الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني في تعريف أصول الفقه لقبًا
عرف الشافعية أصول الفقه -باعتباره لقبًا- بتعريف يختلف عن تعريف الجمهور، وإليك التعريفين:
أولًا: تعريف الشافعية:
عرف البيضاوي من الشافعية أصول الفقه بأنه "معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد"(1).
1 -
المعرفة: هي العلم والتصديق بأدلة الفقه الإجمالية، سواء أكان التصديق على سبيل القطع، أم على سبيل الظن، ومن هذا يظهر السبب
(1) منهاج الوصول، له: ص 3، وانظر نهاية السول: 1 ص 17، غاية الوصول: ص 4، وذهب كثير من علماء الأصول إلى تعريف أصول الفقه بأنه "دلائل الفقه
…
" والفرق بينهما أن الأول يعرفه بأنه معرفة الأدلة، بينما يقصره الثاني على نفس الأدلة، وكلا التعريفين صحيحان، لأن اسم أي علم من العلوم، كعلم النحو، أو علم الفقه، أو علم الأصول، يطلق على القواعد التي تدرس فيه، ويطلق على التصديق بهذه القواعد ومعرفتها، كما يطلق على الملكة الناشئة عن مزاولة هذه القواعد، انظر شرح التعريف، في نهاية السول: 1 ص 19، أصول الفقه لغير الحنفية، عدد من العلماء: ص 6 وما بعدها.
في اختيار لفظة المعرفة، دون لفظة العلم، لأن البيضاوي يحصر معنى العلم بالتصديق على سبيل القطع. ويخرج من التعريف علم الله تعالى بالأدلة، لأن علمه تعالى قطعي، وليس ظنيًّا (1).
2 -
دلائل: جمع دلالة بمعنى دليل، أو جمع دليل، والدليل في اللغة: المرشد إلى الشيء، والكاشف عن حقيقته (2).
وفي الاصطلاح: هو ما يمكن بالنظر فيه التوصل إلى إدراك حكم شرعي على سبيل العلم أو الظن (3)، مثل قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وقوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [يونس: 87]، وقوله تعالى:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190].
فهذه الآيات الكريمة أدلة عند الأصوليين، لأنهم ينظرون إليها بأنها أوامر شرعية، ويتوصلون منها إلى إدراك الأحكام الشرعية بوجوب الوفاء بالعقد، وإقامة الصلاة، والجهاد في سبيل الله.
والصحيح عند جمهور الأصوليين أن الدليل إما أن تكون دلالته على الحكم قطعية بأن ينتج حكمًا قطعيًّا، وإما أن تكون ظنية بأن ينتج حكمًا ظنيًّا، بينما قصر بعض الأصوليين الدليل على ما يتوصل منه إلى إدراك حكم شرعي قطعي، أو ما يتوصل منه إلى إدراك حكم شرعي ظني فهو أمارة (4).
(1) المعرفة أعم من العلم من حيث إنها تشمل اليقين والظن، أما العلم فلا يطلق إلا على اليقين، كما أن المعرفة أخص من العلم لأنها تشمل العلم المستحدث أو بعد انكشاف، أما العلم فيشمل العلم غير المستحدث، وهو علم الله تعالى، فإنه لم يسبقه جهل، ويشمل العلم المستحدث بعد الجهل، وهو علم العباد، انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 65، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 10.
(2)
القاموس المحيط: 3 ص 377، المصباح المنير: 1 ص 270.
(3)
انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 52.
(4)
نهاية السول: 1 ص 19.
والدليل إما أن يكون مجملًا، كمطلق الأمر والنهي، الذي ينتج حكمًا كليًّا، هو الوجوب والحرمة، ويندرج تحته أدلة جزئية، وإما أن يكون دليلًا جزئيًّا تفصيليًّا يدل على الحكم في مسألة بذاتها، ويندرج تحت دليل كلي، كالأمر بإقامة الصلاة، الذي يدل على وجوبها، وهذه من مباحث الفقه، وتذكر استطرادًا في الأصول (1).
والمراد بمعرفة الأدلة أن يعرف أن الكتاب والسنة والإجماع والقياس أدلة يحتج بها، وأن الأمر مثلًا للوجوب، ولا يقصد حفظ الأدلة.
ويخرج من التعريف معرفة غير الأدلة، كمعرفة أحكام الفقه، وقواعد النحو، ومبادئ البلاغة، وأسباب الخلاف؛ فإنها ليست أدلة.
3 -
الفقه: لغةً الفهم، وإصطلاحًا: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، ومر شرحه في المبحث السابق.
وإن إضافة الدلائل للفقه تفيد العموم، لأنه جمع مضاف، فيعم جميع الأدلة سواء كانت متفقًا عليها أو مختلفًا فيها (2).
ويخرج من التعريف دلائل غير الفقه، كالنحو والقانون، فلا تدخل في موضوعنا.
4 -
إجمالًا: حال من الدلائل، أي دلائل الفقه الإجمالية الكلية غير المعينة، التي يدخل تحتها جزئيات كثيرة، مثل كون الإجماع حجة، وأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد ما يؤيده بشريعتنا، وأن النهي يفيد التحريم.
فلا يدخل في علم أصول الفقه الدليل التفصيلي للأحكام الجزئية في
(1) مباحث الحكم عند الأصوليين: ص 10.
(2)
نهاية السول: 1 ص 20، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 12.
علم الفقه وعلم الخلاف، مثل قوله عليه الصلاة والسلام:"لا وصية لوارث"(1) فهو دليل على نسخ الوصية للوارث.
5 -
كيفية الاستفادة منها: أي معرفة ما يميز الدليل الصحيح من الدليل الباطل، والدليل القوي من الدليل الضعيف (2)، وذلك أن أدلة الفقه التفصيلية ظنية من جهة دلالتها على الأحكام الشرعية، أو من جهة ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو من الجهتين معًا، وقد يتعارض الدليل الظني مع دليل آخر فيحتاج الفقيه إلى معرفة تعارض الأدلة، ومعرفة الأسباب التي يرجح بها بعض الأدلة على بعض، وهذا ما يدرسه الأصولي في باب التعارض والترجيح الذي يعين المجتهد، ويستفيد منه لبيان الدليل الصحيح المثبت للأمر أو النهي.
6 -
وحالة المستفيد: أي معرفة صفة المستفيد، وهو المجتهد، وذلك أن استنباط الأحكام من أدلتها، وترجيح الدليل على غيره عند التعارض، لا يتسنى لكل إنسان، ولذا يشترط في المجتهد أن تتوفر فيه صفات وشروط كثيرة حتى يستطيع القيام بهذا العمل الخطير، وهي شروط المجتهد، وقد بحثها الأصوليون في باب شرائط الاجتهاد (3)، وأهمها:
(1) رواه الشافعي وأحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والدارقطني عن جابر، وهو ما تلقته الأمة بالقبول، وأصبح مشهورًا، انظر تخريج هذا الحديث في هامش الرسالة: ص 141.
(2)
ذكر الأسنوي في شرح التعريف أن المراد من هذه الجملة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة وهذا معنى لازم للتعريف، وقد رجح العلماء المعنى الأول في الأعلى، وهو المرجحات، لعطفها على الدلائل، والعطف يقتضي المغايرة، انظر: نهاية السول: 1 ص 21، وأصول الفقه لغير الحنفية: ص 12.
(3)
ذهب الأسنوي رحمه الله إلى أن المراد من عبارة "حال المستفيد" أنها تشمل المجتهد والمقلد، وأن شرائط الاجتهاد والتقليد تدخل في علم الأصول، والصحيح أنه لا يصح إدخال المقلد في الأصول أصلًا، لأن الاستفادة من الدليل هو استنباط الأحكام ومعرفتها وتمييز الصحيح منها، والمقلد قاصر عن القيام بهذا، فلا يدخل =