الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جبران خليل جبران
*
أسلوب جبران: "إِباحي .. إقليمي .. فوضوي .. ملحد .. متطرف .. وفي كتابه "النبي" يصور نفسه على أنه المصطفى المختار الحبيب
"
- الكتابات المهجرية قائمة على الإباحية والتشكيك والتحلل.
- المدارس المهجرية الشمالية ثمرة للإرساليات التبشيرية.
استشرى هذا اللون من الكتابات المهجرية وعرف بأدب الظلال والرموز والأضواء وجرت محاولات ضخمة لإذاعته وإعلاء أمره؛ لأنه يقوم على (الجملة التوراتية) وذلك في مواجهة (الحملة القرآنية) التي كان يحمل لواءها مصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي، كما كان في مضمونه قائمًا على الإباحية والتحلل والتشكيك في العقائد والنبوات، ظهر ذلك في كتابات جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمه وأمين الريحاني.
ولقد اعتمد الأدب المهجري على عناصر ستة:
أولاً: الحملة العنيفة على اللغة والدين ومقومات المجتمع الإسلامي.
ثانيًا: استمد المهجريون أسلوبهم في الشعر والكتابة النثرية من مذهب ويتمان، واستمدوا مفاهيمهم من نيتشه ومذهب وحدة الوجود واللاأدرية.
ثالثًا: الثورة على الألوهية والإفراط في الإباحية وإدخالها مرحلة التصوف ومهاجمة القيم الأخلاقية في الحب والزواج.
رابعًا: حاولوا تغيير قيم الأدب العربي بإدخال أسلوب جديد مستغرب يصادم مفاهيم البلاغة ويعلي عليها صيغة التوراة والمجاز الغربي.
خامسًا: تغلبت عندهم النظرة العالمية المفرقة في الأممية والتبعية على النزعة الوطنية المناضلة في سبيل الحرية والقوة.
سادسًا: الإسراف في الجانب الرومانسي المليء بالظلال والحالم، والمفهوم الرمزي المغرق في العاطفة والخيال المضاد لطابع النفس العربية المسلمة.
ويمكن القول بأن المدرسة المهجرية الشمالية، كانت ثمرة من ثمار الإرساليات التبشيرية التي وردت لبنان وسيطرت على وجود التعليم والثقافة فيه، ثم كان لهذه الثمار اتصالها بالمدارس الغربية وخاصة مدرسة بوسطن التي اتخذها المهجريون مقرًا لهم، وهي من قديم مقر الإرساليات التبشيرية في الولايات المتحدة، فلما صدرت عن أدبها الجديد تلقفته أيدي دعاة الغزو الثقافي وعملت على إذاعته والدعوة إليه بوصفه لونًا جديدًا من ألوان الأدب العربي المتسم بالعنصرية والجرأة على القيم وذلك في مواجهة المدرسة العربية الإسلامية.
ولعل أصدق ما يمثله الأدب المهجري ما كتبه جبران خليل جبران نفسه عام 1919 بعد أربعة عشر عامًا من بدء كتاباته عام 1905، قال في خطاب له إلى (إميل زيدان) إن فكرى لم يثمر غير الحصرم وشبكتي ما برحت مغمورة بالماء، ومن الحق أن أسلوب جبران قد بهر كثيرًا من الشباب وسرى سريان النار في الهشيم، ولكن سرعان ما انطفأ وفقد أثره، وذلك لمصادمته للنفس العربية الإسلامية، ومعارضته لمنهجها، وتضاربه مع مزاجها النفسي الاجتماعي، ذلك أن جبران كان إقليميًا مغرقًا في الإقليمية إباحيًا مسرفًا في الإباحية، وقد حاول في الكثير من نبراته محاكاه (مزامير داود) ونشيد سليمان وسفر أيوب، ومراثى أرميا، وتخيلات أشعيا، حيث كان أسلوب التوراة هو المثال الأدبي الأول الذي تأثر به، فقد حفلت كتاباته بمجموعة من الصور والتعبيرات التي استقاها من الأسفار، فهو يقدم أشباه الجمل والظروف والأحوال، ثم يمزج ذلك بعين وافد هو أسلوب (ولت ويتمان) الشاعر الأمريكي.
كما أشار كثير من مترجمي سيرته إلى حرمان الكنيسة له وهو في العشرين من عمره، على أثر قصيدته التي هاجم فيها الأديان، اندفع في طريق إحياء أمجاد فينيقية وحضارة الكلدانيين، وقد أشار في خطاب له من بوسطن 1920 إلى صديقه نخلة إلى هذا المعنى، فقال: إن القوم في سوريا يدعونني كافرا والأدباء في مصر ينتقدونني قائلين: هذا عدو الشرائع القديمة، والروابط القديمة والتقاليد القديمة وهؤلاء الكتاب يا نخلة يقولون الحقيقة لأني بعد استفسار نفسي وجدتها تكره الشرائع.
بل لقد صور جبران مفاهيمه وانحرافاته في مقال مطول استهله على هذا النحو: "هو متطرف بمبادئه حتى الجنون، هو خيالي يكتب ليفسد أخلاق الناشئة، لو اتبع الرجال والنساء المتزوجون وغير المتزوجين آراء جبران في الزواج لتقوضت أركان العائلة وانهدمت مباني الجامعة البشرية وأصبح هذا العالم جحيمًا وسكانه شياطين، قهرًا عما في أسلوبه في الكتابة من الجمال فهو من أعداء الإنسانية، هو فوضوي كافر ملحد، ونحن ننصح لسكان هذا الجيل المبارك بأن ينبذوا تعاليمه ويحرقوا مؤلفاته لئلا يعلق منها شيء في نفوسهم، وقد قرأنا له الأجنحة المتكسرة، فوجدناها سما في الدسم".
- هذا ما يقوله الناس عني وهم مصيبون فأنا متطرف حتى الجنون، أميل إلى الهدم ميلي إلى البناء، وفي قلبي كره لما يقدسه الناس، وحب لما يأبونه ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة، أما قول بعضهم أن كتاباتي (سم في دسم) فكلام يبين الحقيقة من وراء نقاب كثيف، فالحقيقة العارية هي أنني لا أمزج السم بالدسم، بل أسكبه صرفًا غير أني أسكبه في كئوس نظيفة شفافة.
أما الذين يعتذرون عني أمام أنفسهم قائلين: هو خيالي يسبح مرفرفًا
بين الغيوم، فهم الذين يحدقون بلمعان تلك الكئوس الشفافة، منصرفين عما في داخلها من الشراب الذي يدعونه (سمًّا) لأن معدهم الضعيفة لا تهضمه، قد تدل هذه المواطأة على الوقاحة الخشنة، ولكن ليست الوقاحة بخشونتها أفضل من الخيانة بنعومتها، إن الوقاحة تظهر نفسها بنفسها، أما الخيانة فترتدي ملابس فصلت لغيرها. اهـ.
هذه الاعترافات الجبرانية تكشف بوضوح عن طابع غريب عن الأدب العربي وقيمه، ومزاجه النفسي وانتمائه الإسلامي، هو طابع دخيل مسرف في التحدي والتشويه وهو ليس في الأغلب طابع النفس المنحرفة التي حملها جبران، ولكنه طابع الغزو الثقافي الذي يدفع جبران ويرسم من وراء ذلك أهدافًا وغايات، ومع ذلك فقد سقط (أدب جبران) ولم يحقق النتائج التي عول عليها دعاة التغريب.
- وإذا رجعنا إلى حياة جبران نفسه، وجدنا تفسيرًا واضحًا لاتجاهاته الأدبية، وقد عرض لهذه الحياة أصدق أصدقائه -ميخائيل نعيمه- في كتابه عنه، كما أفاض في ذلك كل الذين أرخوا لحياته، فقد كان أبوه ميالاً إلى حياة اللهو والشراب، سكيرًا مرحًا، وكانت أمه مريضة وأخواته كن مرضى بنفس المرض الخبيث، وأنه بدأ حياته بقراءات بسيطة فحفظ (مزامير داود) ولم يستطب قواعد اللغة العربية من صرف ونحو، ثم قصد إلى بوسطن 1895 دفعا لشقاء العيش وضيق ذات اليد مع أخيه وأختيه (بطرس ومريانا وسلطانة) حيث تعلم اللغة الإنجليزية واحتضنته الأيدي المتطلعة إلى المشارقة الأغرار، ولم يكن يعرف من العربية إلا حروف الهجاء، ولم يلبث أن عاد إلى بيروت للتزود من اللغة، قال جبران:"فأنا لا أكاد أعرف من لغة أجدادي إلا ألفها وباءها، ولا أعرف من بلادي غير مسقط رأسي، ومن الضروري لي أن أدخل مدرسة في بيروت لأتعلم لغتي على الأقل"، ثم
توجه جبران إلى الأساطير والميثولوجيا، وكانت التوراة في ترجمتها العربية هي المكون الأول لأسلوبه الكتابي، وكانت التوراة قد ترجمت باللغة العامية، فلما التزم بها المهجريون لم يستطيعوا إعطاء الأسلوب العربي حقه من البلاغة، ومن أجل قصورهم هذا هاجموا الأسلوب البليغ، وماتت الأم وسلطانة وبطرس بنفس الداء، وبقيت مريانا تخيط الثياب لتطعمه، وكان جبران مريضًا فقد تزاحمت عليه الأمراض وحملت رسائله صراخًا عاليًا منذ وقت مبكر في حسابه بما داهمه من الأمراض، القلب يسارع في الوجيب، تسمم في المعدة، داء النقرس، الأنفاس تتفتق بها الرئتان ومثل هذه الشخصية بتلك الوراثيات والتكوين الاجتماعي، هي شخصية مهزوزة مريضه عقليًا واجتماعيًا وجسديًا، ولا تصلح بتكوينها ولا بعقائدها؛ لأن تأخذ مكان الصدارة أو التوجيه فيه، وإنما هو الغرور الذي صور له عندما كتب كتابه "النبي" أنه هو النبي نفسه وقد استنكر ميخائيل نعيمه، أن يصور جبران نفسه نبيًا ولو تحت نقاب من التمويه الفني، وليس يسع أحدًا إلا أن يستكثر هذا الشطط، غير أن حياة جبران تفسره وتجعله غير مستغرب من مثله وإن كان في ذاته مما يستهين على حد تعبير المازني الذي يقول:"إن جبران كان يشعر في سريرته بنقص ويتمرد عليه".
- ومن اهتزاز شخصية جبران، أنه كان يدعي أنه حاز شهادة الأمتياز من كليه الفنون الفرنسية، وسُمي عضوًا في جمعية الفنون الفرنسية، ونال عضوية الشرف في جمعية المصورين الإنجليزية، بينما لم ينل شيئًا من كل هذا، ويرى ناقدوه أنه يناقض نفسه في الإعلان بهذه الأكاذيب، بينما يدعي أنه يكره التقاليد التي يحرص عليها الناس؛ فإذا هو أشد منهم تهالكًا ولما فتن بالفليسوف (نيتشه) ظهر هذا الأفتتان في كتابه "النبي" الذي قلد فيه أسلوب (نيتشه) في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" وقد بلغ أثر نيتشه في نفسه أنه صار يخجل من أن يكون مسقط رأسه بلدة صغيرة (بشرى) في بلد صغير (لبنان)،
وكان يقول إن مثله يجب أن يكون قد ولد في بلد عظيم كالهند مثلاً، ولذلك فإنه عندما طلب إليه (نسيب عريضة) بعض معلومات عن حياته لنشرها في مجلة "الفنون" قال إنه ولد في (بومباى) بالهند.
- ويجمع الكتاب على أن أثر نيتشه في أدبه كان بعيد السوء، وأن كتاب نيتشه "هكذا تكلم زرادشت"، قد أعطى جبران تلك المفاهيم المنحرفة التي أذاعها، وزرادشت مؤسس المجوسية، يقول نعيمه:"وما عرف جبران (نيتشه) حتى كاد ينسى كل من عرفهم قبله من كبار الكتاب والشعراء، وعلى قدر ما كان يطيب له أن يختلي به، كان يلذ له في البدء أن يحدث غيره عنه وأن يهدي أصحابه ومعارفه إليه، حتى أنه قال، إن كتاب "هكذا تكلم زرادشت" في نظري أعظم ما عرفته كل العصور، وما استأنس جبران بزرادشت ونيتشه حتى أحس بوحدة أقسى من ذي قبل تكتنفه أينما سار وبغربة تفصله عن ماضيه إلى حد أنه صار يخجل أمام نفسه من كل ما كتبه وصوره في ذلك الحين.
وأشار نعيمة إلى أنه افتتح عهده الجديد بمقال أطلق عليه اسم "حفر القبور" جرى فيها على نهج الزرادشتيه، وبدأ جبران المتقمص في جسد رجل يحب العزم والقوة، لقد سكر جبران بزرادشت وسكر أكثر من ذلك بما قاله فازداد به شهرة في العالم العربي.
- وأخطر ما دعا إليه نزعة جبران المهجرية الوافدة على الأدب العربي محاولة تحويل (الجنس) إلى نوع من القداسة وتحويل الشهوة إلى صوفية، فقد قام أدب جبران زعيم المدرسة على ثلاث دعاثم:(لذة الجنس، الحب الشهواني، المرأة العارية) وقد تأثر في ذلك على حد قول النقاد بمزامير داود والحياة في باريس، ومن ثم أعلن سخريته بكل القيم والمثل، ودعا إلى الاستسلام لسلطان الغريزة والعاطفة الجنسية، وقد راجع كثير من الأدباء آثار
جبران، وأجمعوا على أنه يتميز بعدم الاكتراث (1) للأخلاق في بحثه عن لذة الجسد والخروج عن قواعد الدين، وقال عنه الأب الزغبي: إنه يهدم صرح الديانة المسيحية وينبذ جميع الأديان، وإنه كثير الآلهة، ولكن ليس (الله) بينها، وأنه يدين بمذهب عبودية العقل والآراء للشهوة الحيوانية، وأنه هادم للسلطة الدينية والأسرة، وأنه دعا في كل كتاباته إلى (الحب المحرم، والعشق السري، والفحش).
- يقول: أجل، جبران ينادي بحلاوة المرأة العارية ولذة طعمها، وما هذا سوى الشهوة الجسدية المتجسمة، ويصرح بأن الجنة قائمة بهذا الحب، وإنه يدعو إلى إحياء الغرائز، وتغليب الحب الجنسي، ويرى الباحثون أن هذا الأدب لا يستأهل الخلود لعدم ترفعه عن الاستسلام للشهوة المحرمة.
- ويقول الأب الزغبي: إن جبران مصور الأجسام العارية وكاتب الشهوة المطلقة من كل قيد، ولا عبرة عنده بالعقل ولا بالواجب حتى يصطدم الهوى بذلك الواجب، وليس في موسيقى الأدب الجبراني سوى طبول تدوي عن فرع أصواتها وتذيع ضجة البلاغة اللفظية، والكلام الطنان الذي يؤثر بالأذن تأثيرًا قويًا ويصل بالإنسان إلى عالم الدوخة والانذهال، ولا وجود فيه للأنغام العميقة المركبة من كثرة النفسيات المتشاحنة حيث تبرز واحدة من هذه النفسيات وتتغلب على غيرها تغلبًا أخلاقيًا فهو معجب بالزوجة التي تركت زوجها، واتبعت قلب حبيبها، طروب بالاتصال الجنسي شغوف بالمرأة المستسلمة، إلى خادمها المفتري، هذا جبران الذي يسكب السم الأخلاقي في كئوس نظيفة شفافة على حد تعبيره، إن معظم كتاب الغرب في موضوع الميول القلبية والشهوة الإنسانية وتكريسها لم يبلغوا من الفساد الأخلاقي والإباحية ما بلغه الأدب الجبراني فهو قد حول مزامير التوراة من دعاة
(1) الاكتراث: الاهتمام.