الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقائل أن يقول: لا نزاع في وقوع مثل هذا التخيير في الشرع، وإنما النزاع في أنه هل يجوز أن تتعادل الأمارتان في فعلين متنافيين والحكم واحد بحسب النوع، وبحسب متعلقه، كما إذا دلت أمارة على أن هذه الجهة جهة القبلة أو تدل أمارة أخرى أن الجهة الأخرى هي جهة القبلة، وتتعادل الأمارتان، وما ذكرتم الصور ليس مما فيه النزاع في شيء، أما الأول: فلأن الحكم إن كان واحدًا فيها بحسب النوع لكن ليس واحدًا بحسب متعلقه، فإن وجوب الحقة غير وجوب بنت اللبون.
وأما الثاني والثالث فهما من أقسام الواجب المخير لا مما نحن فيه، فإن التخيير فيما نحن فيه هو أن ينشا من تعادل الأمارتين اللتين تدل كل واحدة منهما على واحد بعينه، ومعلوم أن ما ذكرتم من الصورتين ليس كذلك، فإنه ليس أمارة على وجوب استقبال جانب من الكعبة بعينه، وأمارة أخرى تدل على استقبال الجانب الآخر، وكذلك ليس أمارة تدل على وجوب إرضاع صبى بعينه، وأمارة أخرى تدل على وجوب إرضاع الصبى الآخر فليسا هما من صور النزاع.
المسألة الثانية
القائلون بجواز هذا التعادل [قالوا: إن وقع هذا التعادل]، للإنسان في عمل نفسه كان حكمه فيه التخيير، أو التساقط والرجوع إلى غيرهما
.
ومنهم من نقل فيه الوقف أيضًا كما في التعادل الذهني وهو بعيد جدًا، إذ الوقف فيه لا إلى غاية؛ إذ لا يرجى فيه ظهور الرجحان وإلا لم تكن مسألتنا
بخلاف التعادل الذهني فإنه يوقف فيه إلى أن يظهر المرجح.
وإن وقع للمفتي كان حكمه أن يخير المستفتي في العمل بأيهما شاء، هذا ما ذكره الإمام.
ومنهم من نقل أنه يجب عليه أن يجزم بمقتضى أحدهما دفعا للتخيير عن المستفتي.
وهذا فيه نظر؛ لأنه ليس في التخيير بين الأخذ بأي الحكمين شاء تخير.
والأظهر أن المفتي فيه بالخيار بين أن يجزم له الفتيا، وبين أن يخيره إذ ليس في كل واحد منهما مخالفة دليل ولا فساد فيسوغ له الأمران ولأن الحاكم يجب عليه الجزم على ما ذكره والعامل لنفسه مخير على ما تقدم والمفتي داثر بينهما فينبغي أن يسوغ له الامران نظرًا إلى الجانبين، وإن وقع للحاكم وجب عليه التعين لا غير، لأن الحاكم نصب لقطع الخصومات فلو خير الخصمين لم تنقطع خصومتهما، لأن كل واحد منهما يختار الذى هو أوفق له، وليس كذلك حال المفتي.
فإن قلت: فهل للحاكم أن يقضى في الحكومة بحكم إحدى الأمارتين، بعد أن كان قضى فيها من قبل بالأمارة الأخرى؟
قلت: لا يمتنع ذلك عقلاً، كما إذا استوى عنده جهتا القبلة، فإن له أن يصلى مرة إلى جهة، ومرة إلى جهة أخرى.
وكما إذا تغير اجتهاده فإنه إذا قضى بحكم في قضية ثم تغير اجتهاده فيها إذا وقعت مرة أخرى فإنه يجب عليه أن يحكم بما أدى إليه اجتهاده ثانية لكن منع منه دليل شرعي، وهو ما روى أنه عليه السلام قال لأبي بكرة: