الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
في إثبات العلية بالمناسبة والإخالة
وهي من الطرق العقلية
.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في تعريف المناسب:
المناسبة في اللغة عبارة عن الملائمة، يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة أي تلائم جمعهما في سلك واحد، ويقال: فلان لا تناسب أفعاله أقواله أي لا تلائم حيث تكون أفعاله مخالفة لأقواله، فالمناسب في اللغة: الملائم.
وأما في الاصطلاح: فقال من لم يعلل أفعال الله تعالى: إنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات".
ومن يعللها قال: "إنه الذي يفضى إلى ما/ (171/أ) يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاءً".
والمراد من التحصيل: جلب المنفعة، وهى عبارة عن اللذة وما يكون طريقًا إليها.
إزالة المضرة، وهى الألم وما يكون طريقًا إليه.
ولا حاجة إلى تعريف اللذة والألم لكونهما من الأمور الوجدانية.
وقيل في أحدهما: "اللذة إدراك الملائم، والألم: "إدراك المنافي" وهو لا يخلو عن شائبة الدور.
ثم كون التعريف الأول تعريف من لم يعلل أفعال الله تعالى ظاهر؛ إذ لا سبيل إلى تعريفه على هذا التقدير بملائمة غرضه تعالى لتنزهه عن الأغراض، ولا بملائمة غرض الإنسان وبموافقته؛ لأنه حينئذ يكون معللًا بذلك وهذا القائل لا يقول به فلم يبق إلا أن يقال: أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات أي ما يكون بحيث يقصد العقلاء بفعله على مجارى العادة تحصيل مقصود مخصوص، أو ما يكون بحيث إذا رؤى العاقل فعل فعلًا مخصوصًا يقال أنه فعله لكذا، وكذا كون التعريف الثاني تعرف من يعلل أفعال الله تعالى بالمصالح ظاهر؛ إذ اعتبار إفضائه إلى ما يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاءً تصريح بالتعليل.
وقيل المناسب: "ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول".
قيل عليه: إن إثبات كون الوصف مناسبًا بهذا التفسير على الخصم متعذر إذ الخصم ربما يقول: إن عقلي لا يتلقى هذا المعنى بالقبول، والاستدلال على بقبول عقل غيري له ليس أولى من الاستدلال على غيري بعدم قبول عقلي له، وعلى هذا بنى هذا القائل امتناع إثبات العلة على الخصم في مقام النظر وقال: المناسبة تفيد الناظر؛ لأنه لا يكابر نفسه دون المناظر؛ لاحتمال أنه مكابر في نفسه ويظهر من نفسه خلافه حتى لا يخرج عن أن يكون أهلًا للمناظرة، فإن
المكابر ليس أهلًا للمناظرة وفاقًا.
ولقائل أن يقول عليه: أن كون الشيء بحيث لا يمكن إثباته على الخصم [لا يقدح فيه وإلا لزم القدح في عدم اعتبار عدد معين في أهل التواتر لأن اعتباره بما يحصل العلم مما يتعذر إثباته على الخصم] فإن الخصم ربما يقول: لم يحصل لي العلم بمضمون هذا الخبر فلم يثبت عندي تواتره، وليس الاستدلال على بحصول العلم لغيري أولى من الاستدلال على غيري بعدم حصول العلم لي، نعم لو أمكن رد الشيء بحيث ينتفع به الناظر والمناظر معًا كان أولى.
والحق: أنه وإن عرفت المناسبة بحيث يمكن إثباتها على الخصم لكن قد يكون من أمارات العلة المصححة لها ما لا يمكن التعبير عنها، وإثبات علية هذا النوع متعذر على الخصم قطعًا.
وقال الخلافيون: المناسبة مباشرة الفعل الصالح لحكمه ومصلحة، أو صلاحية الفعل لحكمة ومصلحة.
التعريف الأول إنما يستقيم على رأى من يعلل أفعال الله تعالى بالمصالح والحكم، والثاني يستقيم على الرأيين معًا.
وقيل: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم
على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا من شرع ذلك الحكم نفيا ًكان أو إثباتًا.
وهو ضعيف من وجهين:
أحدهما: أنه اعتبر في ماهية المناسبة ما هو خارج عنها وهو اقتران الحكم للوصف وهو خارج عن ماهية المناسب بدليل أنه يقال: المناسبة مع الاقتران دليل العلية، ولو كان الاقتران داخلًا في الماهية لما صح هذا.
فإن قلت: لا نسلم أنه اعتبر اقتران الحكم للوصف في ماهية المناسب، بل اعتبر فيه كونه بحيث يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا من شرع ذلك الحكم، ولا يلزم منه أن يكون ترتيب الحكم معتبرًا في ماهيته.
قلت: يجب الاحتراز في التعريفات عن مثل هذه العنايات.
سلمنا إرادة مثل هذه العنايات لكن إن عنى بقوله: يلزم من ترتيب الحكم على وفقه كيت وكيت أنه يلزم ذلك من ترتيب ما يقتضيه الوصف من الحكم بحسب مناسبة له فحينئذ يلزم تعريف الشيء بنفسه؛ لأن تعريف المناسب إنما هو باعتبار مناسبته فتعريفه بالمناسبة تعريف للشيء بنفسه.
وإن عنى به غيره فليبينه.
سلمنا ذلك لكن لا حاجة إلى هذا القيد بل يكفى أن يقال: المناسب وصف ظاهر منضبط يلزم من حصوله حصول الحكم المستلزم لحصول ما يصلح
أن يكون مقصودًا للشارع والمقارنة إنما تراد لاعتبار المناسبة لا لتحقق ماهيتها، وأما أنه يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع فذلك زائد على ماهية المناسبة فذكره في الحد نقص فيه.
وثانيهما: أنه غير جامع؛ لأن التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة جائز على/ (172/أ) ما اختاره قائل هذا الحد، والوصفية غير متحققة فيها مع تحقق المناسبة.