الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم من فصل وقال: إنما يرجح أحد القياسين بقول الصحابي الذى شاهد واقعة أصل القياس دون غيره؛ لأنه حينئذ أدرى بتخصيصه، وتعميمه، وعلة حكمه.
وسابعها: إذا حمل الصحابي لفظ الرسول على أحد معنييه:
منهم من رجح به مطلقا.
ومنهم من قال كالقاضي أبى بكر (أنه ان قال: علمت ذلك، من قصد الرسول لقرينة شاهدتها جار الترجيح به وإلا فلا.
المسألة الخامسة
في المصالح المرسلة
اعلم أن المصالح بالنسبة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام:
أحدها: ما شهد الشرع باعتباره، وهو حجة وفاقا، وحاصله يرجع إلى القياس، وقد تقدم شرح أقسامه.
وثانيها: ما شهد ببطلانه، وقد تقدم مثاله في القياس وهذا غير معتبر وغير معمول به وفاقًا.
وثالثها: ما لم يشهد له الشرع باعتبار، ولا بإلغاء، وهذا القسم هو المسمى بالمصالح المرسلة.
وهو ليس بحجة عندنا وعند الأكثرين من الفقهاء والمتكلمين.
خلافًا لمالك على ما هو المشهور منه، وأنكر بعض أصحابه ذلك منه.
إذا عرفت هذا فنقول:
قد عرفت أن المناسبة إما أن تكون في محل الضرورة، أو في محل الحاجة أو في محل التتمة والزينة.
فالمصلحة الواقعة في محل الحاجة والسمة والزينة لا يجوز الحكم بها؛ لأنه يجرى مجرى وضع الشرع بالرأي.
وأما الواقعة في محل الضرورة فلا يبعد أن يؤدى اجتهاد مجتهد إلى الحكم بها، ولعل ما نقل عن مالك- رحمه الله إن صح- محمول على هذه الصورة لكن بشرط أن تكون قطعية كلية.
فالحاصل أن المصالح المرسلة إذا كانت ضرورية، قطعية، كلية، تصلح أن تكون في محل الاجتهاد، لالا فلا.
مثاله: الكفار إذا تترسوا بأسارى المسلمين حيث يقطع بتسليط الكفار على المسلمين إذا امتنعوا عن قتالهم فهاهنا هل يجوز قصد التترس أم لا؟
يحتمل أن يقال: أنه لا يجوز؛ لأن تجويزه يقتضى تجويز قتل مسلم من غير ذنب صادر منه، وهو غير معهود من الشارع. ويحتمل أن يقال: بجوازه فإنا لو لم نقصد التترس، وامتنعنا من القتال بسببه لصدمونا، واستولوا على ديار المسلمين، وقتبوا كافة المسلمين وعامة المؤمنين ثم بعد ذلك يقتلون الأسارى: فهذه مصلحة ضرورية؛ فإنه حفظ النفس والمال من المصالح الضرورية، وهى أيضا قطعية الحصول إذ الكلام مفروض فيه، وهى أيضا كلية؛ إذ الكلام مفروض حيث يخاف منه استئصال شأفة المسلمين، ونحن نعلم أن حفظ كل المسلمين أقرب إلى مقصود الشارع من حفظ مسلم واحد فعلى هذا لو اختلف صفة من هذه الصفات الثلاث لم يجز الحكم به، فلو تترس الكفار بأسارى المسلمين في قلعة لم يجز قصد التترس؛ لأنه لا ضرورة فبنا غنية عن
القلعة فنعدل عنها، وكذلك إذا كان جماعة في مخمصة؛ فلو أكلوا واحدًا لنجوا فلا رخصة فيه؛ لأن المصلحة فيه ليست كلية، وكذا إذا كان جماعة في سفينة، ولو طرح واحد منهم لنجوا، وإلا غرقوا بجملتهم، فإنه لا يجوز طرح الواحد في الماء لأنه/ (343/ أ) ليس فيه هلاك جميع المسلمين، وكذا إذا لم يقطع باستيلاء الكفار علينا إذا لم نقصد التترس كما إذا قصدناهم وهم في بلادهم وقتالهم إنما هو على طريق الدفع فهنا أيضا لا يجوز قصد التترس لأنا لا نقطع باستيلائهم علينا إذ ذاك.
واعلم أن في تخصيص خلاف مالك- رحمه الله تعالى- بهذه الصورة على ما ذكر ذلك بعضهم نظرًا؛ وذلك لأن غير مالك من الشافعية وغيرهم يقولون بجواز قصد الترس في ما ذكر من الصورة فلم يكن له اختصاص بمالك رحمه الله والمسألة مشهورة باختصاص خلاف مالك- يرحمه الله تعالى- فلم يجز تنزيله على تلك الصورة المتفق عليها، بل إن صح النقل عنه فهو يجرى على إطلاقه، وتفاريعه تدل عليه.
احتج من لا يجوز التمسك بالمصالح المرسلة؛ بأن هذا النوع من المصالح لم يعهد من الشرع اعتبارها، ولا إلغاؤها، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر دون شاهد يشهد باعتبارها أو إلغائها فامتنع الاحتجاج بها بدونه.
واحتج الخصم: بأن الحكم إن كان مشتملًا على المصلحة الخالصة، أو الراجحة وجب أن يكون مشروعًا [أما الأول فظاهر، وأما الثاني: فلأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير. وإن كان مشتملًا على المفسدة الخالصة أو الراجحة وجب أن لا يكون مشروعًا وتعليله ظاهر.
وإن كان خاليًا عنهما، أو كان مشتملًا عليهما على السوية وجب أن لا يكون مشروعًا] أيضًا لأنه عبث لا فائدة فيه.
وهذه الأحكام المذكورة في هذه الأقسام الستة كالمعلوم بالضرورة من دين الأنبياء- عليهم السلام بعد استقراء أحكام الشرائع، والكتاب والسنة دالان عليه تارة بحسب الصرائح، وتارة بحسب الأحكام المشروعة على وفق ما ذكرنا من المصالح.
ولكن قد نجد واقعة لا يشهد لها في الشرع جنسها القريب، وإن كان يشهد لها جنسها البعيد أعني كونها خالص المصلحة أو غالبها، أو خالص المفسدة، أو غالبها، فظهر أنه لا توجد مصلحة، إلا ويوجد في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار، بحسب جنسها البعيد، وهو عموم كونه وصفًا مصلحيًا أو
مفسديًا، فأما بحسب جنسها القريب فقد يوجد ما يشهد لها وقد لا يوجد وإذا كان كذلك وجب أن يكون حجة بالنص، والإجماع، والمعقول:
أما النص فقوله: {فاعتبروا} .
ووجه الاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنه أمر بالمجاوزة، والاستدلال بكونه مصلحة على كونه مشروعًا مجاوزة فوجب اندراجه تحت الآية.
وثانيهما: أنا إذا عدينا الحكم من الأصل إلى الفرع بمجرد اشتراكهما في أصل المصلحة الجنسية القريبة أو البعيدة فقد حصل بمعنى الاعتبار والمجاوزة فيه فوجب أن يكون مندرجًا تحته.
وأما الإجماع، فهو: أن من تتبع أحوال مباحثات الصحابة- علم قطعًا أنهم ما كانوا يراعون إلا تحصيل المصالح، ودفع المفاسد؟ [لعلمهم بأن مقصود الشرائع: إنما هو رعاية المصالح، ودفع المفاسد، وأن هذه الشرائط التي يعتبرها فقهاء الأمصار في أعصارهم في تجويز الأقيسة، وشرائط الأصل والفرع والعلة] ما كانوا يلتفتون إليها ولا يراعونها، وإذا كان كذلك وجب رعاية المصالح كيف ما كانت لإجماعهم على ذلك من غير اعتبار شهادة الجنس القريب أو النوع.
وأما المعقول: فهو أنا إذا علمنا أن المصلحة الخالصة، أو الغالبة معتبرة قطعًا في نص الشارع، ثم غلب على ظننا أن هذا الحكم مشتمل على المصلحة