الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثاني:
أسباب الاختلاف التي ترجع مباشرة إلى علم أصول الفقه:
1 -
الاختلاف في حجية بعض مصادر التشريع، إما من حيث ثبوتها، كالسنة غير المتواترة، وإما من حيث كونها مصدرًا تشريعيًّا عند عدم وجود النص.
فقد اتفق الأئمة على حجية القرآن والسنة، وكاد الأمر أن يكون كذلك في الإجماع والقياس، ثم نشأ الخلاف في حجية بقية مصادر التشريع، وسوف يضع القارئ يده على هذا الاختلاف وحقيقته عند دراسة كل مصدر منها، وكان الاختلاف في حجية المصدر من جهة، ثم في فروعه وقواعده من جهة أخرى، كالاختلاف في أنواع الإجماع، والاختلاف في علة القياس ..... وهكذا (1).
2 -
الاختلاف في علوم الحديث الذي ظهر في زمن الصحابة، وتفاقم واشتد في عهد التابعين ومن بعدهم، وتكرس في قواعد ومبادئ في علم الأصول، وقد اتفق المسلمون على أن السنة حجة،
= الفقهاء: ص 103، 147، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية: ص 38، 60، الرسالة: ص 560، مقدمة في أصول التفسير، ابن تيمية، تحقيق الزميل الدكتور عدنان زرزور: 79، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 116 وما بعدها، المختارات الفتحية، أحمد أبو الفتح: ص 77، وانظر تفصيل هذا الموضوع بشكل وافٍ وكامل في رسالة الدكتور محمد أديب صالح، تفسير النصوص: ص 81 وما بعدها، الإنصاف، ابن السيد البطليوسي: ص 211.
(1)
انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، الدهلوي: ص 15، الفقه المقارن، الزفزاف: ص 12 وما بعدها، الإحكام، الآمدي: 2 ص 93، محاضرات في أسباب الاختلاف، الخفيف: ص 180، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 111، الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف، ابن السيد البطليوسي: ص 171 وما بعدها.
وأن الحجة فيما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل صحيح، ومع ذلك ظهر الاختلاف في عدة حالات أهمها:
أ - عدم العلم بالحديث من الصحابي أو من غيره، لعدم الإحاطة بالسُّنة، فيقضي العالم بظاهر آية، أو بحديث آخر، أو يجتهد رأيه، فأبو بكر لم يعلم بحديث ميراث الجدة (1)، وعمر لم يبلغه حديث الاستئذان، وحديث إرث المرأة من دية زوجها، وحديث الجزية على المجوس، وعثمان لم تبلغه السُّنَّة في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية، وعليّ لم يعلم بصلاة التوبة (2)، ولا بعدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وغير ذلك من الأحاديث التي لم تصل إلى الخلفاء الراشدين بينما علمها غيرهم، وهكذا الأمر في بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ب - عدم ثبوت الحديث عند الصحابي بعد علمه به لعدم ثقته بالراوي، بينما ثبت عند غيره، وبرز هذا الاختلاف في عهد التابعين ومن بعدهم، لكون أحد رجال السند مجهولًا أو متهمًا أو سيئ الحفظ، أو كان السند منقطعًا أو مضطربًا وغير ذلك من علل الحديث، بينما ثبت الحديث عند آخر صحيحًا متصلًا مقبولًا، وترتب على ذلك اختلاف في الأحكام.
ج- الاعتقاد بضعف الحديث لمعرفة خاصة بأحد رجال السند، فيَرُدُّ حديثه، في حين يخفى الأمر على آخر، فيقبله، أو عرف كل منهما
(1) تذكرة الحفاظ 1/ 2.
(2)
عن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى إلا غفر له" ثم قرأ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} .. إلى آخرها، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب.
سبب الجرح فاعتقد أحدهما أنه علة تؤثر في الراوي، واعتقد الآخر أنه لا يجرحه ولا يؤثر فيه، أو لاختلاف حالة الشخص الواحد من ضبط إلى اضطراب، ومن حفظ إلى نسيان، وهذا معروف في مصطلح الحديث، فالاختلاف في قواعد المصطلح يؤدي إلى الاختلاف في الحكم على الحديث صحة وضعفًا، وقبولًا ورفضًا، وانتقل إلى علم الأصول، فاختلفوا في أنواع الحديث المتواتر والمشهور والآحاد، وحجية كل منها، وخاصة في حديث الآحاد إذا خالف القياس، أو كان فيما تعم به البلوى، كما اختلفوا في أنواع أخرى من الأحاديث كالحديث المرسل، والعمل بالحديث الضعيف.
د - وضع الشروط لقبول خبر الآحاد، وسوف نفصل الاختلاف في حجية خبر الآحاد والاختلاف في شروطه في مبحث السنة إن شاء الله تعالى (1).
هـ - نسيان الحديث، لأن السُّنة لم تكن مدوَّنة، وكان الاعتماد فيها على الحفظ، والإنسان قد ينسى، فقد نسي عمر بن الخطاب حديث التيمم من الجنابة عند عدم الماء، فذكَّره به عمار، والأمثلة على ذلك كثيرة، وهذا يؤدي إلى الاختلاف في الحكم، ثم تكرس هذا الخلاف فيما بعد (2).
3 -
الاختلاف في القواعد والمبادئ الأصولية، اختلف علماء
(1) المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الأول من هذا الكتاب.
(2)
انظر تفصيل هذا الموضوع مع الأمثلة في رفع الملام، ابن تيمية: ص 4 وما بعدها، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: ص 16 وما بعدها، الفقه المقارن، الزفزاف: ص 16، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء ص 24، الفقه المقارن، حسن الخطيب: ص 21، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية، الدكتور مصطفى الخن: ص 42، الأحكام في أصول الأحكام، ابن حزم: 2 ص 238، حجة الله البالغة: 1 ص 313.
الأصول في القواعد والضوابط التي وضعوها في علم الأصول، ونتج عن هذا الاختلاف في القواعد اختلاف بين الفقهاء في الفروع الفقهية، والأحكام التفصيلية (1)، ونذكر بعض الأمثلة:
أ- الاختلاف في القواعد الأصولية في دلالة الألفاظ على الأحكام، فقال الجمهور: إن دلالة اللفظ تكون بالمنطوق والمفهوم، وقال الحنفية: إن دلالة اللفظ تكون إما بالعبارة أو الإشارة أو النص أو الاقتضاء، واختلفوا اختلافًا واسعًا في المفهوم، ونتج عن ذلك اختلاف في الفروع.
ب- الاختلاف في القواعد الأصولية في شمول الألفاظ وعدمها، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والزيادة على النص، وهذا الاختلاف نشأ عن الاختلاف في اللغة، والاختلاف في معرفة المراد من النص، وترتب عليه الاختلاف بين الفقهاء.
ج- دلالة الأمر والنهي، ودلالة العام القطعية والظنية، مثلًا: هل الأمر يفيد الوجوب أم الإباحة؟ وهل النهي يفيد التحريم أم الكراهة، وهل دلالة العام قطعية أم ظنية
…
؟
د- قواعد التعارض والترجيح، سواء كان التعارض بين نصين في القرآن الكريم، أو بين نصين في الحديث، أو بين آية وحديث، أو كان التعارض بين قاعدتين في الترجيح، وقد اختلف العلماء في هذه القواعد، ونتج عنها اختلاف في الأحكام.
(1) لخص ابن رشد هذه الأسباب فقال: (إن أسباب الاختلاف ستة، أحدها: تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عامًّا
…
، وثانيًا: الاشتراك .. ، والثالث: اختلاف الأعراب، والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو المجاز .. ، والخامس: عدّه اللفظ مطلقًا .. ، والسادس: التعارض بين القياسات أو الإقرارت
…
" بداية المجتهد، له 1/ 6.