الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الغالبة، تولد من هاتين المقدمتين ظن أن هذه المصلحة معتبرة شرعًا فيحصل ظن أن هذا الحكم مشروع بالنظر إلى مقاصد الشارع والعمل بالظن [واجب؛ للإجماع؛ ولما تقدم آنفًا، ولا نعني بكون المصالح المرسلة حجة سوى هذا.
ولا يجاب عنه: بأنه لو كان عموم كونه وصفًا مصلحيًا يوجب الاعتبار لكون الوصاف المصلحية [معتبرة في نظر الشارع لكان عموم كونه وصفًا مصلحيًا يوجب الإلغاء أيضًا لكون الأوصاف المصلحية] ملغاة أيضًا فيلزم أن يكون الوصف الواحد [معتبرًا أو ملغي وهو محال؛ لأنا نمنع أن الأوصاف المصلحية الخالصة أو الغالية].
وجواب هذا المنع يعرف بالتأمل فيستقيم الجواب المذكور.
المسألة السادسة
في الاستحسان
.
قال به الحنفية.
والحنابلة. وأنكره الباقون.
روي عن الشافعي- رضي الله عنه أنه قال: "من استحسن فقد شرع" واعلم أنه لا بد وأن يعلم أولًا ما هو المراد من الاستحسان حتى يمكن الاحتجاج عليه ترتيبًا أو تقريرًا فنقول:
إن عني به الحكم بما يستحسنه المجتهد بعقله وهواه، وهو المتبادر إلى الفهم عند سماع لفظ الاستحسان، ولهذا فهم المخالفون منه هذا المعنى فهو باطل.
أما أولًا: فبإجماع الأمة على عدم جواز الحكم في الشرع بمجرد التشهي واستحسان العقل قبل ظهور المخالف إن فسر المخالف الاستحسان به وإلا فالإجماع حاصل على ذلك إلى هذا الزمان.
وأما ثانيًا: فلأن التعبد بالاستحسان بهذا المعنى لو كان واقعًا فأما أن يعلم ذلك بطريق التواتر، إذ لا مجال للعقل في الأمور النقلية لكن ذلك باطل؛ أما الأول: فلأن المنقول بطريق الآحاد لا يفيد إلا الظن- ولا يكتفى به في مثل هذا الأصل، وأيضًا: فلأن متون مدارك الأحكام قطعية كالإجماع والقياس وخبر الواحد فكان يجب أن يكون متنه مقطوعًا به وذلك لا يحصل بنقل الآحاد.
وأما الثاني: فلأنه لو كان ورود التعبد به منقولًا بالتواتر لعرفه/ (344/ أ) كل أحد، ولارتفع الخلاف فيه، وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
وأما ثالثًا: فلأن شرعية ذلك- يخل بمقصود التكاليف وهو تحصيل المصالح، أو دفع المفاسد؛ فإن ما يكون بمجرد التشهي لا يجب أن يكون كذلك.
وإن عنى به غيره فلا بد من ذكره لينظر فيه.
وقد ذكر فيه وجوه:
أحدهما: أنه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه لعدم مساعدة العبارة.
والكلام عليه أن يقال: إن أدلة الشرع كلها مما يمكن التعبير عنها، إما بلفظ مفرد يخصه، أو بمركب، وكيف لا وكل واحد منهما مما تمس الحاجة إلى التعبير عنه، فالظاهر أنه وضع له لفظ وإن كان بطريق النقل لما عرفت في اللغات.
سلمنا أنه ليس له لفظ يعبر عنه بطريق الحقيقة لكن يمكن التعبير عنه على سبيل التجوز؛ إذ لا بد له من نسبة- ومناسبة خاصة مشتركة بينه وبين غيره مما له لفظ يدل عليه فحينئذ يمكن التعبير عنه.
سلمناه لكن إن قطع بكونه دليلًا جاز التمسك به وفاقًا وإن لم يمكنه التعبير عنه وإن لم يقطع بذلك بل تردد فيه بخيال أو وهم لم يجز التمسك به وفاقًا فلم يتحقق استحسان مختلف فيه. وأيضًا هذا الدليل المنقدح في نفس المجتهد إنما يمتاز عن غيره من الأدلة لكونه لا يمكن التعبير عنه، وذلك ليس أمرًا آيلًا إلى ما يقدح في كونه دليلًا فكان التمسك به جائزًا وفاقًا، فعلى هذا يكون النزاع آيلًا إلى التسمية ولا حاصل له.
وثانيها: أنه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه.
وهذا لا خلاف فيه فلا يجوز تفسير الاستحسان المختلف فيه به.
ثم إنه غير جامع فإنهم نصوا على أن الرجل إذا قال: مالي صدقة، أنه يلزمه التصدق بكل ماله من جهة القياس، لكن الاستحسان يقتضي تخصيصه بمال الزكاة لقوله تعالى:{خذ من أموالهم صدقة} والمراد من الأموال المضافة إليهم أموال الزكاة، فهذا استحسان عندهم مع أنه ليس عدولًا عن قياس إلى قياس أقوى منه بل هو عدول عن موجب القياس إلى موجب النص.
ونحوه استحسانهم عدم وجوب القضاء على من أكل أو شرب ناسيًا، فإن القياس يقتضي وجوب القضاء وحصول الإفطار، لكن ترك العمل به واستحسنوا عدم وجوب القضاء وعدم حصول الإفطار للحديث.
وثالثهما: أنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه وحاصله راجع إلى تخصيص العلة وقد عرف ما فيه من الخلاف. وأيضًا في قوله: بدليل هو أقوى منه نظرًا؛ وذلك لأن تخصيص العلة يثبت بتوقيف اقتضاء العلة للحكم على حصول شرط أو عدم مانع مع أن دليلها لا يجب أن يكون
أقوى من القياس بل جاز أن يكون أضعف منه.
ورابعها: وهو ما ذكره الكرخي: الاستحسان هو: أن يعدل عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه بوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول.
وهذا أيضًا لا خلاف فيه ولا يجوز أن يفسر به.
سلمناه لكنه غير مانع؛ لأنه يقتضي أن يكون العدول من العموم إلى التخصيص، ومن المنسوخ إلى الناسخ استحسانًا وليس كذلك وفاقًا أما عندنا؛ فلأنا نقول به أصلًا، وأما عندهم فلأنهم لا يعدون الحكم بالمخصص والناسخ استحسانًا.
وخامسها: وهو أنه عبارة عن العدول عن حكم الدليل إلى العادة المطردة لمصلحة الناس.
كدخول الحمام، وشرب الماء من السقاء من غير تقدير [الماء] واللبث وتقدير الأجرة، وهو أيضًا باطل؛ لأن العادة لا تكون حجة مرجوحًا إليها إلا إذا علم تقرير الرسول عليه السلام عليها، [أو تقرير أهل الإجماع عليها] وحينئذ يكون الرجوع إليها كالرجوع إلى السنة والإجماع، ولا خلاف فيه
وإن لم يعلم ذلك لم يجز الرجوع إليها فلم يتحقق استحسان مختلف فيه.
وأيضًا نصوا على حكم الاستحسان حيث لا عادة كما تقدم وسيأتي أيضًا وذلك يدل على أنه غير جامع.
وسادسها: وهو ما ذكره أبو الحسين: أنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ بوجه أقوى وهو في حكم الطارئ على الأول. قال: ولا يلزم عليه العدول عن العموم إلى القياس المخصص؛ لأن العموم لفظ شامل، ولا يلزم أن يكون أقوى القياسين استحسانًا؛ لأن الأقوى ليس في حكم الطارئ على الأضعف، فإن فرض أنه طارئ فهو استحسان.
وقيل: إن قوله في حكم الطارئ احتراز عن الاستحسان الذي ترك بالقياس.
لا يقال: نص محمد بن الحسن في غير موضع من كتبه: تركنا الاستحسان للقياس، كما لو قرأ آية السجدة من آخر السورة، فالقياس يقتضي أن يجتزئ بالركوع والاستحسان أن لا يجتزئ به، بل يسجد لها، ثم إنه قال بالقياس.
فهذا الاستحسان إن كان أقوى من القياس، فكيف تركه وإن لم يكن أقوى منه فقد بطل حدكم؛ لأنا نقول: الاستحسان وإن كان أقوى من القياس لكن قد ينضم إلى القياس شيء آخر يصير مجموعهما أقوى من الاستحسان، وما ذكرتم من الصورة فهو كذلك؛ لأن الله تعالى أقام الركوع مقام السجود
في قوله تعالى: {فخر راكعًا وأناب} فهذا مع القياس أقوم من الاستحسان فكذلك ترك الاستحسان بالقياس.
وقيل: إن قوله: في حكم الطارئ احتراز عن الاستحسان الذي يترك بالقياس الذي ليس في حكم الطارئ [فإنه ليس استحسانًا من حيث أن القياس الذي ترك به الاستحسان ليس في حكم الطارئ] بل هو الأصل وذكر هذا القائل مثاله ما ذكرنا من/ (345/ أ) الصورة بعينها، فعلى هذا لا يرد ما ذكرنا من السؤال؛ لأنه حينئذ ليس باستحسان في الحقيقة وإن سميناه استحسانًا.
واعلم أن فيه نظرًا من حيث أنه قسم الاستحسان إلى قسمين حقيقي لفظي فجعل ما يترك بالقياس الأصلي من الاستحسان استحسانًا لفظيًا، وما يترك منه بالقياس الطارئ جعله استحسانًا حقيقيًا، وهذا يقتضي أن يكون القياس الطارئ أقوى من الاستحسان وهو خلاف المشهور، فإن المشهور عند القائلين به أن الاستحسان أقوى مدركًا من القياس مطلقًا، وحيث يترك بالقياس فإنما يترك لانضمام دليل آخر إليه كما تقدم.
واعلم أنه كما خرج من قوله غير شامل شمول الألفاظ العدول عن العموم إلى القياس المخصص، فكذا يخرج منه العدول من المنسوخ إلى الناسخ وإن كان المنسوخ حكمًا ثابتًا بالفعل؛ لأن الفعل وحده لا يدل كما عرفت بل بواسطة القول، فيكون المتروك آيلًا إلى ما يكون شموله شمول الألفاظ ولولا خروجه عنه وإلا لا ينقض الحد.
واعترض عليه الإمام بأنه يقتضي أن تكون الشريعة بأسرها استحسانًا؛ وذلك لأن مقتضى العقل هو البراءة الأصلية، وإنما ذلك لدليل أقوى منه، وهو إما نص أو إجماع أو غيرهما.
وهذا الأقوى في حكم الطارئ على الأول فيلزم أن يكون الكل استحسانًا.
ولا قائل به فينبغي أن يزاد في الحد قيد آخر فيقال: "ترك وجه من وجوه الاجتهاد مغاير للبراءة الأصلية، والعمومات اللفظية لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول".
واعلم أنه يمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ترك وجه من وجوه الاجتهاد ينبئ عن أن ذلك الوجه مغاير للبراءة الأصلية فإن البراءة الأصلية ليست وجهًا من وجوه الاجتهاد لأنها معلومة أو مظنونة من غير اجتهاد، فلا حاجة إلى ما ذكره من القيد بطريق الصراحة.
واعلم أنه يقتضي أن يكون العدول من حكم القياس إلى النص الطارئ عليه استحسانًا، وما أظن الخصم يقول به، ثم لا نزاع في هذا أيضًا؛ فإن حاصله يرجع إلى نفس الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابلته بدليل آخر أقوى منه وهو طارئ عليه من نص أو إجماع أو غيرهما، ولا نزاع في صحة الاستدلال بمثله فلم يتحقق استحسان مختلف فيه في المعنى.
وأما النزاع في التسمية فغير لائق بذوي التحقيق، ولئن سلم ذلك لكن لا ينبغي فيه نزاع؛ إذ قد ورد لفظ الاستحسان في الكتاب والسنة وفي ألفاظ المجتهدين: قال الله تعالى: {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله} وقوله: {الذين يستمعون [القول فيتبعون] أحسنه} ، وقوله: {وأمر قومك
يأخذوا بأحسنها} و {اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} .
وأما السنة فقوله عليه السلام: "ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن".
وأما في ألفاظ المجتهدين فنحو ما روي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال في المتعة: "أستحسن أن تكون ثلاثين درهمًا".
وفي باب الشفعة: "أستحسن أن يثبت للشفيع الشفعة إلى ثلاثة أيام" وقال في المكاتب: "أستحسن أن يترك عليه شيء".
ونقل عن الأئمة استحسان دخول الحمام من غير تقدير عوض للماء المستعمل، ولا تقدير مدة اللبث وأجرته، واستحسان شرب الماء من أيدي السقائين [من غير تقدير الماء] وثمنه.
وعند هذا حمل الإمام النزاع فيما إذا كان القياس قائمًا في صورة الاستحسان وفي غيرها من الصور ثم ترك العمل به في صورة الاستحسان وبقي معمولًا به في غير تلك الصورة فهذا هو القول بتخصيص العلة وهو عند الشافعي وجمهور المحققين باطل، وقد تقدم بطلانه في القياس فيكون القول بالاستحسان باطلًا.
وهو غير سديد.
أما أولًا: فلأنه لم يحصل به تعريف الاستحسان؛ لأنا لا نعرف الاستحسان الذي ترك القياس به في صورة الاستحسان فتكون الجهالة باقية بعد.
وأما ثانيًا: فلأن القول بتخصيص العلة جائز قال به جمهور الفقهاء والمتكلمين إذا كان لفقد شرط، أو لوجود مانع، وبدونه لم يقل أحد من ذوي التحصيل فلم يمكن تنزيل الاستحسان المختلف فيه عليه.
وقال بعض المتأخرين: إنما النزاع في إطلاقهم الاستحسان على العدول عن حكم الدليل إلى العادة، وهو أيضًا باطل لما سبق من أن تلك العادة إن كانت عادة مجموع الأمة أو هي كانت مطردة في زمان الرسول فلا نزاع فيه، وإن لم يعلم ذلك إلا يجوز العدول عن حكم الدليل إليها فلم يتحقق أيضًا صورة النزاع.
ثم القائلون بالاستحسان قد احتجوا عليه بوجوه فتذكر تلك الوجوه والجواب عنها جريًا على العادة وإن لم تتلخص بعد صورة النزاع ولم يتحقق، وإن كان ذلك بعيدًا عن التحقيق.
الأول: التمسك بقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} .
ووجه الاستدلال به: هو أنه ذكر ذلك في معرض الثناء والمدح لمن اتبع أحسن القول فلا يكون مباحًا؛ إذ لا مدح ولا ذم فيه فيكون اتباعه مأمورًا به، والاستحسان اتباع الأحسن فيكون مأمورًا به، وهو إما بطريق الندبية، أو بطريق الوجوب والأول باطل.
أما أولًا: فلأن كل ما جاز اتباعه من مدارك الأحكام فإنه يجب اتباعه عند عدم غيره.
وأما ثانيًا: فبالإجماع وتقريره غير خاف.
وجوابه: أنه ليس المراد منه المدح على اتباع كل ما يستحسنه السامع كيف ما كان، بل المراد منه: إما اتباع ما هو الأحسن في نفس الأمر، وما هو الأحسن عند السامع بناءً على طريق شرعي، فعلى هذا لا يكون الاستحسان مأمورًا به حتى يثبت كونه مأمورًا به دور.
أو نقول: لا نسلم أن اتباع الأحسن مأمور به مطلقًا بل إذا كان على أحد (346/ أ) الوجهين فلم قلتم: إن الاستحسان اتباع الأحسن بأحد الوجهين المذكورين حتى يكون مأمورًا به، لا بد لهذا من دليل. سلمنا عدم لزوم الدور لكن المراد منه اتباع أحسن ما أنزل إلينا؛ إذ هو المتبادر من الآية، فلم قلتم أن الاستحسان مما أنزل إلينا فضلًا عن أن يكون من أحسنه.
وثانيها: قوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} .
ووجه الاستدلال به: أنه أمر باتباع الأحسن فلولا أنه حجة لما أمر باتباعه.
وجوابه ظاهر مما سبق.
والاحتجاج بقوله تعالى: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} .
والجواب عنه كما سبق فيما قبله.
ويخصه أنه شرع لمن قبلنا فلم قلتم أنه شرع لنا.
وثالثها: قوله عليه السلام: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" ولولا أنه حجة لما كان عند الله حسنًا.
وجوابه: أن الجمع المحلى بالألف واللام للعموم فيكون المراد منه جميع المسلمين، فلم قلتم: إن الأخذ بالاستحسان مما رآه جميع المسلمين حسنًا حتى يمكنكم الاحتجاج عليه بالحديث؟
سلمناه لكنه خبر واحد فلا يثبت به أصل من الأصول.
سلمناه لكن إن كان المراد منه ما رآه المسلمون حسنًا بناءً على دليل وحجة
لزم الدور المذكور، وإن لم يكن بناءً على ذلك بل بمجرد الاستحسان والميلان فهو باطل؛ لأن الصحابة أجمعت على استحسان منع الحكم من غير دليل وحجة، لأنهم مع كثرة وقائعهم تمسكوا بالظواهر والأشباه وما نقل عن أحد منهم الرجوع إلى الاستحسان، ولو كان مدركًا من المدارك ما كان كذلك، ولهذا لما سأل الرسول عليه السلام معاذًا عن مدارك الأحكام ما ذكره.
فإن قلت: فقد ذكر اجتهد رأيي وهو يتناول الاستحسان.
قلت: المراد منه القياس وفاقًا، وهو غيره عندهم فلا يكون متناولًا له.
وبالجملة نحن نعلم علمًا يقينيًا أنه لو قال واحد في زمان الصحابة رضي الله عنهم حكمت أو أفتيت بكذا لأني استحسنته لشددوا عليه الإنكار ونسبوه إلى الجهل وغيره وقالوا: من أنت حتى يكون استحسانك شرعًا ويكون لنا شارعًا.
ورابعها: إجماع الأمة، فإنهم أجمعوا على استحسان دخول الحمام من غير تقدير أجرة وعوض الماء، ومن غير تقدير مدة اللبث فيه، ومن غير تقدير الماء وكذا استحسنوا شرب الماء من غير تقدير الماء وعوضه، فلولا أنه حجة لزم اتفاقهم على الباطل إذ الحكم من غير دليل باطل.
وجوابه: أنه لا نزاع أنهم استحسنوا ما ذكرتم، لكن لا نسلم أن ذلك هو الدليل على صحته بل كان استحسانهم لذلك على دليل وهو: إما جريان ذلك في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم مع علمه به وتقريره لهم عليه، أو غير ذلك مما لا يخفى على المتأمل تقريره.