الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
أخطر من يحكم في مسألة الجاهل بتفاصيلها:
- يقول الأستاذ أحمد الشايب في دراسة عن حياته العلمية (1913 - 1970): أشير في إيجاز إلى هذه المعركة العلمية التي دارت في كلية الآداب، عام 1947 م حول مشروع رسالة "الفن القصصي في القرآن الكريم" تقدم به طالب يدعى محمد أحمد خلف الله، بإشراف الأستاذ الشيخ أمين الخولي، وتأييده والدفاع عنه.
وقد قام هذا المشروع على أساس أن محمدًا صلى الله عليه وسلم مؤلف القرآن، وأن القرآن في قصصه لم يتحر الصدق، وأنه كان يغير ويبدل في القصص نزولاً على ظروفه الخاصة التي كانت تحيط بالدعوة الإسلامية، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم في القصص القرآني الكريم كان يخلق من الحوادث ما لم يقع، ويصوره على أنه الواقع التاريخي إلى نحو ذلك مما لم يستند إلى برهان علمي؛ وإنما كان مجاراة للمبشرين.
وقد شغلت هذه المسألة الجهات الجامعية والأزهرية والبرلمانية، والصحافة ومجلس الدولة، وقد رفض أحمد الشايب هذا المشروع إذ كان معينًا لفحصه، وبرأيه أخذت كل الهيئات المذكورة وقد أبعد أصحابه عن الجامعة.
- هذا هو ملخص كتاب "الفن القصصي في القرآن" الذي يقول كاتبه بالنص في الرسالة، والتي تمثل الخطوط العامة لرسالته "إن القصص القرآني لم يراع الحقيقة التاريخية" وأن المقصود منه عرض فني، فلسنا ملزمين بتصديق حقائق هذا القصص؛ وإنما تقدر فيه "الغاية الفنية" وأن القصص مستمدة من مصادر أخرى غير عربية، كالتوراة والأدب اليوناني والأدب الفارسي، وأن فيه أساطير لا أساس لها.
- ويقول تقرير الفاحصين للرسالة من أساتذة الجامعة والأزهر (الشيخ عبد الوهاب خلاف، والدكتور زكي حسن، والدكتور الشرقاوي):
إن أساس هذه الرسالة أن القصص في القرآن عمل فني، خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار، من غير التزام الصدق التاريخي والواقعي، وهذا صريح وواضح من جملة مواضع في الرسالة، وقد أيده الكاتب بما استشهد به من الأمثلة:
ففي (ص 26 سطر 10) قرر: أن القرآن أنطق اليهود بما لم ينطقوا به، وذلك في قوله تعالى في سورة النساء:{إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى} [النساء: 157]: و (ص 26) قرر كاتب الرسالة عن قوله تعالى في سورة المائدة: {وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة: 116]، أن هذا القول وهذا الحوار تصوير لموقف لم يحدث بعد، بل لعله لن يحدث، وفي (ص 89) قرر الكاتب أن قصة موسى عليه السلام في سورة الكهف لم تعتمد على أصل في واقع الحياة وفي هذا مخالفة ظاهرة لقوله تعالى:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} [الكهف: 13]، ولقوله سبحانه وتعالى:{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} [يوسف: 111]، وقد واجه هذه الشبهات سبعة من العلماء بالكشف عن زيفها وفسادها.
أولاً: رأى الشيخ عبد المتعال الصعيدي:
صاحب هذه الرسالة لم يكن له أن يظفر إلى الكتابة عن موضوع القرآن، وهو يجهل تعريف التناقض في المنطق، ويبني على جهله به حكمًا خطيرًا في قصة إبراهيم عليه السلام، وهو يدل على مستوى صاحب الرسالة في العلم، وعلى أنه جرى في رسالته على هذا المنوال فقذف نفسه في بحر لا يحسن السباحة فيه، ولم يخض فيه فحول العلماء وأكابر
الحكماء، من الطبري إلى الزمخشري إلى الرازي، وإلى أمثالهم فى علمهم وحكمتهم.
وقد ذكر الأستاذ أحمد أمين: أن صاحب الرسالة يرى أن القصة في التاريخ لا تلتزم الصدق التاريخي وإنما تتجه كما يتجه الأدب إلى تصوير الحادثة، تصويرًا فنيًا، بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد، مثل: أن البشرى كانت لإبراهيم أو لامرأته، فدعوى هذا التناقض، تدل على أن صاحب هذه الرسالة لا يعرف تعريف (التناقض)، وعلى أنه سار في رسالته بهذا العلم الذي لا يزال في طور الطفولة، فَضلَّ الصواب وخَبَط خَبْط عشواء، والقرآن أجل من أن يتناول بمثل هذا العلم العاجز، وأخطر من أن يحكم في مسائله من لا يزال يجهل تعريف التناقض.
ولقد قال الله تعالى في البشرى بهذا الغلام: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71]، وفي هذه الآية كانت البشرى لسارة امرأة ابراهيم عليه السلام ثم إن الله تعالى قال في هذه البشرى:{قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53]، وقال:{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101]، وكانت البشرى في الآيتين لإبراهيم عليه السلام فهل تبشير سارة مرة بهذا الغلام، وتبشير إبراهيم مرة به من التناقض الذي يصح أن تضرب به قصة إبراهيم مثلاً، للقصة التي لا يلتزم فيه الصدق التاريخي.
اللَّهم لا .. لأن التناقض اختلاف قضيتين في الإيجاب والسلب، اختلافًا يلزم لذاته من صدق إحدى القضيتين كذب الأخرى، فلا بد فيه من الاختلاف في الإيجاب والسلب، ولا بد فيه من الاتحاد في الموضوع والمحمول وقيودهما.
ليس في هذه القصة اختلاف في قضية البشرى من جهة الإيجاب
والسلب، فلا يكون التناقض الذي يلزم فيه صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى.
وإنما الذي كان أن كلاًّ من إبراهيم وامرأته يبشر بهذا الغلام، وقد تكررت هذه القصة في هذه السور فذكرت في بعضها بشرى إبراهيم به، وذكرت في بعضها بشرى امرأته به، تنويعًا في الأسلوب وتصريفًا في القصة لمقامات تقتضي التنويع وتستدعي ذلك التعريف.
صاحب الرسالة لا يفرق بين القصص الذي نص القرآن على وقوعها، وبين الأمثال التي يجوز فيها الوقوع وعدمه، وهي أمثال لا أساطير وقد ورد كثير منها في القرآن أيضًا، ولكن صاحب الرسالة لم يرزق قوة التمييز بينها، فخبط فيها خبط عشواء، وسقط سقوط من يتناول ما فوق طاقته.
لقد ذكر الله تبارك وتعالى قصة مريم في سورة آل عمران ثم قال فيما ذكره منها: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]، وهذا نص قاطع على وقوع هذه القصة.
وذكر قصة نوح في سورة هود، ثم ختمها بقوله تعالى:{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]، فجعل تلك الأنباء وهي من الغيب من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ولا يصح الاستدلال بها على نبوته إلا إذا كانت صحيحة.
وذكر قصة يوسف في سورة يوسف ثم ختمها بقوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102]، وهذا نص قاطع على وقوع القصة، وهكذا اعتبر هذه القصص من قصص الأنبياء ونحوها أمثالاً قرآنية.
وهناك أمثال يضربها الله تعالى للناس كقوله تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 75].
فهذا مثل لا يلزم أن يكون واقعًا وكذلك ما أشبهه في أمثال القرآن، وقد فات صاحب الرسالة الفرق بين هذين الأسلوبين، فأساء إلى نفسه وأساء إلى عمله.
ثانيًا: رأي الأستاذ أحمد أمين في الرسالة:
هذه الرسالة ليست عادية بل رسالة خطيرة، أساسها: أن القصص القرآني عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار، من غير التزام لصدق التاريخ والواقع، وأن محمد صلى الله عليه وسلم فنان، وبهذا المعنى يرى المؤلف أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وأنها تتجه كما يتجه الأدب في تصوير الحادثة تصويرًا فنيًا، بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد.
1 -
مثل أن البشري بالغلام كانت لإبراهيم وامرأته.
2 -
القصة مخلوقة مثل: {إِذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت} الآية.
3 -
والإجابة عن الأسئلة التي كان يوجهها المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم ليست تاريخية ولا واقعية، وإنما هي لتصوير واقع نفسي عن أحداث مضت في القدم سواء أكان ذلك الواقع النفسي متفقًا مع الحق والواقع أم مخالفًا له.
4 -
وربما كانت مسألة الجن، التي تصور رأي الجاهلية في تسمع الجن لأخبار السماء ميدانًا من الميدان القصصي، والقرآن يقرر أن الجن تعلم بعض الشيء، ثم لما تقدم الزمن قرر القرآن أنهم لا يعلمون شيئًا، والمفسرون
يخطئون حين يأخذون الأمر مأخذ الجد.
5 -
الأنبياء أبطال "ولدوا في البيئة وتأدبوا بآدابها، وخالطوا الأهل والعشيرة وقلدوهم في كل ما يقال ويفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة ودانوا بما تدين به من رأى وعبدوا ما تعبد من آلهة".
6 -
تصوير أخلاق الأمم كبني إسرائيل ليس بضروري أن يكون واقعيًا، بل يصح أن يكون تصويرًا فنيًا يلاحظ الواقع النفسي أكثر من صدق القضايا.
7 -
القصة هي العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيل القاص لحوادث وقعت من بطل لا وجود له أو لبطل له وجود ولكن الحوادث التي ألمت به لم تقع أصلاً، أو وقعت ولكنها نظمت على أساس فني، إذ قدم بعضها وأخر بعضها، أو حذف بعضها وأضيف إلى الباقي بعض آخر أو بولغ في تصويرها، إلى حد يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون حقيقية إلى ما يجعلها في عداد الأشخاص الخيالية، وهذا قصدنا من الدراسة القرآنية.
8 -
أخطأ الأقدمون في عد القصص تاريخًا.
9 -
منهجه هو معالجة القصة من حيث هي أدب، ويعني بذلك خلق الصور والابتكار والاختراع.
10 -
لذلك لا مانع من اختلاف تصوير الشخصية الواحدة في القرآن.
11 -
لعل قصة موسى في سورة الكهف لم تعتمد على أصول من واقع الحياة، بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ.
12 -
القرآن عمد إلى بعض التاريخ الشعبي للعرب، وأهل الكتاب ونشره نشرًا يدعم غرضه كقصة ذي القرنين؟؟!!
13 -
قصة إبليس من نوع الخلق الفني الذي يتشبث فيه القرآن بالواقع.
14 -
عناصر القصة هي العناصر الفنية والأدبية التي اتخذ منها الفنان مادته التركيبية والتي أعمل فيها خياله وسلط عقله ونالها بالتغيير والتبديل،
حيث أصبحت وكأنها مادة جديدة بما بث فيها من روحه وكذلك القصص في القرآن والبحث عن المصادر في القصص القرآني على هذا الأساس.
15 -
يجب ألا يزعجنا هذا لأنه الواقع العملي في حياة كل الفنون والآداب.
16 -
إن القرآن كان يغير من العناصر ليجعلها ملائمة للبيئة ولطبيعة الدعوة.
17 -
وما تمسك به الباحثون من المستشرقين ليس سببه جهل محمد صلى الله عليه وسلم بالتاريخ، بل قد يكون ذلك من عمل الفنان، الذي لا يعنيه الواقع التاريخي، ولا الحرص على الصدق العقلي، وإنما ينتج عمله ويبرز صوره بما يملك من الموهبة والقدرة على الابتكار والاختراع والتغيير والتبديل.
18 -
ومن هذا القبيل خلق صور الجن والملائكة.
19 -
تدرج القصص في القرآن كما يتدرج أدب كل أديب، فالأدباء يلتمسون المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض لهم، ثم يتقدمون خطوة فيتبعون الاستمتاع واللذة بالمحاولات التي تقوم على التقليد والمحاكاة، ثم يكون التخلف شيئًا فشيئًا، والدخول في ميدان التجارب الخاصة ومظاهر ذلك النسخ والتدرج بالتشريع.
ثالثًا: رأي الأستاذ عبد الفتاح بدوي:
يدعي المؤلف أن الأستاذ محمد عبده، قال: إن القرآن الكريم ليس كتابًا أنزل للتاريخ وضبط الوقائع وترتيب الحوادث التاريخية بعضها على بعض، ولكنه بالإجماع يستخدم التاريخ ويقص من هذا التاريخ حقائق واقعة ثابتة، مرتبًا بعضها ترتيبًا لا استنتاج فيه، كما يستنتج المؤرخ ولكن ترتيب الحق والواقع وينزل بذلك الواقع المرتب ترتيب الحقائق لهداية الناس وإرشادهم إلى الخير والفلاح.
فالقرآن يخالف كتب التاريخ في أمور، ويوافقها في أمور، فالمؤرخ قد يرى من واجبه أن يتتبع تفاصيل الواقعة من الأسماء والزمان والمكان والأحداث، وتفاصيلها؛ لأن هذا كله قد يعينه على استنتاج الحكم التاريخي الذي يحكم به على الواقعة، أو يشبع به صم العواطف فقد لا يعنيه بعض هذا؛ لأنه لا يستنتج الأحكام التاريخية ولكنه الفيصل فيها.
إنه يرتب المقدمات ترتيبًا يقينيًا لا شك فيه: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].
فالقرآن مصدر من مصادر التاريخ وليس كتابًا من كتب التاريخ.
- يقول المؤلف: على أن هذه المسألة قديمة، ومن أجلها عد الأصوليون القصص القرآني من المتشابه، ولقد نتج عن ذلك طريقتان: طريقة السلف، وطريقة الخلف، أما الأولون فيذهبون إلى أن كل ما ورد في القصص القرآني من أحداث قد وقع، وأما الآخرون فلا يلتزمون هذا وعلى طريقتهم جرى الأستاذ الإمام.
وهذا الذى يقوله المؤلف: جرأة أخرى على الأصوليين، وتقول مفترى على الإمام محمد عبده، فليس أحد من الأصوليين ولا أحد من المسلمين يعتبر القصص القرآني متشابهًا، ولا نعرف أحدًا من الأصوليين ولا المسلمين لا يلتزم بما ورد في القرآن من القصص؛ وإنما هي أحداث وقعت وحوادث هي خلاصة الحقيقة التي وقعت في سوالف الأزمان، يسوقها القرآن عبرة وهدى للعالمين، وليدلنا المؤلف على أصولي لا يقول هذا، أو عن مسلم لا يقول هذا.
وكلام المؤلف افتراء على الأستاذ الإمام يكذبه قول الإمام ومنهجه الذي اختطه لنفسه في صراحة لا شبهة فيها ولا اختلاط.
- قال الإمام: إذا جاء في نصوص الكتاب والسنة شيء ينافي ظاهره التنزيه "لله تعالى" فللمسلمين فيه طريقتان: إحداهما طريقة السلف: وهي التنزيه الذي أيد العقل فيه النقل، كقوله تعالى:{ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، وقوله عز وجل {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180]، وتفويض الأمر إلى الله في فهم حقيقة ذلَك، مع العلم بأن الله يعلمنا بمضمون كلامه ما نستفيد به في أخلاقنا وأعمالنا وأحوالنا.
والثانية: طريقة الخلف وهي التأويل يقولون إن قواعد الدين الإسلامي وضعت على أساس العقل، فلا يخرج شيء منها عن المعقول؛ فإذا جزم العقل بشيء وورد في النقل خلافه يكون الحكم القاطع قرينة على أن النقل لا يراد به ظاهره، ولا بد من معنى موافق يحمل عليه فينبغي طلبه بالتأويل.
- وقال الإمام: وإننا على طريقه السلف في وجوب التسليم والتفويض، فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته، وعالم الغيب، وأنا نسير في فهم الآيات على كلتا الطريقتين.
فالأستاذ الإمام لم يقل أن القصص من المتشابه، ولم يقل بذلك مسلم قبله ولا بعده.
التهمة الأولى الموجهة إلى الباحث: أنه يجهل المقررات المنطقية التي تجمع عليها العقول.
والتهمة الثانية: أنه جهل المنهج الذي يدرس عليه القرآن الكريم، فالقرآن الكريم يدرس على منهجين.
المنهج الأول:
منهج الباطنية وهم فرقة من الملاحدة يعطلون ألفاظ القرآن عن مدلولاتها، ويسلكون بها سبلاً تخيلية وهمية، توصلاً بذلك إلى تعطيل الشريعة الغراء، فهم يدعون للألفاظ أو للجمل مرادًا عامًا لا ينبني على
أسس علمية، وهؤلاء كفار والجري على طريقتهم كفر وجهالة؛ لأن مذهبهم هذا مجرد دعاوى لا تنبني على شيء من العلم، فهم يقولون مثلاً في تفسير قول الله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43]، استقيموا لله وطهروا أنفسكم بالأخلاق الحسنة، وكونوا خاضعين، وليست هناك صلاة شرعية ولا زكاة شرعية ولا سجود ولا ركوع.
المنهج الثاني:
منهج المسلمين، وهو منهج العلم والعقل الذي تقوم عليه نواحي الحياة كلها، وليس القرآن وحده، ذلك أن الكلام يجب أن يكون لألفاظه مدلولات حقيقية تنصرف إليها تلك الألفاظ ولا يعدل عنها إلا إذا وجدت قرينة تمنع من إرادة المدلولات الحقيقية.
فأما ترك تلك المدلولات الحقيقية مع عدم وجود تلك القرينة، التي تمنع من إرادة الحقيقة فإنما هو في غير طريق القرآن خبل وجهالة.
وإذا ادعي شيء من ذلك في مقام القرآن فهو خبالة وجهالة وزندقة، يخرج بها صاحبها من عداد المسلمين؛ لأنها تعطيل لكلام الله تعالى الذي أنزل لهداية البشر أجمعين، ومن المسلمين من يقف عند هذا الحد لا يتعداه، بل يحمل الكلام على الحقيقة ما أمكنه ذلك، ثم على المجاز الذي تدل عليه القرينة عند وجودها، ولا يقولون إن القرآن يشير من وراء هذه الحقيقة أو هذا المجاز إلى شيء من باب الإشارة والإيماء؛ لأن هذه الإشارة وهذا الإيماء لا تدل الألفاظ عليه.
والباطنية لا يعتبرون لله "جل جلاله" ذاتًا، ولا الملائكة موجودات ولا الجنة شيئًا، ولا إبليس حقيقة؛ وإنما يقولون في ذلك كله ما يقوله المؤلف من أن القرآن في ذلك لم يتشبث بالواقع.
ولقد حاولت أن ألتمس بعض المعاذير ولو أوهاها في التورط فيما