الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني في حجية السنة
اتفق العلماء على أن السنة الصحيحة الثابتة التي صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصد التشريع والاقتداء حجة على المسلمين، ومصدر تشريعي لهم متى ثبتت بسند صحيح إما بطريق القطع، أو غلبة الظن، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة واضحة بينة لا تدخل تحت الحصر، وصار عندهم يقين جازم بأنه لا فرق بين حكم ثبت بالكتاب وحكم ثبت بالسنة، وهذه الأدلة من القرآن الكريم وإجماع الصحابة والمعقول، وأهمها ثبوت العصمة للنبي صلى الله عليه وسلم (1).
أولًا: القرآن الكريم:
استدل العلماء على حجية السنة بنصوص القرآن الكريم، وذلك من عدة وجوه، أهمها ما يلي:
1 -
أحال القرآن الكريم إلى السنة بعبارة صريحة، حيث طلب الله تعالى من رسوله أن يبين للناس ما أنزل إليهم من أحكام القرآن، فقال عز وجل:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
(1) انظر شرح الكوكب المنير: 2 ص 167.
فأصبح بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة بتكليف الله تعالى وتفويض منه.
2 -
أمر الله تعالى بطاعة رسوله، والطاعة تفيد الالتزام بأمر المطاع وتنفيذ طلباته (1)، قال تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)} [النور: 56].
3 -
ربط الله تعالى محبته باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31].
قال الآمدي: ومحبة الله واجبة، والآية دلت على أن متابعة النبي عليه السلام لازمة لمحبة الله الواجبة (2).
4 -
قرن الله تعالى طاعته بطاعة رسوله في آيات كثيرة، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)} [الأنفال: 20] وقال تعالي: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: 32] وجعل طاعة الرسول طاعة له، فقال تعالى:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].
فهذه الآيات الكريمة تدل دلالة قاطعة على أن الله تعالى يوجب اتباع رسوله فيما شرعه، وأن الالتزام بطاعة الرسول كالالتزام بطاعة الله، وأن تنفيذ أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأوامره كتنفيذ أقوال الله تعالى وأوامره والانتهاء عما نهى عنه (3).
5 -
أمر الله تعالى برد الحكم إلى الله والرسول عند التنازع والاختلاف، فقال تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59] ، وهذا دليل على وجوب الرجوع إلى حكم الله
(1) الرسالة، للإمام الشافعي: ص 33.
(2)
الإحكام في أصول الأحكام، له: ص 162.
(3)
الإحكام، ابن حزم: 1 ص 87.
تعالي الوارد في القرآن الكريم، وإلى حكم الله تعالى الثابت بالسنة الشريفة (1).
6 -
وصف القرآن الكريم رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفات المشرع، فقال تعالى:{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]، وهذه الآية صريحة الدلالة في أن أوامره ونواهيه شرع للمسلم، بل وصفه الله تعالى بالعصمة في التشريع، فقال تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3، 4].
7 -
نبه القرآن الكريم إلى مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم التشريعية، وحذر من مخالفة أمره، وهدد بالفتنة والعذاب لمن يخالف أمره، قال تعالى:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)} [النور: 63] وهذا يدل على وجوب اتباعه والاقتداء به والالتزام بما يصدر عنه (2).
8 -
أمر القرآن الكريم الأمة بالأخذ بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم والنهي عما نهاهم عنه، فقال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
9 -
نص القرآن الكريم أن الله تعالى أعطى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم الكتاب والحكمة في آيات كثيرة (3)، فقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
(1) الرسالة: ص 79، الإحكام، ابن حزم الأندلسي: 1 ص 87 ، 88.
(2)
الإحكام، الآمدي: 1 ص 162.
(3)
انظر تفصيل ذلك في الرسالة: ص 76، للإمام الشافعي رحمه الله تعالى الذي بين مكانة السنة وحجيتها، وفند شبه المنحرفين والمتشككين فيها بأسلوب رائع لم يسبق إليه حتى سمي بناصر السنة.
وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164] وقال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2].
قال العلماء: الحكمة هي السنة (1)، مما يدل على أن الله تعالى أوحاها إليه، وأنزلها عليه.
10 -
نص القرآن الكريم على وجوب الرضا بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن حكمه ملزم للمسلمين في أمورهم الخاصة، دون خيار لهم، فقال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
11 -
نفى القرآن الكريم الإيمان عمن يرفض المثول لقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يسخط عليه ولا يستسلم له أو لا يقبله، فقال تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65] ووصم الله تعالى من يصد ويعرض عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه منافق (2)، فقال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)} [النساء: 61].
12 -
بيّن القرآن الكريم أن من صفات الرسل عامة وجوب طاعتهم من الأمة التي أرسلوا إليها، فقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] ونص على ذلك في شأن كل رسول خاصة فقال تعالى: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108)} [الشعراء: 107، 108].
13 -
خاطب القرآن الكريم الأمة واعظًا ومرشدًا بأنه جعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة لمن يبتغي تطبيق شرعه، ويطمع في رضوان
(1) الرسالة: ص 32، 78، جماع العلم، للإمام الشافعي: 7 ص 250.
(2)
الإحكام، ابن حزم: 1 ص 91.