الإجماع، وهو لا يثبت إلا أقل ما قيل لم يثبت شغل الذمة إلا بذلك الأقل. فيحصل اليقين بالخروج عن العهدة بأداء الأقل.
لا يقال: هب أنه لم يوجد جليل سمعي سوى الإجماع، لكنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول فلعله ثبت في الذمة حق أزيد من أقل ما قيل، وحينئذ لا يحصل الخروج عن العهدة بيقين إلا بأداء الأكثر.
سلمنا أنه لا بد من وجود الدليل لكن لا نسلم أنه لم يوجد؛ وهذا لأنه يحتمل أن يكون حاصلًا لكن ربما أخطأ المجتهد فاعتقد عدم دلالة الدليل فحينئذ يكون شغل الذمة بالأكثر حاصلًا في نفس الأمر فلا يحصل الخروج عن العهدة إلا بأدائه؛ لأنا نقول: الجواب عن الأول: الحق أنه وإن كان لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لكن ذلك في الأمور الحقيقية لا في الأمور الشرعية التكليفية فإن تجويز ذلك فيه يستلزم تكليف ما لا يطاق.
بيانه فيما نحن فيه: أنه لما لم يوجد دليل سمعي سوى الإجماع، والإجماع لم يدل إلا على أقل ما قيل كان الزائد على ذلك القدر لو ثبت لثبت من غير دليل والتكليف بالمدلول من غير دليل تكليف بما لا يطاق.
وعن الثاني: أنا إن قلنا: إن كل مجتهد مصيب فقد سقط ذلك وإن لم نقل به فالجواب: أن ذلك خلاف الأصل.
سلمناه لكن يصير حكم الله تعالى في حقه إذ ذاك ذلك الذي غلب على ظنه وإن كان خلاف الواقع وحينئذ لا يكون مكلفًا إلا بما غلب على ظنه فيخرج عن العهدة بأدائه وإلا لزم تكليف ما لا يطاق وهو ممتنع.