الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيقضي العقل أن نرجع إليه أولًا، ثم إلى السنة ثانيًا (1).
د- القرآن الكريم أصل التشريع ومصدره الأول، فإن وجد فيه حكم أخذه المسلم فورًا، وإن لم ينص على الواقعة رجع إلى السنة، فإن ظفر بالحكم فيها طبقه (2).
ثالثًا: مراتب السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم:
قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: "فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه .. أحدها: ما أنزل الله عز وجل فيه نص كتاب، فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب، والثاني: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد .. والثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب"(3).
ويظهر من كلام الشافعي أن السنة بالنسبة إلى القرآن ثلاث مراتب، ويزاد عليها مرتبة أخرى أنها تكون دالة على النسخ (4)، فالمراتب أربعة، وهي:
1 -
المرتبة الأولى: أن تكون السنة مقررة ومؤكدة حكمًا جاء في القرآن الكريم، فيكون الحكم قد ورد في مصدرين، ودل عليه دليلان: القرآن والسنة، وهذا القسم كثير في السنة، منها الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالجهاد، وفضل الشهيد، وبر الوالدين، وصلة الأقارب، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وأكل مال الآخرين.
(1) أبحاث في أصول الفقه: ص 42.
(2)
أصول الفقه، خلاف: ص 41.
(3)
الرسالة، له: ص 91 - 92.
(4)
الرسالة: ص 106.
2 -
المرتبة الثانية: أن تكون السنة مُبينة حكمًا ورد في القرآن الكريم (1)، وهذا البيان على ثلاثة أنواع:
أ- أن تكون السنة مفسرة لحكم جاء في القرآن مجملًا، مثل قوله تعالى:{أقيموا الصلاة} ، {وآتوا الزكاة} ، {كتب عليكم الصيام} ، {ولله على الناس حج البيت} ولم يبين القرآن الكريم كيفية إقامة الصلاة، ولا مقدار الزكاة، ولا مفهوم الصوم، ولا مناسك الحج، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وحج: وقال: "خذوا عني مناسككم" وبين وقت الصيام من الفجر إلى غروب الشمس، وأنه امتناع عن الطعام والشراب والجماع، وغير ذلك من أحكام المعاملات والقضاء والجهاد.
ب- أن تكون السنة مقيدة لحكم جاء في القرآن مطلقًا، مثل قوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} فاليد مطلقة، ولم توضح الآية الحد المطلوب في القطع، فجاءت السنة وبينت أن القطع من رسغ اليد اليمنى.
ج- أن تكون السنة مخصصة لحكم عام في القرآن الكريم (2)، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها"(3)، مع قوله تعالى في الآية التي عدَّدت المحرمات من النساء في النكاح:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ} .. الآية ثم قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} فلفظ "ما" من ألفاظ العموم، فيفهم من الآية جواز النكاح من غير ما ذكرت الآية، ثم جاءت السنة وخصصت هذا العموم بأنه ما عدا العمة والخالة.
(1) جماع العلم مع كتاب الأم: 7 ص 251.
(2)
الرسالة: ص 58.
(3)
رواه مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه بروايات مختلفة.
3 -
المرتبة الثالثة: أن تكون السنة منشئة لحكم جديد لم يتعرض له القرآن الكريم (1)، مثل قضائه صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، والتحريم من الرضاع لكل ما يحرم من النسب، بقوله صلى الله عليه وسلم:"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"(2) بينما اقتصرت الآية على تحريم الجمع بين الأختين من النسب، وتحريم الأمهات والأخوات فقط من الرضاع، ومثل رجم الزاني المحصن، وتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (3).
قال الإِمام الشوكاني: اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"، أي: أوتيت القرآن ومثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن (4).
4 -
المرتبة الرابعة: أن تكون السنة ناسخة للقرآن الكريم، وهذه المرتبة اختلف فيها العلماء على قولين:
القول الأول: أن السنة لا تنسخ القرآن، والقرآن لا ينسخ السنة،
(1) نقل الإمام الشافعي قولًا مخالفًا يمنع استقلال السنة، وهو أنه "لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب" الرسالة: ص 192، وانظر الموافقات: 4 ص 11، وقد تبنى بعض المعاصرين هذا القول كالشيخ محمَّد الخضري فقال:"ولا تجد في السنة أمرًا إلا والقرآن قد دل عليه دلالة إجمالية أو تفصيلية؛ لأن الله جعل القرآن تبيانًا لكل شيء، فيلزم من ذلك أن السنة حاصلة فيه في الجملة"، أصول الفقه، له: ص 268، 270، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 107.
(2)
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن ماجه وأحمد.
(3)
الرسالة: ص 92 وما بعدها، جماع العلم 5 ح الأم: 7 ص 251.
(4)
إرشاد الفحول، له: ص 33.
وإنما تكون السنة دليلًا على ناسخ القرآن ومنسوخه، وهو مذهب الشافعي، واستدل بقوله تعالى:{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] فإن الفاعل في لفظ "نأت" يرجع إلى الله تعالى، فالناسخ هو كلام الله تعالى في القرآن، وإن الناسخ يكون خيرًا من المنسوخ أو مثله، والسنة ليست خيرًا من القرآن الكريم، وليست مثل كلام الله، لكن السنة تكون دليلًا على نسخ الحكم (1).
القول الثاني: أن السنة تنسخ حكمًا ورد في القرآن الكريم، وهو قول الجمهور والبيضاوي والإسنوي والغزالي والجويني من الشافعية.
واستدلوا على ذلك بوقوع النسخ فعلًا، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"لا وصية لوارث"(2) فإنها نسخت الوصية للوالدين في الآية الكريمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)} [البقرة: 180] فالحديث نسخ الآية (3)، والأمثلة على ذلك كثيرة في باب النسخ كما سيأتي في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.
وبعد بيان مراتب السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم يتأكد لنا أن السنة
(1) الرسالة: ص 137، 142، 222، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 72، 74، مختصر ابن الحاجب: ص 168. منهاج الوصول: ص 59، تسهيل الوصول: ص 131، الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي: ص 254.
(2)
رواه الشافعي وأحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والدارقطني عن جابر، وهو مما تلقته الأمة بالقبول وأصبح مشهورًا، انظر تخريج هذا الحديث في هامش الرسالة: ص 141، للشيخ أحمد شاكر.
(3)
انظر تفصيل ذلك في إرشاد الفحول: ص 191، المستصفى: 1 ص 124، الإحكام، ابن حزم: 4 ص 477، منهاج الوصول، للبيضاوي: ص 59، تفسير البيضاوي: ص 22، 23، مغيث الخلق للجويني: ص 30، 32. نهاية السول: 2 ص 216، أصول السرخسي: 2 ص 67 وما بعدها.
تكمل القرآن الكريم في البيان والتشريع، وأنه لا يمكن أن يقع بينهما اختلاف أو تعارض، وأن ما يتبادرا منه إلى الذهن أحيانًا فهو توهم ظاهري أو دس وتشكيك (1)، وهذاء، يدفعنا إلى زيادة الحرص على السنة الشريفة، والتطلع إليها، دراسة وبحثا وحفظا، لتتوضح أمامنا معالم الطريق، ونسلك الصراط المستقيم، ونرضي رب العالمين، القائل في كتابه:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
وفي الختام فإن مباحث الكتاب والسنة كثيرة، وإن المرء لا يحيط علمه بها، وإن المباحث اللغوية والدلالات اللفظية للقرآن والسنة، وما يتعلق بهما في الاستدلال والاستتباط مجاله في مبحث الدلالات، وإن هذه المباحث مشتركة بين القرآن، الكريم والسنة القولية، وتنفرد السنة من جهة أفعاله صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بها من عصمة الأنبياء ودلالة الأفعال وتعارض الأقوال مع الأفعال، وغير ذلك مما أسهب علماء الأصول في عرضه وبيانه (2)، فجزاهم الله عنا خير الجزاء، ومنحنا القوة والقدرة على الاستفادة مما كتبوه، وتطبيقه في هذه الحياة.
وبعد أن درسنا مبحثي الكتاب والسنة، بشيء من التفصيل فإننا نتناول بقية المصادر إجمالًا، فنعرِّف كلا منها، ونشرح التعريف، ونبين الصورة والمثال، ونذكر الحجة وبعض الشروط، ونشير إلى آراء الأئمة في المصادر المختلف فيها وأهم أدلتهم.
والفائدة من هذه الدراسة الإجمالية -مع أنها استباق للزمن في
(1) الرسالة: ص 216.
(2)
انظر إرشاد الفحول: ص 35، منهاج الوصول: ص 61، الإحكام في أصول الإحكام، الآمدي: 1 ص 156، 174، ج 2 ص 3، نهاية السول، الإسنوي: 2 ص 237، 250، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 108، أصول السرخسي: 2 ص 86، شرح الكوكب المنير: 2 ص 287 وما بعدها.
الدراسة التفصيلية- أن القاري يدرس ذلك في أبواب الفقه والحديث والأحوال الشخصية والأصول، وتعتمد دراسته في مشروعية الأحكام على الإجماع أو القياس أو الاستحسان أو العرف أو عمل الصحابة
…
فلا بد أن يكون لديه تصور صحيح لها، ليطمئن قلبه إلى الأحكام ومشروعيتها، ونترك التفاصيل لوقتها المناسب. ولا يمكن للقارئ أن يحتج مثلًا بالإجماع بأنواعه، أو بالعرف أو بالاستصلاح، وهو جاهل بها، أو يفاجأ بعدم حجية بعضها مثلًا.