الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم متفق على صحته.
وإما أن يكون الشرط الجعلي مخالفًا لمقتضى العقد ومتعارضًا معه، وغير ملائم لمقصود المشروط فيه ولا مكمل لحكمته، كأن يشترط الزوج عدم الإنفاق على زوجته، أو أن يشترط البائع عدم انتفاع المشتري بالعين، وهذا القسم متفق على بطلانه وإلغائه.
وإما أن يكون شرطًا زائدًا على مقتضى العقد، وهو الذي يقترن فيزيد من التزامات أحد الطرفين، أو يقوي هذه الالتزامات، وحكم هذا النوع مختلف فيه بين المذاهب اختلافًا واسعًا، فقد أجاز هذا الاشتراط وتوسع به المذهب الحنبلي والمالكي، وضيق فيه المذهب الحنفي والشافعي (1).
ثالثًا: تقسيم الشرط باعتبار إدراك الرابطة مع المشروط:
ينقسم الشرط من جهة إدراك الرابطة والعلاقة بينه وبين المشروط إلى أربعة أنواع (2):
1 -
الشرط الشرعي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم الشرع، كالوضوء للصلاة.
2 -
الشرط العقلي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم العقل، مثل ترك ضد الواجب لحصوله، كترك الأكل شرط لصحة الصلاة، ومثل اشتراط الحياة لي، فإذا انتفت الحياة انتفى العلم، ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم، ومثل
(1) انظر أنواع الشروط الفقهية وما يتعلق فيها وآراء المذاهب في: أصول الفقه، الخضري: ص 69، المدخل الفقهي العام، الأستاذ مصطفى الزرقا: 1 ص 481 وما بعدها، الموافقات: 1 ص 187، الفقه الإسلامي في أسلوبه الجديد، الدكتور وهبة الزحيلي: 1 ص 154.
(2)
المدخل إلى مذهب أحمد: ص 68، الموافقات: 1 ص 18.
الفهم في التكليف.
3 -
الشرط العادي: وهو ما تكون العلاقة بينه وبين مشروطه ناتجة عن حكم العادة والعرف، كغسل جزء من الرأس لإتمام غسل الوجه، ومثل الغذاء للحيوان أي لحياته، وملاصقة النار للجسم في الإحراق، ومقابلة الرائي للمرئي، وتوسط الجسم الشفاف في الإبصار (1).
4 -
الشرط اللغوي: وذلك في صيغ التعليق، مثل: إنها طالق إن خرجت من البيت، وهذا النوع له حكم السبب (2).
هل يصح التكليف بالحكم مع فقدان شرطه؟
يبحث علماء الأصول هذه المسألة، ويعبرون عنها بأهم مثال لها، وهو "هل الكافر مخاطب بفروع الشريعة"؟
وصورتها أن الشارع اعتبر الإيمان شرطًا لصحة الصلاة وغيرها من العبادات، فهل يصح التكليف بالصلاة وإيجابها على الإنسان الكافر مع عدم حصول الشرط، وهو الإيمان؟
اتفق العلماء على أن الكفار مخاطبون بالإيمان إجماعًا، وأنهم مخاطبون بالمعاملات، وأنها تطبق عليهم ما داموا قائمين على أرض الدولة الإسلامية، واختلف الفقهاء في تطبيق العقوبات الشرعية عليهم، كما اختلفوا في تكليفهم بالعبادات، وهو موضوع بحثنا، على قولين:
(1) وهناك تقسيمات مختلفة للشرط بحثها الفقهاء في كتبهم وخاصة في عقد البيع، كالشرط المعلق والمقيد والمضاف، وشرط الانعقاد والصحة والنفاذ واللزوم، والشرط الراجع إلى خطاب التكليف، والشرط الراجع إلى خطاب الوضع، وغير ذلك، انظر المراجع السابقة في الهامش قبل السابق، والموافقات: 1 ص 185، نظرية الشروط المقترنة بالعقد، الشيخ زكي الدين شعبان.
(2)
انظر: شرح الكوكب المنير: 2 ص 455، شرح تنقيح الفصول: ص 85، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 68، مختصر الطوفي: ص 32.
القول الأول: يصح التكليف مع عدم حصول الشرط، والكافر مكلف بالصلاة مع عدم الإيمان، وذلك لأن الكفر مانع من إقامة الصلاة، ولكنه لا يعتبر مانعًا من التكليف، فالكافر يتمكن من إزالة المانع وهو الكفر، ويستطيع الدخول في الإيمان ثم يقيم الصلاة، وهو رأي الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر العراقيين من الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 -
القياس على الجنب والمحدث، فإنهما مأموران بالصلاة، ومكلفان فيها، بالرغم من وجود المانع من الصلاة، وهو الجنابة والحدث، وذلك لأنهما يتمكنان من إزالة المانع ثم القيام بالصلاة.
فوجود الجنابة والحدث لا يمنع التكليف بالصلاة، وكذلك الكفر أو عدم تحقق شرط الإيمان لا يمنع تكليف الكافر بالعبادات، فالعقيدة الباطلة منعته من الإيمان ويستطيع أن يزيلها ثم يصلي (1).
2 -
وردت عدة آيات تؤكد عقوبة الكافر على ترك الصلاة والزكاة وبقية فروع الشريعة، قال تعالى حكاية عن الكفار يوم القيامة:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)} [المدثر: 42 - 47]، فأخبرنا اللَّه تعالى أن من سبب دخول الكفار الجحيم أنهم تركوا الصلاة، فهذا يدل على أنهم مخاطبون بالصلاة ومكلفون بها، ولو لم يكلفوا بها لما سئلوا عنها، وأن القرآن الكريم جمع بين ترك الصلاة
(1) تسهيل الوصول: ص 257، تيسير التحرير: 2 ص 148، وما بعدها، فواتح الرحموت: 1 ص 128، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 153، القواعد والفوائد الأصولية: ص 49، الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص 253، والأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 325، شرح الكوكب المير: 1 ص 501 وما بعدها، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، للونشريسي: ص 283.
وهو عبادة وبين إنكار يوم القيامة، وهو عقيدة، وقال تعالى أيضًا مخبرًا عن المشركين:{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)} [فصلت: 6 - 7]، فوصفهم بالشرك وترك الزكاة وعدم الإيمان بالآخرة، فكان جزاؤهم العذاب الأليم في جهنم، وهذا يدل على أنهم مكلفون ومخاطبون بالزكاة وبالإيمان معًا، ومحاسبون على الاثنين أيضًا، ومثل قوله تعالى:{يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (16)} [الزمر: 16]، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21]، وقوله تعالى:{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} [النحل: 88]، أي فوق عذاب الكفر (1).
القول الثاني: لا يصح التكليف قبل حصول الشرط الشرعي، وإن الإيمان شرط في التكليف، والكافر غير مكلف بالعبادات، وهو رأي الرازي والإسفراييني من الشافعية، والسرخسي وجمهور الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد.
واحتجوا بأن الشارع يشترط الإيمان للعبادة، وهذا يقتضي النهي عن الصلاة بدون إيمان، وأن الصلاة بدونه غير صحيحة، وبالتالي فلا يمكن الامتثال حال الكفر لوجود المانع (2)، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم:"الإسلام يجبُّ ما قبله"(3)، وأن الكافر لا يطالب بإعادة وقضاء الصلاة بعد إسلامه.
ويَرُدَّ عليهم ابن عبد الشكور بأن العاقل يستبعد أن يدَّعي المنافاة
(1) شرح الكوكب المنير: 1 ص 502.
(2)
المراجع السابقة، وسترد هذه المسألة في فصل المحكوم فيه، وفي المسألة قول ثالث، وهو أنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر، وهناك أقوال أخرى في المسألة، (انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 504).
(3)
رواه مسلم وأحمد، عن عمرو بن العاص.
بين التكليف وفقدان الشرط، لأنه يلزم على هذا القول أن يكون المحدث والجنب غير مكلفين شرعًا بالصلاة لوجود المانع من أدائها، وأن عدم الإحرام في الحج مانع من أداء الحج، ولكنه لا يمنع تكليف المسلم المستطيع بالحج
…
وهكذا (1).
ويرى الإمام الشاطبي أن الإيمان ليس شرطًا للعبادة والتكليف بالصلاة مثلًا، بل هو العمدة في التكليف، لأن معنى العبادة هو التوجه إلى المعبود بالخضوع والتعظيم بالقلب والجوارح، وهذا فرع الإيمان، فكيف يكون أصل الشيء وقاعدته شرطًا فيه؟ وإذا توسعنا في معنى الشرط فيكون الإيمان شرطًا عقليًّا، وليس شرطًا شرعيًّا، أو هو شرط في المكلف وليس في التكليف (2).
والنتيجة التي تترتب على قول الجمهور بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة كثرة عقابهم في الآخرة، وليس المطالبة منهم بفعل الفروع في الدنيا، ولا قضاء ما فات منها (3).
قال النووي رحمه الله: "اتفق أصحابنا على أن الكافر الأصلي لا تجب عليه الصلاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام، والصحيح في كتب الأصول: أنه مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان .. " ثم قال: "وليس هذا مخالفًا لما تقدم، لأن المراد هناك غير المراد هنا، فالمراد هناك أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا
(1) فواتح الرحموت، له: 1 ص 129.
(2)
الموافقات، له: 1 ص 181.
(3)
شرح الكوكب المنير: 1 ص 503، كشف الأسرار: 4 ص 243، نهاية السول: 1 ص 197، شرح تنقيح الفصول: ص 165، فواتح الرحموت: 1 ص 126، القواعد والفوائد الأصولية: ص 50، إرشاد الفحول: ص 10، روضة الناظر: ص 28.
لعقاب الآخرة، ومرادهم في كتب الأصول: أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعًا، لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا، فذكروا في الأصول حكم طرف، وفي الفروع حكم الطرف الآخر" (1).
(1) المجموع شرح المهذب: 3 ص 5، 5/ 349، وانظر: كشف الأسرار 4/ 243.