الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأيضًا يخرج عنه الترجيح بكثرة الأدلة على رأينا.
والأولى في ذلك أن يقال: هو عبارة عمها يحصل به تقوية أحد الطريقين المتعارضين على الآخر فيظن أو يعلم الأقوى فيعمل به.
وهذا يتناول الترجيح بالأدلة المستقلة وغيرها.
وإنما جعلناه عبارة عما يحصل به التقوية [لا نفس التقوية]، لئلا يرد الأشكال المذكور.
وإنما قلنا: طريقين لأنه، لا يصح الترجيح بين الأمرين إلا بعد تكامل كونهما طريقين، فإنه لو أنفرد كل واحد منهما فإنه لا يصح ترجيح للطريق على ما ليس بطريق.
وإنما قلنا: المتعارضين، لأن الترجيح إنما يتطرق إلى الدليل عند التعارض لا عند عدمه.
وقولنا: فيظن أو يعلم بيان لأثر التقوية فإنه إذا لم يحصل شيء منهما لم تحصل التقوية.
وإنما قلنا: أحدهما ليندفع الإشكال المذكور.
المسألة الثانية
ذهب الأكثرون إلى وجوب العمل بالراجح سواء كان الترجيح معلومًا أو مظنونًا
.
وقال بعضهم كالقاضي أبى بكر- رحمه الله تعالى- لا يجوز العمل بالترجيح المظنون.
قال القاضي: أنا أقبل الترجيح المقطوع به وألازمه وأتابعه، فأما المظنون فأرده وأخالفه، لأن الأصل المقرر أن لا يجوز إتباع شيء من الظنون، لأنه عرضة الأغاليط والخطأ إلا أنا نعتبر الظنون المستقلة بأنفسها لانعقاد إجماع الصحابة- رضى الله عنهم- عليها، إذ لنا في الأولين أسوة حسنة، وهم اعتبروا الظنون المستقلة، فما وراء الإجماع بقى على الأصل، والترجيح عمل يظن لا يستقل بنفسه دليلاً، وانعقاد الإجماع على ما يستقل ليس انعقادًا على ما لا يستقل، فإذا لم يكن مجمعًا عليه لا يجوز اعتباره واتباعه.
وأيضًا: فإن كل مجتهد مصيب على ما سيأتي تقديره فلا يتحقق الترجيح فيه بخلاف المقطوع به فإن الحق فيه واحد/ (255/ أ) فما كان أقرب إلى المقصود كان أحق بتحقيق الترجيح فيه.
وجوابه: أن الإجماع منعقد عل! وجوب العمل بالظن [الذى لا يستقل كما انعقد على وجوب العمل بالظن] المستقل كما سيأتي تقريره.
احتج الجماهير بوجوه:
أحدها: إجماع الصحابة- رضى الله عنهم- عليه فإنهم قدموا خبر عائشة في التقاء الختانين وعلى خبر أبى هريرة في قوله: (الماء من الماء).
وقدموا خبر من روت من أزواجه: "أنه كان يصبح جنبًا" على ما رواه أبو هريرة " أن من أصبح جنبًا فلا صوم له".
وقوى أبو بكر- رضى الله عنه- خبر المغيرة في ميراث الجدة بموافقة محمد بن مسلمة. وقوى عمو- رضى الله عنه- خبر أبي موسى في الاستئذان، بموافقة أبى سعيد الخدري.
وقوى على -رضى الله عنه- خبر أبى بكر حيث لم يحلفه ويحلف غيره. وهذه الصور الثلاثة وإن كان ليس فيها تعارض لكن المقصود أنهم عملوا بالظن الذى لا يستقل كما عملوا بالظن المستقل.
وأما ما احتج به في هذا المقام: بانهم ما كانوا يعدلون إلى الآراء والأقيسة إلا بعد البحث عن النصوص واليأس منها.
وكذلك الاحتجاج بحديث معاذ- رضي الله عنه.
ووجه الاستدلال به أنه- رضى الله عنه- قدم بعض الأدلة على البعض، وقرره النبي عليه السلام على ذلك، وذلك يدل على وجوب العمل بالراجح، فليس بحجة على صورة النزاع، لأنه لا نزاع في ترتيب الأدلة فإن الكتاب مقدم على السنة. وهى مقدمة على القياس كما نطق به صريح الحديث، وهذا القسم هو المسمى بالترجيح المقطوع به، ولا نزل فيه كما تقدم
ذكره، وإنما النزاع في الترجيح المظنون، وهو الترجيح بالأوصاف والأحوال، وبكثرة الأدلة على رأى، وما ذكر من الاحتجاج المقدم ذكره فليس منه في شيء ألبتة.
وثانيها: أن الدليلين إذا تعارضا لم يرجح أحدهما على الآخر فالعقلاء يوجبون العمل بالراجح، ولا يجوزون العدول عنه حتى لو عدل عنه أحد سفهوا رأيه، واستقبحوا تصرفه، فوجب أن يكون في الشرع كذلك لقوله عليه السلام: " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن!، ولأن الأصل تطابق الشرع والعرف فإن التغيير خلاف الأصل.
وثالثها: لو لم يعمل بالراجح فقط، فإما أن يعمل بالمرجوح فقط، وهو باطل، لأنه يلزم منه ترجيح المرجوح على الراجح وهو ممتنع في بدائه العقول، أو يعمل بهما وهو أيضًا باطل [لأنه يلزم الجمع بين الضدين، أو لا يعمل بواحد منها وهو أيضا باطل] لأنه يلزم منه تعطيل الدليلين وهو على خلاف الأصل.
واحتج الخصم بأمرين:-
أحدهما: التمسك بعمومات القياس نحو قوله تعالى: {فاعتبروا} . وقول محاذ (أجتهد رأى)، وقوله عليه السلام "اقض بالظاهر".
ووجه التمسك بها ظاهر.
وجوابه: أنه استدلال وقياس في مقابلة الإجماع والدلائل الجلية فلا يقبل.
سلمناه لكن خرج عن زيادة الظن الذى حصل من القياس الجلي، ومن القياس الذى نص على عليته، وزيادة الظنون التي حصلت من كون اللفظ حقيقة وظاهرًا في معنى، فكذا ما نحن فيه بجامع زيادة الظن.
وثانيهما: أن الترجيح لو اعتبر في الأمارات لاعتبر في البينات في الأقضية والحكومات، بجامع ترجيح الأظهر على الظاهر، لكن اللازم باطل بالاتفاق فالملزوم مثله.
وجوابه: بعض ما سبق، ويخصه منع بطلان اللازم، وهذا لأن الترجيح في البينات معتبر أيضًا عند بعض القائلين بالترجيح المظنون كمالك- رضى الله عنه، والشافعي- رضى الله عنه. على قول له. سلمناه لكن لا يلزم من عدم اعتبار الأظهرية في البينات عدم اعتباره في الأمارات، لأن اعتباره في البينات يفضي إلى بقاء النزل لا إلى غاية وأمد، فإنه إذا أتام أحدهما شاهدين فربما يقيم الأخر ثلاثة شهود، ثم يرجع الأول يقيم شاهدين آخرين حتى يصير شهوده أربع وهلم جرا، فلم يحصل فصل الخصومة، والحاكم إنما نصب لفصل الخصومة، فلما كان اعتباره في البينات مناقضا ومنافيا لما لأجله نصب الحكام وشرع الشهود لا جرم لم يعتبر بخلاف الأمارات، فإنه لا يلزم منه هذا المحذور فلا جرم اعتبر عملاً بالمقتضى، وهو زيادة الظن وزوال المانع.