الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية
في استصحاب الحال
.
ذهب الأكثرون من أصحابنا كالمزني والصيرفي والغزالي والإمام إلى أنه حجة سواء كلان في النفي عقليًا كان أو شرعيًا، أو في الإثبات وهذا لا يكون إلا شرعيًا؛ لأن العقل عندنا لا يثبت حكمًا وجوديًا ألبتة.
وأما النفي فما كان منه شرعيًا كقوله عليه السلام: "ليس فيما دون خمسة
أوسق صدقة) فليس له فيه أيضًا مدخل كالوجودي، وما كان منه عقليًا وهو الذى عرف نفيه بالبقاء على العدم الأصلي لا بتصريح الشارع كما سبق كنفي وجوب الصلاة السادسة، ونفي وجوب صوم شوال فالعقل يدل عليه بطريق الاستصحاب إلى أن يرد السمع الناقل عنه.
لا يقال: دلالة، الاستصحاب ظنية [وعدم وجوب الصلاة السادسة] وعدم وجوب صوم شوال قطعي فلا يجوز أن يكون مستفادًا من دلالته؛ لانا نقول: عدم السمعي الناقل قد يكون معلومًا كما في المثالين السابقين، وقد بكون مظنونًا ففي القسم الأول يدل الاستصحاب على سبيل القطع والبت كما في المثالين السابقين، وفى القسم الثاني يدل على سبيل الظن كما في وجوب زكاة الخيل والحلي فالظن إنما تطرق إلى استصحاب الحال لاحتمال النقل والتغير فحيث يجزم بنفي هذا الاحتمال وجب القطع بالنفي.
وذهب جمهور الحنفية، وجمع من المتكلمين كابى الحسين البصري إلى أنه بحجة في الأمر الوجودي فقط، ومنهم من نقل الخلاف عنهم
مطلقًا، وهو يقتضي تحقق الخلاف في الوجودي والعدمي جميعًا، لكنه بعيد إذ تفاريعهم تدل على أن استصحاب العدم الأصلي حجة.
ثم القائلون بعدم حجيته اختلفوا: فمنهم من جوز الترجيح به. ومنهم لم يجوز الترجيح به أيضًا.
ثم أطلق الأصحاب الاستصحاب على أربعة أوجه:
أحدها: ما ذكره من استصحاب العدم الأصلي وهذا متفق عليه- على ما تقدم.
وثانيها: استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص ضرورة أن العموم حجة عند القائلين به، وكذا استصحاب مقتضى النص إلى أن يرد النسخ فإن النص دليل على دوام الحكم إلى أن يرد النسخ عليه.
وثالثها: استصحاب حكم دل الشارع على ثبوته ودوامه لوجود سببه كالملك عند حصول السبب المملك، وكشغل الذمة عند فرض أو إتلاف، وهذا لأن لم يكن حكمًا أصليًا فهو حكم شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعًا، ولولا أن الشرع دل على دوامه إلا أن يوجد السبب المزيل أو المبرئ وإلا لما جار استصحابه.
فالحاصل أن الاستصحاب ليس بحجة إلا ميما دل الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم حصول المغير كما في الصور الثلاثة المتقدمة كلها، ومن هذا القبيل الحكم بتكرر الأحكام عند تكرر أسبابها لأنه لما دل الدليل على [كون تلك الأسباب:/ (333/ 1) أسبابًا لتلك الأحكام وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع وهو من جملة الدليل] على أن الحكم يتكرر بتكرر السبب.
ورابعها: استصحاب حال الاجماع [في محل الخلاف وهو إن حصل الإجماع على حكم في حال فيتغير الحال ويقع الاختلاف فيستصحب حال الإجماع]، من لم يقل بتغير الحكم.
مثاله. أجمعنا على أن رؤية الماء قبل الدخول في الصلاة تبطل التيمم، فإذا رأى المتيمم الماء بعد الدخول فيها فهل يبطل تيممه أم لا؟ وقع الاختلاف في هذا:
فمن لم يغير الحكم بقول: أجمعنا على أن رؤية الماد قبل الدخول أن الصلاة تبطل التيمم فكذا رؤيته بعد الدخول استصحابا للحال.
وأما من قال بتغير الحكم فيقول: أجمعنا على أن الصلاة قبل رؤية الماء كانت صحيحة فكذا بعد رؤيته استصحابًا للحال.
وكذلك يحتج من يقول: أن ملك المرتد لا يزول بالردة، لأنا أجمعنا على أن الملك كان حاصلاً للمرتد قبل الردة فالأصل دوامه فمن أدعى زواله بها
يحتاج إلى الدليل.
وهذا النوع من الاستصحاب مختلف فيه بين القائلين بان استصحاب الحال حجة: فذهب جماعة إلى أنه ليس بحجة وهو اختيار أبى العباس بن سريج، وأبى بكر القفال، والغزالي.
وألحق أهل الظاهر هذا النوع بما قبله في الحجية.
إذا عرفت هذه الأقسام فنقول:
الدليل على أن استصحاب الحال حجة سواء كان في الأمر الوجودي أو في العدمي فالدليل عليه وجهان.
أحدهما: أن العقلاء وأهل العرف من سائر الأمم إذا تحققوا وجود شيء أو عدمه يستصحبون ذلك الوجود أو العدم في الزمان المستقبل ما لم يقطعوا بتغيره أو يظنوا ذلك لدليل منفصل أو لعادة، وإذا كان له أحكام مختصة به فإنهم يمضونها ويسوغون الحكم بها في الزمان المستقبل.
وكذلك أن من سافر عن أهله ومعارفه يراسلهم ويكتب إليهم كتابًا يعلمهم بأحواله ويستعلم منهم أحوالهم وإن طالت المدة، ولولا أن الأصل البقاء ودوام الوجود وإلا لما بها، كذلك، وإذا كان كذلك في العرف وجب أن يكون في
الشرع كذلك لقوله عليه السلام: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنًا" الحديث.
وثانيهما: أن العلم يتحقق أمر أو بانتفائه في الحالة يقتضى ظن بقائه في الاستقبال، والعمل بالظن واجب، ولا نعنى بقولنا: إن استصحاب الحال حجة سوى هذا.
وانما قلنا: إن العلم بتحقق أمر أو بانتفائه في الحال يقتضى ظن بقائه في الاستقبال لوجوه:
أحدها: أن الاتفاق حاصل بيننا وبين خصومنا على أن من تيقن الحدث وشك في الطهارة لا تجور له الصلاة، وأن من تيقق الطهارة وشك في الحدث تجور له الصلاة، ولولا أن الأصل في كل متحقق دوامه وإلا لما كان كذلك.
بيانه: أنه لو لم يكن الأصل ذلك فإما أن يكون الأصل عدم الاستصحاب أي لا يستصحب حكم الحدث بل يستصحب حكم ضده وهو الطهارة وعكسه أو، الاستصحاب ولا عدمه أي لا يستصحب حكم الحدث ولا حكم الطهارة، فإن كان الأول فيلزم بوار الصلاة في الصورة الأولى، وعدم جوازها في الصورة الثانية؛ ضرورة أن ظن الطهارة حينئذ راجح في الصورة الأولى وظن الحدث راجح في الصورة الثانية وهو خلاف الاجماع؛ وإن كان الثاني لزم عدم جواز الصلاة في الصورة الثانية وإلا لزم الجواز في الصورة الأولى ضرورة أن احتواء الطرفين حينئذ مما لا يمنع صحة الصلاة وكل من اللازمين ممتنع فالملزوم مثله.
وثانيها: أن ظن بقاء الشيء واستمراره أغلب من ظن التغير؛ لأن الباقي لا
يتوقف إلا على وجود الزمان المستقبل ومقارنة ذلك الباقي له كان موجودًا أو معدومًا، وأما التغير فيتوقف على الأمرين المذكورين وزيادة وهو تبدل الوجود بالعدم أو بالعكس، وهو يتوقف على أمور كثيرة من حصول العلل الأربعة والشرائط وارتفاع الموانع وما يتوقف على أقل المقدمات أغلب على الظن مما يتوقف على كثرها.
وثالثها: أن الباقي مستفن عن المؤثر، والحادث مفتقر إليه، والمستفتي عن الموثر راجح الوجود بالنسبة إلى المفتقر اليه فكان الباقي راجح الوجود بالنسبة الى الحادث ولا نعني بكون بقائه أغلب على الظن سوى هذا.
وإنما قلنا: أن الباقي مستفن عن المؤثر؛ لأنه لو كان مفتقرًا إليه فإما أن يصدر منه أثر، أو لا يصدر منه أثر ألبتة، وهذا الثاني محال؛ لأن فرض مؤثر مفتقر إليه مع أنه لم يصدر منه أثر ألبتة جمع بين النقيضين فكان محالاً.
والأول لا يخلو اما أن يكون أثره عين ما كان حاصلاً قبله أو غيره.
والأول محال لأنه تحصيل الحاصل.
والثاني يقتضى أن يكون الأثر الصادر عنه حادثاً لا باقيًا وهو خلاف الفرض ولما كان افتقار الباقي إلى المؤثر يفضى إلى هذه الأقسام الباطلة كان افتقاره إليه باطلاً.
وإنما قلنا: أن الحادث مفتقر إليه؛ فذلك متفق عليه بين العقلاء لا نزاع فيه لأحد منهم.
وإنما قلنا: أن المستغنى عن المؤثر راجح الوجود بالنسبة إلى المفتقر إليه فلوجوه:
أحدها: أنه لو لم يكن راجح الوجود لكان الشيء مع الاستغناء كهولا مع
الاستغناء فيكون/ (334/ أ) الشيء مع غيره كهولاً مع غيره وهو محال.
وثانيها: أن المستغني عن المؤثر لابد وأن يكون الوجود أولى به؛ وإلا لافتقر إليه نظرًا إلى ذاته والحادث ليس كذلك وإلا لاستغنى عنه؛ لأنه مع تلك الأولوية إن افتقر إليه فذلك المرجح مرجح لما هو مترجح في نفسه وهو تحصيل الحاصل وحينئذ يلزم أن يكون اعتقاد وجوده أولى.
وثالثها: أن الباقي لا يعدم إلا عند انتفاء شرط، أو وجود مانع أو بإعدام معدم على اختلاف فيه، والمفتقر إلى المؤثر كما يعدم بأحد هذه الأسباب فقد يعدم أيضًا عن عدم المقتضى.
وما لعدمه طريق واحد فقط يكون أولى بالوجود مما لعدمه طريقان وحينئذ يلزم أن يكون اعتقاد وجوده أولى فيكون بقائه مظنونا في الاستقبال.
وأما أن العمل بالظن واجب فبالإجماع، ولقولة عليه السلام:"أقضى بالظاهر"[و (نحن نحكم بالظاهر)].
ولأنه لو لم يجب لزم جواز ترجيح المرجوح على الراجح. وهو ممتنع في بديهة العقل، وبالقياس على وجوب العمل بخبر الواحد، والعموم، والقياس، وبالشهادة، والفتوى، بجامع ترجيح الأقوى على الأضعف.
فإن قيل: على الوجه الأول: ما المراد من قولك: إن أهل العرف يستصحبون الوجود أو العدم؟
[إن غنيتم به: أنهم يستصحبون ذلك الوجود أو العدم] في الزمان المستقبل على سبيل الجواز والاحتمال فهذا مسلم.
وإن عنيتم به على سبيل غلبة الظن فممنوع فإن هذا أول المسالة وبهذا خرج الجواب أيضًا عما ذكروه من سند المنع فإنهم إنما يفعلون ذلك بناء على احتمال البقاء وتجويز حصول الغرض فإن ما هذا شأنه ولا ضرر في فعله فإن العقلاء يباشرونه ويسوغون فعله.
وعلى الوجه الثاني: أنا لا نسلم أن العلم بتحقق أمر أو بانتفائه في الحال يقتضى ظن بقائه، أما ما ذكرتم من الوجه الأول في الدلالة عليه في الكلام عليه أن نقول: أنا نسلم أنه يلزم منه رجحان الطهارة لكن لم يلزم منه جواز الصلاة؛ وهذا لأنه لو لزم [من رجحان الطهارة جواز الصلاة للزم] النقض في صورة النوم والإغماء على رأى من لم يجعل نفس النوم حدثًا فإن ظن الطهارة راجح فيها ضرورة أنها كانت متحققة ولزم جواز الصلاة لو ظن الطهارة من غير استناده إلى القطع بتحققه.
وأما الوجه الثاني فهو ممنوع؟ وهذا لأنا لا نسلم أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، وما ذكرتموه من زيادة توقف التغيير على تبدل الوجود بالعدم وبالعكس فهو معارض بما أن البقاء يتوقف على تجدد مثل السابق.
سلمناه لكن ما يتوقف على أقل المقدمات متى يكون أغلب على الظن إذا لم تكن تلك المقدمة نادرة الوجود أو مطلقًا؟
والأول مسلم، والثاني ممنوع؛ فلعل ما يتوقف عليه الباقي أندر من الذى يتوقف عليه التغيير حينئذ لا يلزم ما ذكرتم.
سلمناه لكن لا يلزم منه أن يكون أغلب على الظن؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون الشيء أغلب من [غيره لكن لا يلزم منه أن يكون غالبا على الظن لجواز أن يكون كليهما غير غالبين على الظن وإذ كان أحدهما أغلب من] الآخر
وهذا كحصول كل واحد من الغنى التام الواسع والملك لأكثر أفراد الناس غير غالب مع أن حصول الغنى أغلب من الملك.
وأما الوجه الثالث فالكلام عليه أن يقول: ما المعنى من قولك: لا نسلم أن الباقي مستغن عن المؤثر؟
إن عنى به: أن كونه باقيا مستغن عن المؤثر فهذا ممنوع؛ وهذا لأن كونه باقيًا حادث؛ ضرورة أنه ما كان حاصلا في الزمان الأول ثم حدث في الزمان الثاني فيكون حادثًا فاستغناؤه عن المؤثر يقتضى استغناء الحادث عنه وهو باطل قطعًا وهو أيضًا مناقض لقولكم الحادث مفتقر إليه.
وإن عنى به شيئًا فلابد من إفادة تصوره أولاً، ثم من إقامة الدلالة على أنه مستغن عنه بذلك المعنى.
نزلنا عن الاستفسار، لكن لا نسلم أن الباقي غير مفتقر إلى المؤثر.
قوله: لو كان مفتقرًا إليه فأثره إما أن يكون عين ما كان حاصلاً أو غيره ..
قلنا: اخترنا القسم الثاني؛ وهذا لأنه لا معنى لبقائه إلا حصوله في الزمان الثاني والثالث بعد أن كان حاصلاً في الزمان الأول ولا شك أن هذا المفهوم ما كان حاصلاً في الزمان الأول فيكون غير ما كان حاصلاً فلم لا يجوز أن يكون أثر المؤثر الذى يحتاج إليه الباقي هذا.
لا يقال: كلامنا في احتياج الباقي لا الحادث وعلى ما ذكرتم يكون المحتاج الحادث لا الباقي لأن ما ذكرتم من المفهوم حادث ضرورة أن ما كان حاصلاً في
الزمان الأول ولأن ما ذكرتم من المفهوم لا يحصل للشيء إلا بعد تأثير المؤثر وذلك بعد احتياجه إلى المؤثر فلو كان الباقي محتاجًا إلى المؤثر في هذا المفهوم لزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب؛ لأن كون الباقي محتاجًا إنما يكون بعد كونه باقيًا وإنما يكون باقيا بعد تأثير المؤثر وذلك بعد احتياجه إليه فظهر أنه يلزم منه تقدم الشيء على نفسه بمراتب.
لأنا نقول: المراد من قولنا: الباقي يحتاج إلى المؤثر أن حصوله في الزمان الثاني لابد فيه من شيء آخر. وقد ثبت ذلك فأما البحث بعد ذلك أن ذلك المفهوم ليس باقيًا بل هو حادث، وأن كونه باقيًا يحصل له بعد ذلك عند حصول ذلك المفهوم فلا يكون المحتاج هو الباقي بل الحادث فبحث خارج عن المقصود.
سلمنا فساد هذا القسم، فلم لا يجوز أن يكون الواقع هو القسم الأول.
قوله: إنه/ (335/ أ) تحصيل الحاصل.
قلنا. إن عنى به: أن يجعل المؤثر عين الذي كان موجودًا في الزمان الأول حادثًا في الزمان الثاني فلا شك في أنه ممتع، لكن لم قلت: إن إسناد الباقي إلى المؤثر يوجب ذلك؟
وإن عنى به: أن الوجود الذى ترجح في الزمان الأول بالمرجح نفسه ترجح في الزمان الثاني به فلا نسلم أن ذلك ممتنع ونحن لا نريد باحتياج الباقي إلى المؤثر الا هذا فلم قلت: إن ذلك ممتنع؟
وإن عنى به شيئًا أخر فليذكره لننظر فيه.
سلمنا صحة ما ذكرتم من الدلالة على استغناء الباقي عن المؤثر، لكنه معارض بما أن الشيء حال بقائه ممكن لذاته لأنه ممكن لذاته في زمان حدوثه وإلا لما وجد بعد عدمه وإلا كان من لوازم الماهية، وإلا لجاز زواله فيلزم انقلاب الشيء من الإمكان الذاتي إلى الامتناع أو الوجوب الذاتي وهما ممتنعان، وحينئذ يلزم أن يدوم بدوام الماهية والماهية باقية في حالة البقاء فوجب
أن تكون الماهية ممكنة حالة البقاء وكلل ممكن فله مؤثر لأن علة الحاجة إلى المؤثر هو الإمكان لا الحدوث ولا مجموعها ولا الإمكان بشرط الحدوث؛ لأن الحدوث عبارة عن: مسبوقية وجود الشيء بالعدم، ومسبوقية الوجود بالعدم نسبة بينهما فتكون متأخرة عنهما ضرورة أن النسبة متأخرة عن المنتسبين، ولأن مسبوقية الوجود بالعدم صفة الوجود ونعت له ولهذا يقال:[وجود مسبوق] ووجود غير مسبوق فلو لم يكن صفة له لما جار ذلك، وإذا كان كذلك فتكون متأخرة عن الوجود المتأخر عن تأثير المؤثر فيه المتأخر عن الاحتياج إلى المؤثر المتأخر عن علة الحاجة اليه فلو كان الحدوث علة الحاجة إلى المؤثر، أو جزأ منها، أو شرطًا لهما، لزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب وهو ممتنع فثبت أن علة الحاجة إلى المؤثر هو الامكان والباقي ممكن يوجز أن يكون محتاجًا إلى المؤثر وإلا لا ينسد باب إثبات الصانع.
سلمنا المقدمتين لكن لم قلتم أن المستعني عن المؤثر راجح الوجود بالنسبة إلى المفتقر إليه.
قوله في الوجه الأول: وإلا لكان الشيء مع غيره كهولا مع غيره.
قلنا: لا نسلم وهذا لأنه يجوز أن يحصل بينهما امتيار بوجه آخر لا من حيث رجحان الوجود وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور.
قوله في الوجه الثاني: المستغنى عن المؤثر لابد وأن يكون أولى بالوجود وإلا لافتقر إليه.
قلنا: إن عنيت بهذه الأولوية المنتهية إلى حد الوجوب فهو باطل وإلا لزم امتناع العدم على الباقي لأن كل ما وجب وجوده امتنع عدمه لا محالة لكن ذلك باطل فإن الباقي قابل للعدم.
وإن عديت بها: درجة متوسطة بين الاستواء المسمى بالإمكان. وبين
الوجود الذي هو مانع من النقيض فهذا أيضا باطل؛ لأن مع ذلك القدر من الأولوية إن امتنع النقيض فهو الوجوب وقد فرضنا أنه لم ينته إليه بل هو دونه هذا خلف، وإن لم يمتنع فمع ذلك القدر من الأولوية يصح عليه الوجود تارة، والعدم أخرى، فحصول أحدهما بدلاً عن الأخر، إن لم يتوقف على انضمام أمر آخر إليه لزم الترجيح من غير مرحج؛ لأن نسبة ذلك القدر من الأولوية إلى طرفي الوجود والعدم على السواء فترجح أحدهما على الأخر لا لمرجح ترجيح من غير مرجح وهو ممتنع وإن توقف عليه لزم أن لا يكون الحاصل تبله كافيًا في تحقق الأولوية هذا خلف.
قوله في الوجه الثالث: ما لعدمه طريق واحد يكون راجح الوجود بالنسبة إلى ما يكون لعدمه طريقان.
قلنا: نسلم أن لعدم الحادث طريقين، ولعدم الباقي طريقا واحدًا، لكن لا فسلم أن هذا القدر يقتضى أن يكون الباقي راجحًا في الوجود على الحادث. سلمناه لكنه معارض بوجه آخر وهو [أن مفهوم كونه باقيًا يتوقف] على مفهوم كونه حادثًا؛ ضرورة أنه لا يصدق عليه كونه باقيًا إلا إذا حصل في الزمان الثاني، ولا شك أن حصوله في الزمان الثاني أمر حادث، فإذا لم يكن وجود الحادث راجحًا، لم يكن وجود الباقي أيضًا راجحًا لأن المتوقف على ما لا يكون راجح الوجود لا يكون راجح الوجود [فيلزم أن لا يكون الباقي راجح الوجود].
سلمنا أن الباقي راجح الوجود، لكن لا يحصل له الرجحان ما لم يحصل له الاستغناء عن المؤثر، ولا يحصل له ذلك ما لم يحصل له البقاء وهو إنما
يحصل له إذا حصل في الزمان الثاني فما لم يعرف وجوده في الزمان الثاني [لا يعرف كونه راجح الوجود، والاستدلال برجحان الوجود على وجوده في الزمان الثاني] دور.
سلمنا رجحان وجود الباقي على الحادث في الوجود الخارجي فلم قلت:
إنه كذلك في الظن أيضًا؟ لابد لهذا من [دليل.
سلمنا أنه في الظن أيضًا كذلك، لكن لا نسلم أن العمل بمطلق الظن واجب؛ وهذا لأنه لو كان، العمل بمطلق الظن واجبا لزم النقض في صورة شهادة العبيد الصالحين، والنساء المحصنات، والفساق الذين يغلب على الظن صدمهم؛ دليل أن شهادتهم تفيد مطلق الظن مع أنه لا يجب العمل بذلك.
سلمنا أنه مغلب للظن لكن بعد ورود الشرع أو قبل وروده؟
الأول ممنوع والثاني مسلم؛ وهذا لأن قبل ورود الشرع قد أمنا التغيير فكان مغلبًا على الظن وأما بعده لم نأمن منه وقد دل الدليل على أصل التغيير بل على الغالب منه فلا يبقى مغلبًا على الظن.
سلمنا صحة ما ذكرتم من الدلالة على المطلوب لكنه معارض بوجوه:
أحدها: أن التمسك بالاستصحاب يقتضى التسوية بين الزمانين في الحكم، فإن كان ذلك لجامع بينهما فهو القياس ولا نزاع فيه، فلا/ (336/ أ) يكون الاستصحاب مدركًا آخر حينئذ.
وإن لم يكن ذلك لجامع كان ذلك تسوية بين الزمانين في الحكم من غير
دليل وهو ممتنع لكونه تحكمًا محضًا وقولاً في الدين من غير دليل.
وثانيها: أنه لو كان الاستصحاب هو الأصل في كل شيء لزم خلاف الأصل في حدوث جميع الحوادث ضرورة أنها واقعة على خلاف الأصل ومخالفة الأصل خلاف الأصل لاسيما إذا كان كثيرًا غالبًا.
وثالثها: أن الإجماع منعقد على أن بينة الإثبات مقدمة على بينة النفي، ولو كان الاستصحاب هو الأصل لكانت بينة النفي مقدمة على الإثبات لاعتضادها بالأصل.
ورابعها: لو كلان الاستصحاب هو الأصل لوجب أن تجزئ عتق العبد الذى غاب وانقطع خبوه عن الكفارة إذ الأصل بقاؤه لكن نص الشافعي- رضى الله عنه- أنه لا يجوز فدل على أنه ليس بأصل.
وخامسها: لو كان الاستصحاب حجة لوجب أن يكون مقدما على خبر الواحد والقياس وكل مدرك ظني من مدارك الشرع؛ لأنه يقيني وكون اليقيني راجحًا على الظن لكنه باطل بالإجماع فوجب أن لا يكون حجة.
وسادسها: أنه لو كان حجة فإما أن يكون حجة شرعية أو عقلية، وهذا الثاني باطل؛ أما أولاً. فلانه لا مجال للعقل عندنا في الأحكام الشرعية؟ وأما ثانيًا: فلأن كل من [يقول بحجيته] فإنما يقول بذلك بتقرير الشارع عليه [فما كان حجة فالقول بحجيته مع أنه حجة عقلية لا شرعية أي من غير تقرير الشارع] قول لم يقل به أحد.
والأول أيضًا باطل؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز نسخه إلا بمقطوع المق كالكتاب والسنة المتواترة لكونه يقينيا لكنه باطل بالإجماع إذ يجوز رفعه بخبو الواحد والكتاب وغيرهما من الأدلة الظنية.
الجواب عن الأول: الدليل على أن العقلاء وأهل العرف لا يقدمون على الفعل والترك بمجرد الاحتمال والتجويز هو أنهم لا يسافرون إلى حيث لا يغلب فيه السلامة، ولا يتجرون فيما لا يغلب فيه الربح، ولا يقصدون بحاجة من لا يغلب على ظنهم إلا نجاح منه، ولا يزرعون من حيث لا يغلب فيه وجود المطر، وكذا لا يتركون ركوب البحر والاسفار والتجارات بمجرد احتمال الفرق، وقطع الطريق، والمرض الناشئ من جهة السفر والخسارة، ولو كان مجرد الاحتمال كافيًا في الإقدام على الفعل والترك لما كان ذلك.
لا يقال: ذلك فيما فيه مشقة وتعب وغرر في النفس أو المال أما فيما ليس فيه شيء من ذلك فلا نسلم ذلك فيه.
وبعث الكتاب إلى الأهل والمتخلفين والاستخبار منهم من قبيل ما لا ضرر فيه، فلا جرم مجرد الاحتمال كاف فيه؟ لأنا نقول: لشيء حكم الاستصحاب مقصورًا فيما ذكرتم حتى يتجه المنع بل يستصحبون حكم الاصل وإن كان فيه مضرة وتعب وغرر في المال والنفس فإن الإنسان قد يسافر إلى بلد لرؤية أهله وأتاربه لعهده بهم فيها وإن لم يكن له فيها أرب سواه بل ربا يكره الدخول في تلك البلدة وحينئذ لا يتجه ما ذكروه من المنع.
وعن الثاني: أنه يلوم من رجحان الطهارة جواز الصلاة؛ لأنه لو لم يلوم ذلك لزم ترجيح المرجوح على الراجح وأنه ممتنع.
وأيضًا: العمل بالظن الراجح واجب في صور كثيرة فكذا ما نحن فيه تحصيلاً للمصلحة الناشئة من العمل المظنون.
وأما قوله: لو جازت الصلاة مع رجحان ظن الطهارة للزم النقض في صورة النوم والإغماء فممنوع؛ وهذا لأنه لا نسلم وجود ظن الطهارة وإن
كانت الطهارة متحققة من قبل لأنه وجده سبب ظاهر للحدث فيكون مظنة للحدث فيكون الحكم منوطا به لما عرف في الشرع والعرف تعليق الحكم بمظنته وحينئذ لا يبقى ظن الطهارة قطعًا كما لا يبقى مع ظن الحدث فإن مظنة الحدث [نازلة منزلة الحدث].
وأما قوله: ولزم جواز الصلاة لو ظن الطهارة من استناده إلى الاستصحاب فهو أيضًا ممنوع؛ وهذا لأنه لا يلزم من اعتبار الظن المستند إلى الاستصحاب اعتبار الظن مطلقًا.
سلمناه لكن لا نسلم امتناع اللازم فإن ظن الطهارة والحدث كيف ما كان عندنا.
قوله: البقاء يتوقف على تجدد الامثال.
قلنا: هذا لا يأتي فمما هو باق بنفسه، وأما الذي هو باق بتجدد الأمثال كالأعراض على رأي أهل السنة والجماعة فليس أمثاله كتبدل وجود الشيء بعدمه وبالعكس ضرورة أن الأول معتاد مطرد في كل الأزمان لذلك بخلاف الثاني فلا يعارضه.
قوله: المقدمات التي هي أقل من غيرها تجد تكون نادرة الوجود فلا يلزم أن ما يتوقف عليها غالب الوجود.
كلنا: مسلم لكن ما يتوقف عليه البقاء ليس كذلك؛ ضرورة أنه لا يتوقف. إلا على وجود الزمان المستقبل وهو حاصل قطعًا إلى فناء العالم ومقارنة وجود الشيء أو وجود مثله له وهو أيضًا حاصل بصفة الغلبة فإن بقاء الشيء بالمعنى الذى تقدم غالب قطعًا وتبدل وجود الشيء بالعدم وبالعكس نادر بالنسبة إليه
والاستقراء يحققه.
قوله: الأغلب من غيره قد لا يكون غالب الوجود.
قلنا. مسلم لكن ما نحن فيه ليس كذلك لما بينا بالاستقراء أنه غالب الوجود.
قوله: ما المعنى من قولك: الباقي مستغن عن المؤثر؟
[قلنا: نعنى به أن الذات الحاصلة في الزمانين أعنى في الزمان الأول والثاني مستغن عن المؤثر]، في نفس فاته في الزمان الثاني [وعند هذا نقول: الذات الحاصلة في الزمانين إن لم يحصل لها في الزمان الثاني] أمر زائد على ما كان حاصلاً لها في الزمان الأول بطل/ (337/ أ) قولك: أن كونه باقيًا حادث، وإن حصل لها في الزمان الثاني ما ليس حاصلاً لها في الزمان الأول فهذه الكيفية زائدة على نفس الذات ضرورة أن الذات حاصلة في الزمانين وهذه الكيفية ما كانت حاصلة في الزمان الأول بل حصلت في الزمان الثاني فاحتياجها إلى المؤثر لكونه حادثًا لا يقدح في استغناء الذات الباقية عنه لكونه باقيًا.
قوله: لا نسلم أن الباقي غير مفتقر إلى المؤثر.
قلنا: قد تقدم الدليل.
قوله. المراد من قولنا: الباقي يحتاج إلى المؤثر أن حصوله في الزمان الثاني يحتاج، إلى المؤثر.
قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو كان حصول الشيء في الزمان الثاني كيفية ثبوته.
زائدة على الذات وهو ممنوع؛ وهذا لأنه لو كان كذلك لكان له حصول في الزمان قطعًا والكلام في حصول ذلك الحصول كالكلام في الأول ولزم التسلسل وهو ممتنع، ولأن العدم يصدق عليه أنه باق ولا معنى للبقاء إلا حصول ما كان حاصلاً في الزمان الأول في الزمان الثاني فلو كان هذا المفهوم ثبوتيا لزم قيام الصفة الثبوتية بالعدم وأنه ممتنع.
سلمناه لكن لا يقدح في الفرض فإنه لا يلزم من احتياج تلك الكيفية إلى المؤثر لكونها حادثة اجتياح الذات الباقية إليه لكونها باقية.
قوله: ما المعنى بتحصيل الحاصل؟
قلنا: المعنى أن الشيء الذى حكم العقل عليه بانه كان حاصلاً قبل حكم عليه بأن حصوله الأن لأجل هذا الشيء، ولا شك في امتناعه فإن لما كان حاصلاً قبل فلو أعطاه هذا المؤثر حصولاً لكان قد حصل نفس ما كان حاصلاً ومحال بالبديهة.
قوله: لم قلت أن إسناد الباقي إلى المؤثر يوجب ذلك؟
قلنا: لأن الذات هي الباقية لا الكيفية المتجددة فلو كانت مستندة في حصول وجودها الذى كلان حاصلاً من قبل إلى المؤثر لزم تحصيل الحاصل بالمعنى المذكور.
قوله: ما ذكرتم معارض بأن الشيء حال بقائه ممكن وكل ممكن فله مؤثر لأن الإمكان علة الحاجة إلى مؤثر.
قلنا: لا نسلم بل الممكن إنما يفتقر إلى المؤثر بشرط الحدوث.
قوله: الحدوث لا يكون علة، ولا جزء علة، ولا شرطها لكونه متأخرًا.
قلنا: لا نريد به أن كونه حادثًا شرط الاحتياج إلى المؤثر؛ بل نريد به: أن
كونه بحيث لو وقع بالمؤثر لكان حادثا شرط لاحتياج الأثر إلى المؤثر، وكونه بهذه الحيثية أمرًا متقدمًا على وجوده وعلى تأثير المؤثر فيه وعلى علة احتياجه.
قوله: لم قلت: أن المستغنى عن المؤثر راجح [الوجود]؟
قلنا: لما تقدم من الوجوه.
قوله. على الوجه الأول: يجوز أن يحصل بينهما امتيار بوجه آخر من حيث رجحان الوجود.
قلنا: لا يحصل الامتياز إلا من حيث الاحتياج والاستغناء فلما كان الاحتياج مستلزمًا لمرجوحية الوجود وجب أن يكون الاستغناء مقتضيًا، لرجحاته فأما الامتياز بوجه آخر فذلك مما لا تعلق له بهذا الباب.
قوله على الوجه الثاني: إن عنى بالأولوية درجة متوسطة بين الإمكان والوجوب لزم الترجيح من غير مرجح وهو ممتنع.
قلنا: لا نسلم امتناعه مطلقًا؛ بل بشرط الحدوث وهو مفقود فيما نحن فيه فلا يمتنع ذلك فيه.
قوله على الوجه الثالث: نسلم أن لعدم الباقي طريقًا واحدًا ولعدم الحادث طريقين لكن لا نسلم أن هذا القدر يوجب رجحان وجود الباقي.
قلنا: إنه يوجب الرجحان ويدل عليه وجهان:
أحدهما: أن ما حصل بطريقين يكون أغلب مما يحصل بطريق واحد؛ لأنه يساوى القسم الثاني في الحصول بطريق واحد ويزيد عليه في أنه يحصل بالطويق الأخر، والغلبة مظنة الرجحان فيكون عدم الباقي مرجوحًا بالنسبة. إلى عدم الحادثة فيكون راجح الوجود بالنسبة إليه ضرورة أن أحد النقيضين إذا كان مرجوحًا كان الطوف الآخر راجحًا.
وثانيهما: أن عدم حدوث الحادث أكثر من عدم الباقي؛ لأنه يصدق على ما لا نهاية له أنه لم يحدث.
وأما عدم الباقي بعد حدوثه فذلك يصدق على ما لا نهاية له ضرورة أنه يستدعى وجود ما لا نهاية له وهو محال، وما يتوقف على المحال فهو محال، فعدم الباقي بعدة وجوده لا يصدق على ما لا نهاية له وإذا كان عدم حدوث الحادث أكثر من عدم الباقي بعد وجوده والكثرة موجبه للظن: ثبت أن عدم حدوث الحادث غالب على عدم الشيء بعد وجوده، ولا معنى لرجحان وجود الباقي إلا أن عدمه مرجوحا بالنسبة إلى وجوده وهذا يصلح أن يكون دليلا في المسالة ابتداء.
قوله: مفهوم كونه باقيا يتوقف على كونه حادثا.
قلنا: لا نسلم لأن حصوله في الزمان الثاني ليس أمرًا وجوديًا وإلا لزم التسلسل على ما عرفت ذلك من قبل، وإذا كان كذلك استحال أن يقال: إنه حادث فلا يتوقف مفهوم كونه باقيًا على مفهوم كونه حادثًا.
سلمناه لكنه لا يقدح في الغرض وذلك؛ لأن الحدوث مرجوح بالنسبة إلى البقاء على ما تقدم تقريره فالذات إذا كانت حادثة فهناك أمران حادثان أحدهما الذات، والأخر حصول الذات في ذلك الزمان.
وأما إذا كانت باقية فالذات غير حادثة وإنما الحادث أمر واحد وهو حصول الذات في ذلك الزمان فإذن الحادث مرجوح من وجهين، والباقي مرجوح من جهة واحدة، وما يكون مرجوحًا من جهة واحدة يكون راجحًا على ما يكون مرجوحًا من جهتين لا محالة.
قوله: [لا يعرف كونه راجح الوجود] ما لم يعرف البقاء، والاستدلال بالبقاء على رجحان الوجود دور/ (338/ أ).
قلنا: لا حاجة إلى ذلك؟ بل نقول: هذا الذى وجد الأن لا يمتنع عقلاً أن يوجد في الزمان الثاني، وأن يعدم، لكن احتمال الوجود راجح على احتمال العدم من الوجه الذى تقدم تقريره فالعلم بوجوده- في الحال- يقتضى اعتقاد رجحان وجوده على عدمه في ثاني الحال.
فإذن العلم بالأولوية مستفاد من العلم بوجوده في الحال، وعلى هذا لا يلزم ما ذكرتم من الدور.
قوله: سلمنا رجحان الباقي على الحادث في الوجود الخارجي.
فلم قلت: إنه كذلك في الوجود الذهني؟.
قلنا: لأن الحكم الذهني يجب أن يكون مطابقًا للخارجي وإلا لم يكن معتبرًا لكونه جهلاً.
قوله: لم قلت: أن العمل بمطلق الظن واجب؟
قلنا: لما تقدم من الأدلة.
قوله: يلزم النقض حينئذ.
قلنا: العمل بالظن واجب مطلقا حيث لم يدل دليل شرعي على إلغائه وما من الصور دل الدليل الشرعي على الغائه فلم يلزم النقض.
سلمنا النقض لكن وجب المصير إليه جمعًا بين الدليلين.
قوله: لا نسلم أنه مغلب للظن بعد ورود الشرع.
قلنا: قد بينا أن العمل بمطلق الظن واجب إلا فيما خصه الدليل فسقط ما ذكرتموه.
سلمنا أنه لا يجب العمل إلا بما يغلب على الظن بعد ورود الشرع لكنه كذلك لأنه كان مغلبًا للظن [قبل ورود الشرع بدليل أن الغالب عدم التغير
وبما أن الخصم سلم ذلك فوجب أن يكون مغلبا للظن] بعده لأنه لم يوجد له معارض سوى احتمال التغير لكنه مرجوح وهو لا يقدح في غلبة الظن فإنه لو كان قادحًا في غلبة الظن لزم أن لا تتحقق غلبة الظن إلا حيث لا يوجد الاحتمال المرجوح فكان يلزم أن تكون غلبة الظن علما هذا خلف.
قوله: التسوية بين الزمانين إن لم تكن بجامع بينهما كان ذلك تسوية بين الزمانين من غير دليل.
قلنا: إن عنيت بالجامع الجامع المعهود في القياس فلا يلزم من عدم ذلك التسوية بين الزمانين من غير دليل؟ إذ لا يلزم من عدم دليل معين عدم الدليل مطلقًا، فإن ما ذكرنا من الدليل هو المقتضى للتسوية وهو ليس بجامع.
وإن عنيت به ما يقتضى الجمع بين الشيئين في حكم واحد فلا نسلم أنه يلزم من تحققه تحقق القياسين فإن الأدلة باسرها بهذه المثابة وليس كل دليل بقياس.
قوله: لو كان الاستصحاب هو الأصل لزم خلاف الأصل في حدوث جميع الحوادث.
قلنا: مخالفة الأصل بدليل لاسيما بالقاطع ليس ببدع.
قوله: بينة الإثبات مقدمة على النفي.
قلنا: للاطلاع على ما يوجب مخالفة البراعة الأصلية وعدم اطلاع النافية عليه؛ لاحتمال وجود السبب الموجب للمخالفة حالة غيبة النافية إذ يستحيل عادة إحاطة العلم بجميع أحوال المنكر.
قوله: لو كان الاستصحاب هو الأصل لجار عتق العبد الذي انقطع خبره.
قلنا: لا نسلم امتناع اللازم؛ وهذا فإنه يجوز على رأى في المذهب.
سلمناه لكن ذلك إنما كان لان شغل الذمة بالكفارة يقين، ووجود العبد ليس بيمين بل الظاهر عدمه لانقطاع الخبر مع تواصل الاخبار والمعارف فينبغي أن لا يخرج عن العهدة.
قوله: لو كان الاستصحاب حجة لوجب أن يكون مقدما على القياس وخبر الواحد.
قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن الاستصحاب انما يكون يقينيا أن لو قطع بعدم المغير، فأما مع احتماله ووجوده فلا، وما نحن فيه وجد المعارض الظنى فلا يكون إذ ذاك الاستصحاب [وإنما يكون يقينيا أن لو قطع بعدم المغير فأما مع احتماله ووجوده]، قطعيًا وإنما قدم هذا الظني على ذلك الظني لكونه شرعيًا متأخرًا وبه خرج الجواب عن المعارضة الأخيرة.
واعلم أن القول بالاستصحاب لا بد منه في أصول الشرع وفروعه وفى الأمور العادية العرفية.
أما الأول. فلأن من جملة أصول الشرع القول بالنبوة، بل هي من أعظم أصوله، ولا تثبت النبوة إلا بالمعجزة، ولا معنى لها إلا فعل خارق للعادة ولا يحصل ذلك إلا عند تقرير العادة، ولا معنى للعادة، إلا أن العلم بوقوع الشيء على وجه مخصوص في الحال يقتضى اعتقاد أنه لو وقع لما وقع إلا على ذلك الوجه، وهذا عين الاستصحاب وأما في فروع الشرع: فلان العمل بالدليل على حكم من الأحكام إنما هو مبنى على عدم الناسخ والمخصص والمعارض ولا يعلم ذلك بدليل شرعي آخر؛ لأن الكلام في ذلك
الدليل كالكلام في الأول فيلزم التسلسل، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاستصحاب؛ فإن الأصل عدم الناسخ، وعدم المعارض، وعدم المخصص، وكذلك في الدعاوى وسائر أبواب الفقه.
وأما في العرف والعادة: فلان أهل العرف إذا عرفوا عادة شخصًا أو بلدة في أمر من الأمور، فإنهم يبنون أمورهم على ذلك فيما يتعلق من الأمور بذلك الشخص أو بتلك البلدة، وكذلك في الأدوية والأغذية، فثبت أن القول بالاستصحاب لابد منه في أصول الشرع وفروعه وفى العرف والعادة.