الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة"(1).
4 -
الأمر المستثنى من أمر عام محكوم فيه، مثل قوله تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، فالآية الكريمة حرمت المحصنات بلفظ عام، ثم استثنت منه النساء اللاتي يملكهن الإنسان بالرق، ومثل ذلك ما سبق بيانه في المباح من قوله تعالى:{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} ] البقرة: 229]، فقد حرم اللَّه تعالى على الزوج أن يأخذ شيئًا مما دفعه إلى زوجته، ثم استثنت الآية الكريمة حال عدم الوفاق وعدم تحقيق أغراض الزواج وانتفاء موضوعه، واحتمال انتهاك حرمات اللَّه فيه، فأباح أخذ المال من الزوجة في سبيل إطلاق، يدها وفسخ عقد الزواج بينهما، وهو الخلع، فيكون عزيمة (2).
ثانيًا: الرخصة
تعريف الرخصة:
الرخصة في اللغة: التيسير والتسهيل، أو اليسر والسهولة، والرخص ضدّ الغلاء، وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (3).
وفي الاصطلاح عرفها البيضاوي بأنها: "الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر"(4).
(1) رواه ابن ماجه عن ابن مسعود، ورواه مسلم عن بريدة، والحاكم عن أنس.
(2)
مباحث الحكم: ص 116.
(3)
المصباح المنير: 1 ص 304، القاموس المحيط: 2 ص 304.
(4)
نهاية السول: 1 ص 87، وانظر: المستصفى: 1 ص 98، تيسير التحرير: 2 ص 228، مختصر ابن الحاجب: ص 43، تسهيل الوصول: ص 251، كشف الأسرار: =
1 -
الحكم: أي الشرعي، وهو جنس يشمل الرخصة والعزيمة.
2 -
الثابت على خلاف الدليل: قيد أول، والثابت إشارة إلى أن الرخصة لا تكون إلا بدليل مع وجود العذر، والدليل هو الدليل الشرعي الصحيح، الذي سبق شرحه في أول الكتاب، سواء أكان هذا الدليل يفيد الإيجاب كصيام رمضان، أو التحريم كتحريم الميتة، أم الندب كترك الجماعة، أم الكراهة أم الإباحة، أي الدليل الذي يثبت به الحكم الأصلي، وهو العزيمة التي سبق بيانها، وتأتي الرخصة على خلاف هذه الأدلة، فيجوز الإفطار في رمضان للمسافر رخصة، ويجوز أكل الميتة للمضطر رخصة، ويجوز ترك الجماعة لمرض رخصة.
وهذه العبارة احتزاز عن الحكم الخاص الذي لا يخالف دليلًا شرعيًّا، لعدم ورود دليل أصلًا، كحل المنافع المباحة من أكل وشرب ولبس مما لم يرد على منعها دليل، فإباحتها لا تكون رخصة، وإنما تبقى مباحة بحسب الأصل، ويحترز أيضًا عن دليل المنع المنسوخ أو المرجوح، فالحكم الثابت على خلافهما لا يعتبر رخصة بل هو عزيمة (1).
3 -
لعذر: قيد ثان، لإخراج ما يستباح لغير عذر، وهذا العذر أعم من الضرورة أو المشقة أو الحاجة، فيشمل الضرورة كأكل الميتة في
= 2 ص 670، الإحكام، الآمدي: 1 ص 122، التلويح: 3 ص 82، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 87، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 71، الموافقات: 1 ص 205، أصول السرخسي: 1 ص 117، شرح الكوكب المنير: 1 ص 478، الأشباه والنظائر، السيوطي: ص 76، 82.
(1)
مثال الحكم المخالف لدليل منسوخ جواز فرار مسلم واحد إذا التقى بأكثر من كافرين اثنين، وحرمة قتل النفس توبة، وحرمة إحراق الغنائم، ومثال الدليل المرجوح النص العام الذي يخالفه دليل خاص، مثل عدم قتل المستأمن مع قوله تعالى:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] فهذه الأحكام ليست رخصة بل عزيمة.
المخمصة، والمشقة كالإفطار في رمضان للمسافر، والحاجة كالسلم (1).
ولفظ العذر احتزاز أيضًا عن التكاليف الشرعية، فالأصل عدم التكليف، فإذا ورد التكليف فلا يعتبر ذلك رخصة؛ لأنه ثبت للابتلاء والاختبار، وليس لعذر، واحتراز أيضًا عن وجوب ترك الحائض للصلاة، وغيرهما من الأحكام التي تثبت لمانع وليس لعذر (2)، والفرق بينهما أن العذر يجتمع مع المشروع كالسفر والمرض مع الصوم، أما المانع فلا يجتمع معه، بل يمنع وجوده أصلًا، كما سبق في تعريف المانع (3).
وهذه الرخصة التي تثبت على خلاف الدليل لعذر تشمل الأحكام الشرعية الأربعة، وهي: الإيجاب والندب والكراهة والإباحة، وبتعبير آخر تشمل أفعال المكلف التي تتعلق بها الأحكام (4)، ونضرب مثالًا لكل منها:
1 -
الواجب: مثل أكل الميتة للمضطر، فهو واجب عند جمهور الفقهاء (5).
(1) قارن ما جاء في مباحث الحكم: ص 117، فإنه يرى أن السلم والقراض والمساقاة ليست رخصة لأنها شرعت لعذر غير شاق، والرخصة تختص بالشاق، وتسمى رخصة مجازًا.
(2)
حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 124.
(3)
عرف بعض الحنفية الرخصة بأنها ما تغيَّر من عسر إلى يسر لعذر، وهذا تعريف عام يشمل الرخصة الحقيقية والمجازية، فالناسخ لعذر رخصة عندهم، وهذا توسع في الرخصة، انظر تسهيل الوصول: ص 251، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 88.
(4)
جمع الجوامع وحاشية البناني: 1 ص 121، التوضيح: 3 ص 82، تيسير التحرير: 2 ص 229، نهاية السول: 1 ص 90، المستصفى: 1 ص 99، المجموع: 4 ص 222، وقارن الموافقات: 1 ص 209، شرح الكوكب المنير: 1 ص 479.
(5)
قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، بحسب الأحوال، =
2 -
المندوب: مثل القصر للمسافر عند الجمهور خلافًا للحنفية، فإنهم يعتبرون القصر عزيمة وليس رخصة.
3 -
المباح: مثل رؤية الطبيب لعورة المرأة أو الرجل، فالنظر في الأصل محرم، ولكنه أبيح لرفع الحرج عن الناس، ومثل الإجارة والمساقاة والسلم، فإنها رخصة مجازية، لأنها عدول عن القياس لعذر، وهو الحاجة إليها، ومثل الجمع بين الصلاتين في غير مزدلفة وعرفة؛ فإنه رخصة عند الجمهور، خلافًا للحنفية الذين يمنعون الجمع إلا في مزدلفة وعرفة (1).
4 -
المكروه: مثل النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فالنطق بالكفر حرام، وعند الإكراه يجوز النطق بها، مع الكراهة، وإن صبر فأولى كما سنرى، ومثل قصر الصلاة لأقل من ثلاث مراحل عند الشافعية، ومثل الإفطار في رمضان، فإنه خلاف الأولى، لقوله تعالى:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184].
ولا يخطر على البال أن يرخص اللَّه تعالى في أمر وتكون الرخصة حرامًا، فإن اللَّه تعالى لا يشرع الحرام (2)، ولأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إن اللَّه يحب أن تُؤتى رُخَصُه، كما يحب أن تؤتى عزائمه"(3)، وقال لعمار:"إن عادوا فَعُدْ"(4).
= انظر: تفسير ابن كثير: 2 ص 14، المجموع: 4/ 222، الأشباه للسيوطي: ص 82.
(1)
مباحث الحكم: ص 123، نهاية السول: 1 ص 90، شرح الكوكب المنير: 1 ص 480.
(2)
كشف الأسرار: 2 ص 619.
(3)
رواه أحمد والبيهقي وابن حبان عن ابن عمر، وفي لفظ لأحمد: "من لم يقبل رخصة اللَّه كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة،، تفسير ابن كثير: 2 ص 14، مسند أحمد: 2 ص 71، 108، ورواه البزار بإسناد حسن، والطبراني وابن حبان وصححه (الترغيب والترهيب 2/ 135).
(4)
رواه البيهقي وغيره.