الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تلميذه الشيخ محمد عبده فيستحسن الأنظمة الجمهورية النيابية معتقدًا أنها هي الوسيلة الحديثة للشورى الإسلامية، يقول:
"والمبايعة لا تتوقف على صحتها على الشورى ولكن قد يحتاج فيها إلى الشورى لأجل جمع الكلمة على واحد ترضاه الأمة فإذا أمكن ذلك بغير تشاور بين أهل الحل والعقد كأن جعلوا ذلك بالانتخاب المعروف الآن في الحكومة الجمهورية وما هو في معناها حصل المقصود"(1).
أما قضية المرأة فقد اعتقد الأفغاني أن من أعظم علل الشرق أن المرأة فيه ليست متساوية مع الرجل في الحقوق والواجبات، وكان من تلاميذه الذين سرت فيهم هذه الفكرة محمده عبده، وقاسم أمين الذي كان مترجمًا لجمعية العروة الوثقى (2، 3)
وكانت أفكار محمد عبده منطلقًا للهجوم على موقف الشريعة من المرأة (4).
ولعل الله يمدّ في العمر لنكشف عن كل جوانب الفكر المشبوه لهذه المدرسة التي تضم الأفغاني ومحمد عبده، وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد، وسعد زغلول وغيرهم .. (5)
*
الشيخ محمد عبده تلميذ الأفغاني:
سبق الحديث عنه وسيأتي أيضًا أثناء الحديث عن المدرسة العقلية. ولقد كان التلميذ الوفي للأفغاني، وكان أمل المخطط اليهودي الصليبي -كما
(1)"تفسير المنار"(4/ 203).
(2)
"قاسم أمين" لماهر حسن فهمي (ص 20، 34)، "سلسلة أعلام العرب" - مصر.
(3)
"العلمانية"(ص 626 - 627). (4) المصدر السابق (ص 581).
(5)
انظر ذلك بالتفصيل الكبير في فصل "المدرسة العقلية" من كتابي "زهر البساتين في مواقف العلماء والربانيين".
أوضح كرومر وجب وغيرهما- أن تكون حركة الشيخ مماثلة تمامًا لحركة (سير أحمد خان) مؤسس جامعة (علي قره) بالهند التي تسمت (المعتزلة الجدد) وكانوا مفتونين بحضارة الغرب منبهرين بها إلى أقصى حد.
ولكن ظروف مصر غير ظروف الهند، كما أن الشيخ وإن كان اعتزاليًا متطرفًا (1) لم يستطع أن يصدم المشاعر الإسلامية بأكثر مما فعل حيث قامت ضد بعض تصرفاته ضجة في كثير من أنحاء العالم الإسلامي (الفتوى الترنسفالية، فتوى إباحة صناديق التوفير .. ). وليس ثمة شك في أن "مصر الحديثة" التي يريدها كرومر هي دولة لا دينية لا صلة لها بالإسلام وحكومتها ستكون على الشرط الذي مر آنفًا، أما محمد عبده فلم تكن لديه كما يبدو صورة واضحة، وإنما كان يهدف إلى الاصلاح الذي ينشده في ظل الاحتلال الإنجليزي. ولهذا فإن التعاون بين كرومر والشيخ يعني تقديم تنازلات من الأخير للأول، أما العدو المشترك لهما فهم العلماء. "غير الأحرار" الذين كانوا -رغم ما فيهم- ينفرون من المحتل والعمل معه في أية صورة!
وابتدأ محمد عبده عمله الاصلاحي بمهاجمة الأزهر ونقد المحاكم ونقد الحياة الاجتماعية وكرومر من ورائه يقطف الثمار.
لقد كانت بريطانيا -كعادتها- عازمة على إلغاء الشريعة الإسلامية فور تمكنها في البلاد، غير أن كرومر رأى أن أفضل وسيلة لذلك هو تفريغ المحاكم الشرعية من محتواها بأن يتولاها علماء "ذوو طابع تحرري" تتم تربيتهم بإشرافه هو والشيخ في معهد خاص لقضاة الشرع، وقوّى عزمه على
(1) لعل هذا هو أقرب ما يصح أن يوصف به الشيخ من الانتماءات المذهبية وإن كان في الواقع له اتجاه مستقل أحيانًا وتظهر اعتزاليته أو عقلانيته في تأويلاته المشهورة للملائكة والجن والطير الأبابيل وخلق آدم.
ذلك، المعلومات التي يذكر أنه حصل عليها عن الكلية التي أنشاتها في سراجيفو حكومة النمسا والمجر (1) لتخريج قضاة الشرع المسلمين والتي يقول عنها أنها:"كلية أثبتت نجاحها من كل الوجوه"، ويتحدث عن ذلك في تقريره السنوي لحكومته عام 1905:
" .. وقد وضعت هذه المعلومات تحت تصرف لجنة ذات كفاية ممتازة يرأسها المفتي الأكبر السابق (محمد عبده) بقصد وضع خطة مشابهة تلائم ظروف مصر وحاجاتها، وقد أتمت اللجنة عملها في شهر يونيه السابق ووضعت النظم المقترحة تحت تصرف الحكومة .. وهذه النظم تزود الطالب ببرامج ثقافية ذات طابع تحرري لا تحصر الطالب في الدراسات الدينية الخاصة (2).
والعجيب حقًا أن محمد عبده لم يكن يرى حرجًا من اقتباس القوانين التشريعية الغربية، ما دام ذلك يحقق (الإصلاح في نظره) بل يقول العقاد - وهو من المعجبين به- إنه:"علم أن المراجع العربية لهذه القوَانين لا تعطيه الإحاطة الواجبة بتلك المبادئ في أصولها المأثورة عند فلاسفة التشريع الغربيين فشرع في تعلم اللغة الفرنسية"(3). كما أن إعجابه بالثقافة الغربية هو الذي جعله يبالغ في انتقاص الأزهر مطلقًا عليه لفظ "الإصطبل أو المارستان أو المخروب"، ويحاول إصلاحه وإصلاح التعليم كله على الطريقة الغربية ويقول:
"إن كان لي حظ من العلم الصحيح .. فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر وهو إلى
(1) انظر كيف اتفق المخطط الصليبي هنا وهناك، والكفر ملة واحدة.
(2)
"الفكر الإسلامي دراسة وتقويم" لغازي التوبة (ص 30).
(3)
"محمد عبده"(ص 109)"سلسلة أعلام العرب".
الأن لم يبلغ ما أريد له من النظافة" (1).
لا شك أن الأزهر كان بحاجة إلى الإصلاح، ولكن الإصلاح الذي يريده الإنجليز -ومعهم الشيخ- كان من نوع آخر، لا سيما وأن شبح سليمان الحلبي يهدد كرومر كل حين (2).
وكان من أعظم خطط الإنجليز للقضاء على الشريعة الإسلامية إنشاء "مجلس شورى القوانين" الذي كانوا يحكمون مصر من خلاله، والذي قدم الشيخ له خدمات جليلة مما دفع المستشار القضائي الإنجليزي إلى رثائه في تقريره عن المحاكم لعام 1905 قائلاً:
"ولا يسعني ختم ملاحظاتي على سير المحاكم الشرعية في العام الماضي بغير أن أتكلم عن وفاة مفتي الديار المصرية الجليل المرحوم الشيخ محمد عبده في شهر يوليه الفائت وأن أبدي أسفي الشديد على الخسارة التي أصابت هذه النظارة بفقده .. ".
إلى أن يقول:
"وفوق ذلك فقد قام لنا بخدمة جزيلة لا تقدر في مجلس شورى القوانين في معظم ما أحدثناه أخيرًا من الإصلاحات المتعلقة بالمواد الجنائية وغيرها من الإصلاحات القضائية، إذ كان يشرح للمجلس آراء النظارة ونياتها ويناضل عنها ويبحث عن حل يرضي الفريقين كلما اقتضى الحال ذلك (! ) وإنه ليصعب تعويض ما خسرناه بموته نظرًا لسمو مداركه وسعة اطلاعه وميله لكل ضروب الإصلاح والخبرة الخصوصية التي اكتسبها أثناء توظفه في محكمة الأستئناف وسياحاته إلى مدن أوربا (! ) ومعاهد العلم .. "(3).
(1)"الفكر الإسلامي الحديث" لغازي التوبة (ص 27).
(2)
انظر " العلمانية "(ص 577).
(3)
"الفكر الإسلامي الحديث" لغازي التوبة (ص 25).
وقد يكون أخطر آثار محمد عبده التي تعد ركيزة من ركائز العلمانية في العالم الإسلامي إضعاف مفهوم "البراء والولاء، ودار الحرب ودار الإسلام" إذ كان الشيخ أعظم من اجترأ عليه من المنتسبين للعلماء، لا بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة فحسب، ولكن بدعوته الصريحة إلى موالاة الإنجليز وغيرهم -بحجة أن التعاون مع الكفار ليس محرمًا من كل وجه- ودعوته إلى التقريب بين الأديان.
حقيقة أن الراي العام الإسلامي قد ثار على بعض فتاوى الشيخ التي أباح بها موالاة الكفار، ولكن تأثيرها في الأمة لا شك فيه، لا سيما في تلك الفترة الحرجة التي تتميز بغبش الرؤية واختلاط المفهومات.
ويليها في الخطورة فتواه حول إباحة الربا بطريق صناديق التوفير معتمدًا -كما يرى العقاد- على مفهوم الآية من أنه لا يحرم من الربا إلا الأضعاف المضاعفة!
وأخيراً فإن الشيخ -بقصد أو بدون قصد- قد أوجد القاعدة التي ارتكز عليها من يسمون دعاة الاصلاح (1) للتعلق بأذيال الغرب وإقصاء الإسلام عن توجيه الحياة، إذ ظلوا ينقضون عرى الإسلام عروة عروة حتى أن المعركة الآن أصبحت تدور ضد قانون الأحوال الشمخصية وهو البقية الضئيلة من آثار الشريعة الإسلامية والميزة الأجتماعية التي تميز المسلم من غيره.
لم يكن محمد عبده علمانيًا ولكن أفكاره تمثل بلا شك حلقة وصل بين العلمانية الأوروبية والعالم الإسلامي، ومن ثم فقد باركها المخطط اليهودي الصليبي واتخذها جسرًا عبر عليه إلى علمانية التعليم والتوجيه في
(1) من الإنصاف أن نذكر أن الشيخ ندم على طريقته في الإصلاح مفضلاً عليها تطبيق التربية الفردية، انظر كتاب العقاد "الإسلام في القرن العشرين"(ص 147).
العالم الإسلامي وتنحية الدين عن الحياة الاجتماعية بالإضافة إلى إبطال العمل بالشريعة والتحاكم إلى القوانين الجاهلية المستوردة، - واستيراد النظريات الاجتماعية الغربية، وهو ما تم جميعه تحت ستار " الإصلاح " أيضًا (1). أما الجماهير الإسلامية فقد اتخذت أفكار الشيخ الإصلاحية مبررًا نفسيًا لتقبلها للتغير العلماني المتدرج في الدول العربية.
وقد صور محمد المويلحي في عمله الرائع " حديث عيسى بن هشام " شيئًا من ذلك على لسان أبطال الرواية، إذ يسال أحدهم متعجبًا كيف ساغ للمصريين أن يأخذوا بقانون نابليون المخالف للشريعة؟ فيجيب الأخر بأن المفتي أقسم بالله أنه موافق للشريعة (2).
وانظر كيف حرص المغرضون على تضخيم فتوى محمد عبده ليبتروا هذا الجانب بكامله عن الشريعة، وممن استخدموا لذلك حفني ناصف الذي قال:"إن الربا بفائده ليس من أنواع الربا المحرم، وأن سبب تخلف مصر هو عدم فتح بنوك على الطريقة الغربية"، ثم تلاه من تلاه حتى استصدرت فتوى من أحد شيوخ الأزهر البارزين بإباحته، ولا يزال هذا هو رأي من يسمون أصحاب الاتجاه العصري (3، 4).
* قاسم أمين ودعوته المشبوهة إِلى تحرير الراة:
ابتعث قاسم أمين إلى فرنسا للدراسة، يقول عنه مؤرخ حياته:
(1) انظر "حول آثار الفكر الاصلاحي" غازي التوبة: (54)، و"الاتجاهات الوطنية"(1/ 355)، و"أساليب الغزو الفكري"(201 - 205)، وقول جب عنه:"كان تلاميذه الحقيقيون من صفوف العلمانيين" دراسات في حضارة الإسلام (ص 330).
(2)
(1/ 72 - 73).
(3)
"حفني ناصف" لمحمود غنيم (ص 161) - "سلسلة أعلام العرب".
(4)
"العلمانية"(ص575 - 580).
"ويعود قاسم إلى قاعة المحاضرات بجامعة مونبلييه وهو أشد رغبة في تعرف المزيد عن الحياة في أوروبا، وهناك يجد زميلته، "سلافا" .. فلا يتردد في سؤالها أن تصحبه إلى المجتمعات الفرنسية وتقبل هي في سرور باد، وصحبته فتاته إلى كثير من الحفلات وتعرف إلى كثير من الأسر فوجد حياة اجتماعية تختلف عن الحياة في مصر، وجد السفور بدل الحجاب والاختلاط بدل العزلة والثقافة بدل الجهالة"(1).
وعاد قاسم إلى مصر يحمل إلى أمته فكرة خطرة عرضها على أصدقائه فتردد بعضهم وأيده أكثرهم وخاصة الزعماء مثل: سعد زغلول ومصطفى كامل وأحمد لطفي السيد (2)، وكذلك علي شعراوي زوج هدى شعراوي - الملقبة بزعيمة الحركة النسائية وغيرهم ممن قال عنهم كرومر "أسميهم حبًا في الأختصار أتباع المرحوم المفتي السابق الشيخ محمد عبده! "(3).
وأظهر قاسم فكرته تلك في كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" وعند صدور الأول شك كثيرون في كونه كاتبه لما حواه الكتاب من عرض ومناقشة الأقوال الفقهية والأدلة الشرعية التي كان مثل قاسم قليل البضاعة منها، ولكنهم لم يشكوا في أن الذي دفعه إلى الفكرة أحد رجلين إما كرومر وإما محمد عبده (4) ويحل لطفي السيد الإشكال في كتابه قصة حياتي إذ يقول:
(1)"قاسم أمين" لماهر حسن فهمي (ص 40) -"سلسلة أعلام العرب "- مصر.
(2)
يقول مؤرخ حياة مصطفى كامل أنه كان له أم روحية تدعى جولييت آدم .. إلخ، انظر "مصطفى كامل حياته وكفاحه" لأحمد رشاد (ص 71)، وكان بين مصطفى كامل وقاسم أمين خلافات كثيرة.
(3)
"أحمد لطفي السيد" لحسين فوزي النجار (ص 173)، "سلسلة أعلام العرب"- مصر.
(4)
"قاسم أمين"(ص 158).
"إن قاسم أمين قرأ عليه وعلى الشيخ محمد عبده فصول كتاب "تحرير المرأة" في جنيف عام 1897 قبل أن ينشره على الناس (1).
وجاء مثل هذا في كتاب "قاسم أمين" أيضًا (2).
وعلى أية حال فقد ظهر كتابه "تحرير المرأة" الذي يمكن تلخيص أفكاره فيما يلي:
1 -
إن المرأة مساوية للرجل في كل شيء و "إن تفوقه البدني سببه استعمال الأعضاء"(3) -ويتضح من هذا تعريضه بالقرآن الكريم وتأثره بالداروينية-.
2 -
"إن الانتقاب والتبرقع ليسا من المشروعات الإسلامية لا للتعبد ولا للأدب بل هما من العادات القديمة السابقة على الإسلام والباقية بعده "وهي عادة عرضت على المسلمين" من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين منها براء" لكن بالنسبة للأمم الأخرى فإن هذه العادة "تلاشت طوعًا لمقتضيات الاجتماع وجريًا على سنة التقدم والترقي"(4).
3 -
إن الحجاب ليس عائقًا عن التقدم فحسب بل هو مدعاة للرذيلة وغطاء للفاحشة في حين أن الاختلاط يهذب النفس ويميت دوافع الشهوة!.
وقد حرص قاسم علي تبرئة نفسه من تهمة الدعوة إلى تقليد الغرب في مناداته بهذه الفكرة (5) مدعيًا أن الدافع الوحيد هو الحرص على الأمة والغيرة
(1)"أحمد لطفي السيد"(133).
(2)
ص: (158 - 159).
(3)
"تحرير المرأة"(19) لقاسم أمين.
(4)
"تحرير المرأة"(79، 68، 67).
(5)
انظر "تحرير المرأة"(ص 83).
على الدين والوطن، فهو يزعم أن أصل فكرته هو الرد على "داركور" المستشرق الذي هاجم الحجاب، ولست أدري ماذا ترك قاسم لداركور!
لكن كتابه الثاني "المرأة الجديدة" يكذب ادعاءاته تلك فهو يقول فيه: "هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له دواء إلا أن نربي أولادنا على أن يتعرفوا شئون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها، وإذا أتى ذلك الحين -ونرجو ألاّ يكون بعيدًا- انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغربي وتيقنا أن من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسًا على العلوم العصرية"(1).
وقد طبق ذلك في بيته فأحضر لابنتيه مربيتين -إحداهما فرنسية والأخرى إنجليزية (2) وظل قاسم حريصًا على دعوته داعيًا إلى فكرته "إلى آخر نسمة من حياته القصيرة ففي ليلة وفاته بالسكتة القلبية في 23 إبريل 1908م كان يقدم طالبات رومانيات في نادي المدارس العليا"(3).
يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه "جيل العمالقة" وكتابه "محاولة لبناء منهج إسلامي متكامل"(3/ 660 - 664):
"كانت حركة تحرير المرأة التي قادها قاسم أمين مؤامرة استعمارية تستهدف تدمير الأسرة المسلمة وتحطيم البيت المسلم حتى قال محمد فريد: إن دعوة قاسم أمين قد أحدثت تدهورًا مريعًا في الآداب العامة وأحدثت انتشارًا مفزعًا لمبدأ العزوبة وأصبحت ساحات المحاكم غاصة بقضايا هتك الأعراض
(1)"قاسم أمين"(ص 192 - 193).
(2)
المصدر السابق (ص 77).
(3)
"أحمد لطفي السيد"(ص 215).
وهرب الشابات من دور أهلهن.
لقد تراجع قاسم أمين بعد قليل من دعوته إلى تحرير المرأة وجاءت (هدى شعراوي) فاحتضنتها دوائر الماسونية والتغريب واليهودية العالمية.
في محاولة لتقويم حركة قاسم أمين لتحرير المرأة بعد أن تسربت وثائق عدة تكشف عن خطة أشبه بالمؤامرة وراء هذه الدعوة، وتطرقت الأسئلة إلى أم المصريين (صفية زغلول) وإلى زعيمة النهضة النسائية في مصر (هدى شعراوي) التي دعت بعض الأقلام التي تجهل الحقيقة أو تخدع كتابها إلى إقامة تمثال لهما والحقيقة أنه لكي تعرض خلفيات هذه القضية يجب أن نذكر شيئًا مهمًا هو أن كتابًا ظهر في مصر عام 1894 (أي بعد الاحتلال البريطاني بعام واحد لمحام مصري موال لكرومر وللنفوذ الأجنبي يدعى (مرقص فهمي) تحت عنوان "المرأة في الشرق" صور فيها خطة الاستعمار في المطالبة بتحقيق أربعة أغراض:
أولاً: القضاء على الحجاب الإسلامي.
ثانيًا: إباحة الاختلاط للمرأة المسلمة بالأجانب عنها.
ثالثًا: تقييد الطلاق ووجوب وقوعه أمام القاضي.
رابعًا: منع الزواج بأكثر من واحدة.
خامسًا: إباحة الزواج بين المسلمات وغير المسلمين.
وكان هذا المخطط هو النواة للنفوذ الأجنبي الذي تدرس على ضوئه "حركة قاسم أمين" وهدى شعراوي، ذلك أنه لم تمض سنوات خمس حتى ظهر كتاب "تحرير المرأة" فكان ذلك خطوة على الطريق ظن البعض سلامتها، فما هي هذه الخلفيات لهذا الحدث الخطير.
أولاً: كتب داود بركات رئيس تحرير الأهرام بجريدته الصادرة في
4 يناير 1928 مقالاً قال فيه أن قاسم أمين قرأ كتاب الدوق داركور
"المصريون" ورد عليه بكتاب باللغة الفرنسية وفند اتهاماته .. فلما ظهر هذا الكتاب وصف بأنه لم يكن في صف النهضة النسائية فقد رفع الكتاب من شأن الحجاب وعده دليلاً على كمال المرأة، كما ندد بالداعيات إلى السفور وقد رأت فيه الأميرة نازلي فاضل تعريضًا.
ثم استطرد يقول: "وكانت الأميرة نازلي فاضل ولها صالون يحضره سعد زغلول ومحمد عبده وجماعة من الطامحين إلى تولي السلطة في مصر تحت قيادة النفوذ البريطاني وبرعاية اللورد كرومر".
ويقول داود بركات متابعًا: وقد أُشير على جريدة المقطم -وهي لسان الإنجليز في مصر ذلك الوقت- أن تكتب ست مقالات عن الكتاب تفند أخطاء قاسم في هذا الاتجاه ودفاعه عن الحجاب، واستنكاره اختلاط الجنسين .. ثم أوقفت الحملة بعد اتفاق الشيخ محمد عبده وسعد زغلول مع قاسم أمين على تصحيح رأيه.
وقد حمل الشيخ محمد عبده الدعوة إلى تحرير المرأة في دروسه في "الرواق العباسي" بالأزهر حين أعلن أن الرجل والمرأة متساويان عند الله.
وقد ترددت آراء كثيرة بأن الشيخ محمد عبده كتب بعض فصول الكتاب أو كان له دور في مراجعتها ومما أورده لطفي السيد أنه اجتمع في جنيف عام 1897 م بالشيخ محمد عبده وقاسم أمين وسعد زغلول وأن قاسم أمين أخذ يتلو عليه فقرات من كتاب "تحرير المرأة" وصفت بأنها تنم على أُسلوب الشيخ محمد عبده نفسه.
ثانيًا: كتب فارس نمر صاحب المقطم مقالاً في مجلة الحديث (الحلبية) عام 1939م وأشار إلى هذا الحادث فقال: "إنه ظهر كتاب للدوق داركور يطعن فيه على المصريين طعنًا مرًا، ويخص النساء بأكبر قسط منه.
إذ رماهن بالجهل وضعف مكانتهن في المجتمع. فاهتاج الشباب وتطوع قاسم أمين للرد على كتابه".
ويستطرد فارس نمر يقول: وهنا أشير لحقيقة لا يكاد يعلمها إلا ندرة في مصر. هذه الحقيقة أن كتاب قاسم أمين الذي رد فيه على (دوق دار كير) لم يكن في صف النهضة النسائية التي كانت تمثلها الأميرة نازلي .. بل كان الكتاب يتناول الرد على مطاعن المؤلف الفرنسي، ويرفع من شأن الحجاب، ويعده دليلاً على كمال المرأة، ويندد بالداعيات إلى السفور، واشتراك المرأة في الأعمال العامة .. ولما ظهر كتابه هذا ساءَ ما به إخوانه من أمثال محمد المويلحي، ومحمد بيرم، وسعد زغلول .. ورأوا فيه تعريضًا جارحًا بالأميرة نازلي، فتشاوروا فيما بينهم في الرد واتفقوا أخيرًا أن أتولى الكتابة عن هذا الموقف وعرض فصوله وانتقاد ما جاءَ به خاصًا بالمرأة، وبدأت في كتابة سلسلة مقالات عنه .. ولكن ذلك النقد لم يرق في نظر قضاة محكمة الاستئناف، ورأوا فيه مساسًا بهيبتهم. لأن قاسم أفندي كان أحدهم ورأوا أن أفضل وسيلة يبذلونها لكي أكف عن الكتابة أن مؤلفه يرجو الأميرة نازلي فاضل لكي تطلب إليَّ ذلك .. وتطوع الشيخ محمد عبده للقيام بهذه المهمة، وذات مساء حضرت إلي صالون الأميرة كما حضر الشيخ محمد عبده ْ ومحمد بيرم والمويلحي .. وبعد قليل تحدث الشيخ محمد عبده مع الأميرة في هذا الشأن. فالتفتت إلى سموها وقالت لي: أنها لا تجد بأسًا في أن أكف عن الكتابة في الموضوع.
وكانت هي لم تقرأ الكتاب ولم تعرف أنه يشمل الطعن فيما تدعو إليه. فلما رأى ذلك محمد المويلحي قال لسموها: أنه يدهش من طلب الأميرة وخاصة لأن الكتاب تعرض لها.
فبدت الدهشة عليها وكانت إحدى نسخ الكتاب موجودة عندها. وعبثًا
حاولت أن أقفل باب الحديث في هذا الشان وخاصة بعد أن لمحت عليها معالم الأضطراب والجد والعنف.
فلما اطلعت على ما جاءَ به ثارت ثورة شديدة ووجهت القول بعنف إلى الشيخ محمد عبده؛ لأنه توسط في هذا الموضوع .. مرت الأيام بعد ذلك واتفق محمد عبده وسعد زغلول والمويلحي وغيرهم على أن يتقدم قاسم أمين بالاعتذار إلى سمو الأميرة.
فقبلت اعتذاره ثم أخذ يتردد على صالونها، وكلما مرت الأيام ازدادت في عينه، وارتفع مقامها لديه. وإذا به يضع كتابه الأول عن المرأة الذي كان الفضل فيه للأميرة نازلي والذي أقام الدنيا وأقعدها بعد أن كان أكثر الناس دعوة إلى الحجاب" انتهى كلام فارس نمر.
ثالثًا: أشارت هدى شعراوي في محاضرة لها إلى هذا المعنى وكشفت هذا السر الذي ظل خافيًا زمنًا طويلاً، ولم يكشف إلا بعد وفاة قاسم أمين بعشرين سنة غير أن الذي يلفت النظر أن قاسم أمين عدل عن رأيه هذا من بعده، وتبين له أنه أخطأ الطريق.
وقد تبين هذا حين صرح قاسم أمين في حديث له في صحيفة "الظاهر" التي كان يصدرها المحامي محمد أبو شادي حيث أعلن رجوعه، وأعلن أنه كان مخطئًا في (توقيت) الدعوة إلى تحرير المرأة .. هذا التصريح نشرته جريدة "الظاهر" في أكتوبر 1906 قال قاسم أمين: "لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب، وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم .. ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس .. فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف عرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق
الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي .. رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا إليها بألسنة البذاء، ثم ما وجدت زحامًا في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسن جميعًا .. إنني أرى أن الوقت ليس مناسبًا للدعوة إلى تحرير المرأة بالمعنى الذي قصدته من قبل".
ومعنى كلام قاسم أمين هذا الذي نشره قبل وفاته بعام ونصف عام أن قاسم أمين قد اكتشف بعد سبع سنوات من دعوته (التي جاءَت استدراجًا ومرضاة لنفوذ وليست خالصة لوجه الله تعالى) أنها لم تكن قائمة على أُسسها الصحيحة وهي الدعوة إلى تربية الخلق والإيمان بالله، وأنها لم تكن على طريق الحق .. أو ربما أن قاسم رأى بعد أن تغيرت الظروف بزوال كرومر ووفاة محمد عبده وانطفاء نفوذ نازلي فاضل (ربيبة كرومر) أن يتخفف من هذه التبعة. وربما كان لبعض التجارب أثرها في نفسه .. فها هو يروي أن صديقًا عزيزًا زاره ذات مرة فلما فتح له الباب قال: جئت هذه المرة من أجل التحدث مع زوجك!! فدهش قاسم .. كيف يطلب مقابلة زوجته.
فقال له صديقه: ألست تدعو إلى ذلك. إذن لماذا لا تقبل التجربة مع نفسك. فأطرق قاسم أمين صامتًا ومما يذكر أن السيدة زوجة قاسم أمين كتبت منذ سنوات تعلن أن دعوة قاسم أمين كانت خطيرة وأنها لم تكن قائمة على أساس صحيح.
وقال محمد فريد وجدى: إن دعوة قاسم أمين قد أحدثت تدهورًا مريعًا في الآداب العامة، وأحدثت انتشارًا مفزعًا لمبدأ العزوبة، وأصبحت ساحات المحاكم غاصة بقضايا هتك الأعراض وهرب الشابات من دور أهلهن. ونعت الدكتورة بنت الشاطئ ما تكشف من حركة تحرير المرأة مما أسمته مهزلة أليمة موجعة.
تقول بنت الشاطئ: "إن الرجال ساقونا لنعمل لحسابهم .. وهم يوهمونا أننا نعمل أو يعملون معنا لحسابنا .. ذلك أن الرجال رتبوا لنا الخروج زاعمين أنهم يؤثروننا على أنفسهم .. ولكنهم كذبوا في هذا الزعم فما أخرجونا إلا ليحاربوا بنا السآمة والضجر في دنياهم".
ثم قالت بنت الشاطئ: "إن المرأة دفعت ضريبة فادحة ثمنًا للتطور ويكفي أن أُشير في إيجاز إلى الخطأ الأكبر الذي شوه نهضتنا. وأعني به انحراف المرأة الجديدة عن الطريق الطبيعي وترفعها عن التفرغ لما نسميه: خدمة البيوت وتربية الأولاد. ونحن نرى البيوت أصبحت مقفرة منهن. أما الأبناء فتركوا للخدم. وقد نشأ هذا الانحراف الضال نتيجة لخطأ كبير في فهم روح النهضة.
وبلغ من سوء ما وصلت إليه أن نادت مناديات بحذف نون النسوة في اللغة كأنما الأُنوثة نقص ومذلة وعار. وأهدر الأعتراف بالأُمومة كعمل من الأعمال الأصيلة لنا حتى سمعنا من يسأل كيف تعيش أمة برئة معطلة .. يقصد بالرئة المعطلة هؤلاء الباقيات في بيوتهن يرعين الأولاد .. وزعموا أن المرأة تستطيع أن تجمع بين عملها في البيت ووظيفتها في الخارج" انتهى كلام الدكتورة بنت الشاطئ (1).
وتكشف السيدة صافي ناز كاظم سموم قاسم أمين في كتابه المرأة الجديدة حيث يهاجم المدنية الإسلامية ويدعو إلى التغريب.
يقول: نحن لا نستغرب أن المدنية الإسلامية أخطات في فهم طبيعة
(1)"جيل العمالقة والقمم الشوامخ في ضوء الإسلام"(ص 135 - 140)، وانظر "محاولة لبناء منهج إسلامي متكامل" المجلد الثالث "عالم الإسلام المعاصر"(ص 660 - 664) لأنور الجندي.
المرأة وتقدير شأنها فليس خطؤها في ذلك أكبر من خطأها في كثير من الأمور الأخرى.
ثم يقول: الذي أراه أن تمسكنا بالماضي إلى هذا الحد هو من الأهواء التي يجب أن ننهض جميعًا لمحاوبتها؛ لأنه ميل إلى التدني والتقهقر، وهذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له من دواء إلا أننا نربي أولادنا على أن يعرفوا شئون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها.
فإذا أتى هذا الحين ونرجو أن لن يكون بعيدًا - انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغربي، وتيقنا أنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسًا على العلوم العصرية الحديثة.
ولا يمكن أن يوصف هذا الكلام إلا أنه (ردة) من مستشار وصف بالعقل والحكمة ولكنه انزلق مع المنزلقين إلى مطالع المناصب الكبرى والحظوة في صالون نازلي فاضل.
والمعروف أنه بعد أن دافع قاسم أمين عن حجاب المرأة المسلمة في كتابه (المصريون) حدثت مؤثرات من الأميرة نازلي على قاسم أمين مما أدى إلى حدوث متغيرات في فكر قاسم عرفت في كتابه تحرير المرأة، والمرأة الجديدة.
وكان كتاب تحرير المرأة نوعًا من الاعتذار للأميرة التي أغضبها كتابه الأول، وقيل: أن الشيخ محمد عبده ومحمد المويلحي وسعد زغلول اتفقوا على أن يقدم قاسم الاعتذار للأميرة نازلي (عندما هاجم المرأة غير المتحجبة في كتابه المصريون) ودفع قاسم أمين الثمن غاليًا يتجنى على الحقائق ويحاول أن يلوي عنقها حتى خرج كتابه "تحرير المرأة".
وجاء في كتابه "المرأة الجديدة" فخرج عن أفكاره الأصلية التي كانت تعلي من شأن المدنية الإسلامية.