الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو الله يخون أمته بأسرها، فلزام على الأقلام المتوضئة أن تبيّن دجل هذه القمم وعوارهم وغشهم لأمتهم، ونقول لكل من يحاول الرفع من شانهم {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة} .
*
محمد علي باشا مؤسس العلمانية بمصر الحديثة:
" كتب الشيخ محمد عبده في المنار 1902/ 1322 هـ بمناسبة مرور مائة سنة على تأسيس ملك هذه الأسرة قال:
إن لمحمد علي ثلاثة أعمال كبيرة كان كل منها موضع خلاف نافعًا كان أو ضارًّا بالمسلمين في سياستهم العامة:
1 -
تأسيس حكومة مدنية في مصر (أي علمانية) كانت مقدمة لاحتلال
الأجانب لها.
2 -
قتاله للدولة العثمانية بما أظهر به للعالم كله ولدول أوربا خاصة ضعفها وعجزها وجرّأهم على التدخل في أمور سياستها.
3 -
مقاتلة الوهابية والقضاء على ما نهضوا به من الإصلاح الديني في جزيرة العرب مهد الإسلام ومعقله.
* وكتب الشيخ محمد عبده في العدد التالي مقالة بإمضاء مؤرخ قال:
هذا يعني أن محمد عبده ومدرسته لا ينسون مساوئ محمد علي في نسخ الأحكام الشرعية وإعلانه -العلمانية- في مصر، وهو أول من تجرأ في العالم الإسلامي على استبدال القوانين الأوربية بالشريعة الإسلامية، ولا ينسون قتاله لخليفة المسلمين مما يعد حَرابة، ولا ينْسون قضاءه على دولة السعوديين العربية المسلمة المُصلحة السلفية، ولا ينْسون أن (توفيقًا) هو الذي تآمر على ثورة عرابي واستدعى الانجليز لاحتلال مصر واحتمى بجيشهم .. " (1).
(1)" معالم تاريخ الأسلام المعاصر" لأنور الجندي (ص 184) - دار الاعتصام.
قال الشيخ محمد عبده:
"ما الذي صنع محمد علي؟ .. لم يستطع أن يحيي ولكن استطاع أن يميت. كان معظم قوة الجيش معه، وكان صاحب حيلة بمقتضى الفطرة، فأخذ يستعين بالجيش وبمن يستميله من الأحزاب على إعدام كل رأس من خصومه، ثم يعود بقوة الجيش ويحزّ آخراً على من كان معه أولاً وأعانه على الخصم الزائل فيمحقه، وهكذا. حتى إذا سحقت الأحزاب القوية وجه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة، فلم يدع منها رأسًا يستتر فيه ضمير (أنا). واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلاً لجمع السلاح من الأهلين. وتكرر ذلك منه مرارًا حتى فسد بأس الدين. وزالت ملكة الشجاعة منهم. وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أنفس بعض أفرادها، فلم يُبق في البلاد رأسًا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه، أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان فهلك فيه.
أخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى، كأنه كان يحن لشبه فيه ورثه عن أصله الكريم، حتى انحطّ الكرام، وساد اللئام، ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة وعلى أي وجه، فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي، ليصيّر البلاد المصرية جميعًا إقطاعًا واحدًا له ولأولاده، على أثر إقطاعات كثيرة كانت لأمراء عدّة ".
ثم يقول:
"إن محمد علي قد ملأ مصر بالأجانب والدخلاء، يستعين بهم على إقرار نفوذه، وأذلّ المصريين بإطلاق يد هؤلاء الدخلاء فيهم، يحكمون على هواهم، لا هدف لهم إلا مرضاة الأمير صاحب الإقطاع الكبير".
ثم ينفي عنه ما يُنسب إليه من إصلاح، بل ينسب إليه قتل كل روح
للشهامة أو النخوة في مصر، مما ظهر أثره عند غزو الإنكليز لها، فيقول:
"حمل الأهالي على الزراعة، ولكن ليأخذ الغلات. ولذلك كانوا يهربون من ملك الأطيان كما يهرب غيرهم من الهواء الأصفر والموت الأحمر، وقوانين الحكومة لذلك العهد تشهد بذلك.
يقولون إنه أنشأ المعامل والمصانع. ولكن هل حبب إلى المصريين العمل والصنعة حتى يستبقوا تلك المعامل من أنفسهم؟ .. وهل أوجد أساتذة يحفظون علوم الصنعة وينشرونها في البلاد؟ .. أين هم؟ .. ومن كانوا؟ .. وأين آثارهم؟ .. لا .. بل بغّض إلى المصريين العمل والصنعة بتسخيرهم وفي العمل والاستبداد بثمرته. فكانوا يتربصون يومًا لا يعاقبون فيه على هجر المعمل والمصنع لينصرفوا عنه ساخطين عليه، لاعنين الساعة التي جاءت بهم إليه.
يقولون إنه أنشأ جيشًا كبيرًا فتح به المالك ودوّخ به الملوك. وأنشأ أسطولاً ضخمًا تثقُل به ظهور البحار، وتفتخر به مصر على سائر الأمصار، فهل علّم المصريين حب التجنّد، وأنشأ فيهم الرغبة في الفتح والغلب، وحبّب إليهم الخدمة في الجندية، وعلّمهم الافتخار بها؟ .. لا .. بل علّمهم الهروب منها، وعلّم آباء الشبان وأمهاتهم أن ينوحوا عليهم معتقدين أنهم يساقون إلى الموت بعد أن كانوا ينتظمون في أحزاب الأمراء ويحاربون ولا يبالون بالموت أيام حكم المماليك .. هل شعر مصري بعظمة أسطوله أو بقوة جيشه؟ وهل خطر ببال آحد منهم أن يضيف ذلك إليه، بأن يقول: هذا جيشي وأسطولي، أو جيش بلدي وأسطوله؟ .. كلا .. لم يكن شيء من ذلك .. فقد كان المصري يعد ذلك الجيش وتلك القوة عونًا لظالمه، فهي قوة لخصمه.
ظهر هذا الأثر عندما جاء الإنكليز لإخماد ثورة عرابي. دخل الإنكليز
مصر بأسهل ما يدخل به دامر على قوم (1). ثم استقروا ولم توجد في البلاد نخوة في رأس تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن استقلالها. وهو ضد ما رأيناه عند دخول الفرنساويين في مصر. وبهذا رأينا الفرق بين الحياة الأولى والموت الأخير، وجَهله الأحداث فهم يسألون أنفسهم عنه ولا يهتدون إليه".
وعند ذلك يبلغ محمد عبده قمة العنف والهياج، وقد أوشك أن يختم مقاله فيقول:
"لا يستحي بعض الأحداث من أن يقولوا أن محمد علي جعل من جدران سلطانه بِنيَةً من الدين. أي كان دعامة للسلطان محمد علي؟ .. دين التحصيل؟ .. دين الكرباج؟ .. دين من لا دين له إلاّ ما يهواه ويريده؟ وإلا فليقل لنا أحد من الناس: أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة الدين الإسلامي الجليل"(2).
وانظر إلى المقال الذي هاجم فيه رشيد رضا (3) محمد علي لتعرف أي صنف من الرجال كان محمد علي .. وتعال معي إلى بسط في سيرته.
"يقول توينبي أن مصر بدأت تتجه نحو الاصطباغ بالصبغة الأوروبية منذ أيام محمد علي متفوقة على تركيا (4) كما يرى جب أنها سبقت تركيا في ذلك"(5).
(1) الدامر هو الذي يدخل على القوم بلا استئذان.
(2)
"تاريخ الأستاذ الإمام" لمحمد رشيد رضا (2/ 382 - 389)، و"الاتجاهات الوطنية في
الأدب المعاصر" (1/ 178 - 181).
(3)
"تاريخ الأستاذ الإمام"(1/ 583).
(4)
"مختصر دراسة التاريخ" لأرنولد توينبي (3/ 113).
(5)
"وجهة الإسلام" لجب وزملائه (42 - 43).