الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مستمر، وقد أشار بعضهم أكثر من مرة أن المرأة هي التي تشتري الجريدة من مصروف المنزل ولذلك فهم يؤيدونها، ولكن المرأة الرشيدة تعلم أن ما يدعونها إليه ليس هو في مصلحتها أو من أجل إسعادها، وما ترى المرأة سعادتها في عمل يحرمها من تربية أبنائها أو من سهرات تحول بينها وبين دين الحفاظ على وجودها الذاتي وكيانها وأسرتها.
*
مصطفى أمين موجِه سياسة أخبار اليوم:
أخذ مصطفى أمين الخيط من روزاليوسف وآخر ساعة وجند التابعي عنده أما هو فكان صانع الإخراج والكاريكاتير وتوجيه سياسة الصحيفة وكانت أبرز قدرات مصطفى أمين:
أولاً: القدرة على تقديم الرأي وضده يهاجم حزبًا معينًا ولا مانع أن يكتب كاتب في نفس العدد يدافع عنه.
تانيًا: القدرة على وضع السموم في علب ملونة حلوة المظهر تخدع القراء.
ثالثًا: الاختباء وراء النغمة الوطنية أو نغمة مناجاة الله في سبيل تنفيذ الغرض الأكبر: الدفاع عن قيم الغرب وحضارته ودفع المرأة المسلمة إلى ما يسمونه آفاق المجد والعمل خروجًا عن الأسرة وتربية الأبناء.
رابعًا: القدرة على الدفاع عن الحاكم ثم القدرة على تدميره بعد سقوطه، وقد كتب مصطفى أمين ألوف المقالات عن فاروق تمجيدًا وتشريفًا وإعلاءً، ثم هدمه بعد ذلك وكشف عوراته، وكذلك فعل مع عبد الناصر، ولم يكن الهدف إلا أداء الرسالة الخاصة بتسميم قيم المجتمع في مسائل المرأة والأسرة، وفي ظاهر العمل الصحفي السياسي أن مصطفى أمين عمل مع أحزاب الأقليات ومع الملك ضد حزب الوفد لتحطيمه.
- وقد وصف مصطفى أمين (مجلة النداء إحدى صحف الوفد 26/ 2/1952) بأنه كان يرأس تحرير مجلة أسبوعية مصورة وكان يوقع مقالات خفيفة مضحكة بإمضاء مستعار (مصمص) وعرف القراء مصمص الذي يضحكهم بالحديث عن البنت التي خربشته من تحت المائدة أمام الضيوف، ويضحكهم بالحديث عن بدانته التي تضايقه أثناء الرقص، ودفعه الطموح -على حد تعبير مجلة النداء- أن يرأس تحرير مجلة يكون هو صاحبها، والذين يشتغلون بالصحافة يعلمون أن إصدار جريدة ليس أمراً سهلاً، إن المال الكثير لا بد أن يتوفر ولم يكن مصطفى أمين يملك سوى قلمه وقلم شقيقه علي أمين، ولم يكن يملك مالاً عندما جمع أوراقه وغادر دار الهلال، اختلف مع أصحاب دار الهلال لأنه أراد أن يجعل من مجلة الإثنين مجلة تنطق بلسان حكومة السعديين.
وتحدثت الصحيفة عن الاجتماع الذي تم بين مصطفى وعلي والباشا حيث رسمت سياسة أخبار اليوم فيه وفي سرعة تم كل شيء، وبعد أيام صدرت أخبار اليوم واختاروا المادة الصحفية التي تثير انتباه الشعب، لماذا ساءت العلاقات بين القصر والنحاس باشا.
ومضت أخبار اليوم تلعب دورها، العمل على تحطيم الوفد، وإعطاء الفرصة لأحزاب الأقلية لكي تحكم مصر، كانت الأحاديث تدور وراء الكواليس تتضمن تفاصيل المؤامرة الكبرى، كان مصطفى أمين يصنع الأصنام ويعبدها ويحاول أن يجر الشعب معه ليسجد لتلك الأصنام، وأشارت النداء إلى تلك الأعداد التي صدرت بعد 8 أكتوبر 1951 تلك الأحداث الوطنية، عدد آخر ساعة وصورة الغلاف هي لاستر وليامز لينسى الناس الاستعمار وهم يشاهدون غلاف آخر ساعة والأفخاذ العارية، وكان موقفه مع الاستعمار البريطاني واضحًا.
وهاجموا ما نشرته الصحف الوطنية حتى لقد قالت آخر ساعة العدد 897 أن كثيرًا من الصحف جرفها التيار إلى نشر هذه القصص الخيالية والصحف حتى الآن ما تزال تبالغ، إن الأكاذيب والمبالغات لها نتيجة واحدة أنها تخدعنا نحن ولا تخدع أحدًا سوانا، وتعطي الناس فرصة للسخرية منها، هذه هي الصورة من وجهه نظر أخرى، وإذا كانت الأحزاب السياسية كلها شر ولها تاريخ أسود فإن مناصرة أحزاب الأقليات ومناصرة الملك فاروق تكون أشد سوءًا وشرًا، ولقد حاول مصطفى أمين أن يقلل من الحركة الوطنية التي قامت في الإسماعيلية لمقاومة الإنجليز، ولم يلبث النظام الملكي أن سقط وسرعان ما اندمج مصطفى أمين مع حركة الجيش وبدأ يكتشف سوءات العهد الملكي، وسرعان ما أودعته حركة الجيش السجن في يوليو 1965، فقد اتهم مصطفى أمين وجاء في قرار الاتهام بأنه تخابر مع أشخاص يعملون لمصلحة دولة أجنبية بقصد الإضرار بالمركز الحربي والسياسي والاقتصادي للدولة، وذلك بأن اتفق مع أشخاص فيعملون لصالح دولة أجنبية على أن يمدهم بمعلومات وأخبار عن القوات المسلحة العربية والأوضاع السياسية والاقتصادية للدولة في الداخل والخارج، وسلم لشخص يعمل لمصلحة دولة أجنبية أسرارًا خاصة بالدفاع عن البلاد واشترك بطريق الاتفاق والمساعدة مع أجنبي مقيم في مصر في التعامل بالنقد المصري.
ومهما قيل من بعد أن الاتهام جاء بعد أن وقع الخلاف بين عبد الناصر ومصطفى أمين حول أسلوب العمل السياسي الذي كان يقوم به الأخير بتكليف من الأول، وقد جاء ذلك بعد أن اختلف عبد الناصر مع الأمريكيين وإن كان مثل هذا الاتهام قد وجه أيضًا إلى محمد حسنين هيكل، وإن كان مصطفى أمين لم يكشف أهدافه في وضوح غير مرة واحدة فإن ما قاله إذ ذاك يكفي لكي يضيء لنا طريق حياته ووقائعها كاتب مصطفى أمين في مجلة
الإثنين (15 مارس 1943) تحت عنوان الأهداف التي ستعمل مصر لها بعد الاستقلال.
- وقد جعل من أهدافه التي سيعنى بها ويقود لها الرأي العام بعد الحرب أن يحارب التعصب الديني وأن يجدد الأزهر وأن ينادي بتحرير المرأة قلبيًا؛ لأن الحب الطاهر لا يزال جريمة يعاقب عليها المجتمع، والمجتمع المصري إلى اليوم مجتمع لا روح فيه؛ لأنه خال من المرأة، والشباب المصري لا شخصية له؛ لأنه ليس في حياته امرأة ومن أهدافه أن يشجع المرأة على المطالبة بحقوقها السياسية وتولى الوظائف وأن ترث كما يرث الرجل تمامًا وأن يدعوا إلى اتحاد شرقي (لا اتحاد إسلامي بهذا النص) على نظام الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه الصورة التي كانت تجول في ذهن مصطفى أمين تكشف الأهداف التي ظلت كامنة وراء عمله الصحفي كله، إشاعة روح تحرير المرأة قلبيًا، وإشاعة الحب بين الرجل والمرأة حتى يكون في حياة كل شاب امرأة، ومن وراء هذا المعنى يقف هدف الصحافة الأكبر الإثارة والجنس.
كما تحدث الكثيرون عن السر في انتشار أخبار اليوم، فقد أشار أحد كتابها إلى هذا المعنى حين قال:(كان لنفوذها في الدوائر البريطانية، والأمريكية أثره في تقديم أخبار جديدة لفتت الأنظار وشدت القراء إليها واستطاعت هي في هذا الوقت ومن خلال هذا الولاء السياسي - خدمة الأهداف الكبرى).
- نعم: لقد استطاع مصطفى أمين بنفوذه الضخم في الدوائر السياسية الأجنبية والداخلية أن يحقق أهدافًا سنة 1943 على رأسها تحوير المرأة قلبيًا حين كانت ترسم الخطط خلال الحرب العالية لرسم خريطة جديدة للمجتمع العربي والإسلامي.
ولقد كان المدى بعيدًا عام 1943 حين رسم مصطفى أمين مخططه هذا وبين ما كتبه عام 1979، يطالب برد الإيمان إلى قلوب أبناء الجيل الجديد؛ فإن موجة الكفر والإلحاد هي المسئولة عن استهتار بعض شباب العالم بالمثل العليا وضعف المستوى الخلقي وانتشار الجرائم والمخدرات بين الذين سيتسلمون مصير العالم بعد سنوات.
وليست هذه الدعوة الجديدة نتيجة لتغيير في الخطط وإن كانت نتيجة لتغيير في الأسلوب، فما زال مصطفى أمين بالرغم من كتاباته المملوءة بعبارات الحنان مؤمنًا بكل الأهداف وما زال ينتفض إذا جاء خبر بأن امرأة ما تولت عملاً جديدًا حتى لو كانت كناسة في شوارع موسكو، وما زال مصطفى أمين يضرب أمثلة البطولة والنجاح واحتمال الجهد في سبيل الشهرة بأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وما زال يؤكد أنه حضر ثورة 1919 مع أنه ولد عام 1916، ولقد كان خليقًا بالسجن الذي آوى إليه تسعة أعوام أن يدفعه لأن يغير خطته إلى خدمة القيم العليا للحياة الإنسانية ولكنه لم يفعل بل خرج من السجن ليكتب قصصًا جنسية أشد عنفًا مما كان يكتب من قبل ويؤكد مفاهيمه السابقة ويصر عليها، إن كتابات مصطفى أمين تقف في قوة في وجه الشيوعية ولكنها تخدم الديمقراطية الغربية، والكتابات الأخيرة بعد السجن تكشف عن ظاهرة عميقة الدلالة هي "الجنس الصارخ" ونحن ندهش كيف يمكن أن يحدث ذلك بعد ارتفاع السن وكيف يجمع المتناقضات بين قصة جنسية وعمود (فكرة) بما يحمل من اتجاه إلى الله أحيانًا ودعوة إلى الخير (وفي عدد 6 يوليو 1974 يكتب علي أمين أيضًا عن الجنس والرقص) وكيف يمكن إقناع القارئ بهذا التناقض ولكن الذي يفهمه الناس جميعًا أن كلمات (فكرة) خدعة ومصيدة لتضليل القارئ عن مؤازرة الكاتب لهذا الاتجاه الواضح الظهور اليوم في الصحافة الأمريكية والذي تدفع إليه الصهيونية وهو
الإباحية، ونحن نأسف لأن الصحافة الأمريكية تصدر الإباحية والصحافة السوفيتية تصدر الإلحاد ونحن بينهما في طاحونة شديدة؛ لماذا لا تعطي هذه التجربة الخطيرة بالسجن تسع سنوات فوصة لمراجعة العمل والحياة، ولماذا لا تعطي إحساسًا حقيقيًا بالعودة إلى الله يتمثل لا في جمع القروش لليلة القدر ولا في الكلمات البراقة، ولكن في التوجه الحقيقي لشخصية لها وزنها وثقلها في عالم الصحافة إلى العمل الخالص، وكفى ذلك التاريخ الطويل السابق، وتلك المحاولة الخطيرة المتصلة التي حملت لواءها الصحافة العربية في العصر الحديث للعمل على إفساد القيم الأخلاقية والدينية، لقد جاء السجن ضربة قوية لإيقاظ النفس، ثم جاءت العودة إلى المكانة الصحفية حجة عليكم من الله تبارك وتعالى حتى يعلم الناس العبرة، والواقع أن الله تبارك وتعالى سبحانه وليس أحد غيره هو الذي وضعكم موضع العقوبة ثم هو الذي عفا عنكم وأعادكم إلى العمل ورد لكم اعتباركم وهو قادر على أن يعيدكم إلى عقاب أشد "ولعذاب الآخرة أشق" فليعلم مصطفى أمين أنه موضع رقابة شديدة من الله وأنه على حافة خطر عظيم.
- ولقد كتب مصطفى أمين يطالب برد الإيمان إلى قلوب أبناء الجيل الجديد فما هو العمل الذي قدمه حقيقة في هذا الميدان، هل حاول أن يقدم القصة الأخلاقية والكلمة الكريمة، هل حاول أن يخفف من هذه السموم المبثوثة في صفحات الجريمة والرياضة والمرأة، هل فتح بابًا جديدًا لزرع الإيمان في النفوس وإعادة الإيمان إلى الصدور، أم هي ألفاظ وكلمات خادعة مضللة يحملها عمود لتكون "تغطية" على ذلك الركام الشديد السواد الذي ما تزال تقدمه الصحافة.
إن اللمسة الإنسانية في تبنى قضايا المظلومين وتحقيق رغبات المحرومين في ليلة القدر لا تكفي، إذ أن التغيير يتطلب الوصول إلى أعماق النفس، إن
الدور الذي يشيدون به له في الصحافة هو دور مادي: رفع المرتبات، إدخال فنون جديدة للإخراج، إغراء القراء بالصحيفة عن طريق دغدغة أهوائهم وتقديم مزيد من المرغبات والمثيرات للقارئ، هذا شيء لا يمكن أن يتم إلا على حساب القيم الأساسية للدين والخلق لهذه الأمة.
- وقد علق أحد الكتاب على مدرسة مصطفى أمين، فقال (1):
أولاً: إن مقياس النجاح عند مصطفى أمين هو الإيراد الذي تحققه الجريدة من الإعلانات والتوزيع، وإيراد الإعلانات يضع صاحبه في الخدمة المباشرة للشركات الأجنبية والرأسمالية، وبذلك ظلت صحافة مصطفى أمين قبل يوليو 1952 مخلصة للاستعمار والرأي وأحزاب الأقلية وكبار الرأسماليين.
ثانيًا: صفحات أخبار اليوم تطفح بالإثارة المفتعلة والأخبار الكاذبة والصور العارية والتحقيقات التي تهدف إلى جذب أنظار الناس عن الأحداث الجارية.
ثالثًا: كثيرًا ما صدرت أخبار اليوم بمانشيتات مبتذلة في وقت كانت تتفجر فيه أحداث وطنية وأحداث عامة، وكثيرًا ما أسدلت الصورة العارية والفضائح الشخصية ستارًا من الإثارة على موضوعات هامة وحيوية.
ولا ريب أن تحكيم الإعلان في الصحافة من أكبر أخطار الصحافة ومن أشدها خطرًا الإعلانات المكتوبة على هيئة مقالات.
غير أن أسلوب تقديم الأخبار على النحو الذي ابتكره مصطفى أمين يعمل على: تفتيت الأحداث بدلاً من إعطاء الظاهرة الأساسية الكبرى وراء تجميعها في منطلق واحد، وضآلة القدر المعطى للأصالة والإسلاميات وضياع هذا
(1) روزاليوسف (12/ 9).