الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شروط المحكوم عليه:
يشترط لصحة التكليف أن يتوفر فيه شرطان:
أولًا: أن يكون قادرًا على فهم دليل التكليف
(1): بأن يفهم بنفسه خطاب الشارع في القرآن والسنة، أو بواسطة غيره بالسؤال والتعلم، لأن طاعة اللَّه تعالى وامتثال أوامره، والابتعاد عن نواهيه، يتوقف على فهم الخطاب، أما العاجز الذي لا يملك قدرة لتفهم الخطاب فلا يمكنه أن ينفذ ما كُلِّفَ به، وأن يمتثل الأحكام وأن يتجه قصده إليها، فلا يقال لمن لا يفهم: افهم، ولا يقال لمن لا يسمع: اسمع، ولا لمن لا يبصر: أبصر (2).
والقدرة على فهم الخطاب تتحقق بوجود العقل من جهة، وبكون النصوص التي يكلف بها العاقل في متناول عقله لفهمها من جهة أخرى، لأن العقل أداة فهم النصوص وإدراكها، قال الآمدي: اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلًا، فاهمًا، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال (3).
وبما أن العقل خفي لا يدرك بالحس، وأنه يتفاوت من شخص إلى آخر، وأنه يتطور وينمو ويتدرج من العدم إلى الكمال في الشخص الواحد، لذا ربط الشارع التكليف بأمر ظاهر منضبط يدرك بالحس،
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 46، الإحكام، الآمدي: 1 ص 138، إرشاد الفحول: ص 11، فواتح الرحموت: 1 ص 143، أصول السرخسي: 2 ص 340، تيسير التحرير: 2 ص 243، أصول الفقه، الخضري: ص 96، وانظر المراجع السابقة، وقال ابن اللحام:"قاعدة: شرط التكليف العقل وفهم الخطاب"، (القواعد والفوائد الأصولية: ص 15)، وانظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 498.
(2)
شرح الكوكب المنير: 1 ص 499، العقيدة النظامية، للجويني: ص 42.
(3)
الإحكام، له: 1 ص 138.
ويدل على تحقق المستوى العقلي المطلوب للقدرة على فهم الخطاب، وهو البلوغ، إقامةً للسبب الظاهر مقام حكمه (1).
قال ابن عبد الشكور: العقل شرط التكليف، وذلك متفاوت في الشدة والضعف، ولا يناط التكليف بكل قدر من العقول، بل رحمة اللَّه اقتضت أن يناط بقدر مُعْتَدٍّ به فأنيط بالبلوغ عاقلًا، لأنه مظنة كمال العقل، فالتكليف دائر عليه وجودًا وعدمًا، لا على كمال العقل ونقصانه، كالسفر أنيط به الحكم لكونه مظنة المشقة، والمشقة أمر غير مضبوط، فالحكم دائر عليه وجودًا وعدمًا، وجدت المشقة أم لا (2).
والبلوغ يكون بتحقق العلامات الطبيعية على جسم الشاب والفتاة، كالاحتلام والحيض، لقوله تعالى:{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59]، ولقوله تعالى:{وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ} [النور: 58]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل"(3)، فقد علقت الآيتان والحديث الأحكام على بلوغ الحلم والاحتلام، مما يدل على أن التكليف يرتبط بالاحتلام، وهذا عند الشاب، ويقابله الحيض
(1) الإحكام، الآمدي: 1 ص 139، تيسير التحرير: 2 ص 248، تسهيل الوصول: ص 297، فواتح الرحموت: 1 ص 154، التوضيح على التنقيح: 3 ص 150، أصول الفقه، خلاف: ص 154، مباحث الحكم: ص 227.
(2)
فواتح الرحموت: 1 ص 154.
(3)
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، قال الشوكاني: في طرقه مقال، لكنه باعتبار كثرة طرقه من قسم الحسن، وباعتبار تلقي الأمة له بالفعل لكونهم بين عامل به ومؤول له صار دليلًا قطعيًّا، ويؤيده حديث:"من اخضر مئزره فاقتلوه" وأحاديث النهي عن قتل الصبيان حتى يبلغوا، إرشاد الفحول: ص 11، سنن أبي داود: 2 ص 228، جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي: 4 ص 685، سنن ابن ماجه: 1 ص 658، المستدرك: 4 ص 389.
عند الفتاة، لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار"(1)، أي لا تقبل صلاة المرأة البالغة التي وصلت إلى سن الحيض إلا بستر الشعر، فعلق الحكم على بلوغها سن المحيض.
فإن لم تظهر علامات البلوغ الطبيعية بالاحتلام أو الحيض فيقدر البلوغ بالسن، والتقدير بالسن مختلف فيه، فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، والصاحبان من الحنفية، والمتأخرون في المذهب، إلى أن سن البلوغ خمس عشرة سنة للصبي والفتاة، بينما قدره الإمام أبو حنيفة بسبع عشرة سنة للأنثى وثماني عشرة سنة للصبي (2).
فمتى بلغ الإنسان الحلم فقد تحقق شرط التكليف، وتمكن العبد من معرفة خطاب الشارع، وإدراك معناه، وتوجيه القدرة والإرادة إلى تنفيذه والالتزام به.
أما إذا بلغ الإنسان الحلم مجنونًا، فيكون الجنون مؤشرًا حقيقيًّا لفقدان العقل الذي يتعلق به التكليف، وبالتالي فلا يكلف المجنون.
وكذلك الصبي قبل البلوغ لا يكلف بالخطاب، وإن توفر فيه العقل بعد التمييز، ولكنه دون المستوى المطلوب لإدراك الخطاب (3).
وكذا الغافل والنائم والسكران لا يكلفون في حالة الغفلة والنوم والسكر، لأنه ليس في استطاعتهم الفهم والإدراك (4)، والدليل على
(1) رواه أبو داود والحاكم عن عائشة.
(2)
انظر مباحث الحكم: ص 262 والمراجع التي أشار إليها في الهامش.
(3)
وروي عن الإمام أحمد روايات أخرى، منها أن المراهق مكلف بالصلاة، ومنها أن ابن عشر مكلف بها، ومنها أن المميز مكلف بالصوم. (انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 500، القواعد والفوائد الأصولية: ص 16، 17).
(4)
يبحث علماء الأصول هنا في مسألة كلامية هي تكليف المعدوم، ثم يفرعون عليها =
ذلك الحديث السابق "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها"(1).
ويتفرع عن هذا الشرط ثلاثة أمور:
1 -
إن المراد من فهم الخطاب التصور وإمكان الفهم، وليس التصديق بالخطاب والاقتناع به، فمن أمكنه فهم الخطاب، وتصور الدليل، فهو مكلف من اللَّه تعالى، سواء كان مصدقًا ومعتقدًا به أم لا، وبالتالي فإن الكفار مخاطبون بالأحكام الشرعية كلها على الرغم من عدم تصديقهم لها، لتوفر إمكان الفهم والتصور للخطاب، وهذا يتفق مع مذهب الجمهور الذي قدمناه عن تكليف الكفار بفروع الشريعة (2).
2 -
إن الصبي والمجنون والسكران غير مكلفين -كما سبق- فكيف تجب عليهم الزكاة والنفقة والضمان؟ وكيف يوجه الخطاب إلى السكران في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43].
والجواب أن الزكاة والنفقة والضمان على الصبي والمجنون ليس
= مسألة تكليف الغافل والسكران والنائم وغير ذلك، وقد عزفنا عن ذكرها لضعف صلتها بعلم الأصول، ولعدم ترتب الآثار عليها، وقلة فائدتها، انظر: فواتح الرحموت: 1 ص 155، المستصفى: 1 ص 83، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 68، منهاج الأصول: ص 14، إرشاد الفحول: ص 11، الإحكام، الآمدي: 1 ص 139، نهاية السول: 1 ص 170، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 166، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 161، شرح الكوكب المنير: 1 ص 513.
(1)
رواه أصحاب السنن والحاكم وأحمد عن أبي سعيد بلفظ "من نام عن وتره".
(2)
تيسير التحرير: 2 ص 243، إرشاد الفحول: ص 11، تسهيل الوصول: ص 297، أصول الفقه، الخضري: ص 96، أصول الفقه، البرديسي: ص 128، القواعد والفوائد الأصولية: ص 57 - 58، شرح الكوكب المنير: 1 ص 500.
تكليفًا لهما، وإنما هو تكليف على الولي بأداء حق الفقراء والمساكين، الذي تعلق بالمال بسبب النصاب، وكذلك دفع النفقة المستحقة للأقارب في ماله، وإعطاء الضمان المتعلق بسبب إتلافه، فالخطاب ليس متعلق بفعل الصبي والمجنون بل بمالهما وذمتهما، وهذا الخطاب ليس حكمًا تكليفيًّا، وإنما هو حكم وضعي، فالأحكام ترتبت على أسبابها (1).
وأن أمر الصبي بالصلاة وهو ابن سبع سنين، هو خطاب لوليه إرشادًا له في التربية والتوجيه.
وأن خطاب السكران ليس خطابًا له حال سكره بأن لا يقرب الصلاة، وإنما هو خطاب للمسلم حال الصحو أن لا يشرب الخمر إذا اقترب وقت الصلاة، حتى لا يقرب الصلاة وهو سكران، وقدره المفسرون بقولهم:"إذا أردتم الصلاة فلا تسكروا"(2)، وكان هذا الحكم قبل التحريم النهائي لشرب الخمر.
ونخلص من هذا أن الغافل والسكران والنائم وغيرهم لا يتعلق بفعلهم الحكم التكليفي، وهو ما فيه طلب أو تخيير، وأن الحكم الوضعي لا يشترط فيه العلم والخطاب، ولا يشترط فيه البلوغ والعقل.
3 -
إن خطاب اللَّه تعالى نزل باللغة العربية، فخاطب البشر جميعًا مع
(1) وكذا لا تكليف على الناسي حال نسيانه، (انظر: المستصفى: 1 ص 84، فواتح الرحموت: 1 ص 143، تسهيل الوصول: ص 298، التوضيح: 3 ص 158، المدخل إلى مذهب أحمد ص 58، الإحكام، الآمدي: 1 ص 139، إرشاد الفحول: ص 11، أصول الفقه، خلاف: ص 155، مباحث الحكم: ص 224، أصول الفقه، أبر زهرة: ص 316، القواعد والفوائد الأصولية: ص 30).
(2)
مختصر ابن الحاجب: ص 47، الإحكام، الآمدي: 1 ص 140، إرشاد الفحول: ص 11، المستصفى: 1 ص 84، فواتح الرحموت: 1 ص 144، تسهيل الوصول: ص 298.