الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الصوم مثلًا تهذيب النفس وتربية الروح، وتعويد المرء على الصبر، وليس المقصود إيلام النفس بالجوع والعطش (1).
ويجب على المكلف أن يتحرى مقاصد الشريعة في التكليف، وأن لا يقصد مجرد المشقات التي فيها، ومن فعل ذلك ظانًّا زيادة الأجر والتقرب فقد أخطأ، ولا أجر له، ولكن له أن يقصد العمل الذي يعظم أجره وتعظم مشقته (2).
ثانيًا: المشقة غير المعتادة:
وهي المشقة الخارجة عن معتاد الناس، ولا يمكن أن يداوموا على تحملها، وأن المداومة على هذه المشقة يرهق المكلف ويقطعه عن التكليف، ويناله الضرر والأذى في النفس والمال، وهذا يتنافى مع مقاصد الشريعة (3).
وهذا النوع لم يرد في التكاليف الشرعية إلا استثناء (4)، وإذا حصلت مثل هذه المشقة، لعارض ما، فقد شرع سبحانه وتعالى الرخصة ورغب
(1) أصول الفقه، الخضري: ص 85.
(2)
الموافقات: 2 ص 91.
(3)
أصول الفقه، خلاف: ص 153، مباحث الحكم: ص 197، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 305، الموافقات: 2 ص 84.
(4)
ورد التكليف بأمور شاقة استثناء في أحوال خاصة لمقاصد معينة وبشروط معينة، وذلك لجواز التكليف فيها لا على وجه الدوام والاستمرار من جهة، أو فيها دوام واستمرار ولكن ليست فرض عين على جميع المكلفين، إنما هي فرض كفاية على من يجاهد نفسه ويتحمل هذه المشقة، مثل الجهاد في سبيل اللَّه، ففيه مشقة شديدة تؤدي إلى القتل والموت، ولا يستطيع كل الناس تحمل هذه المشقة، فكان الجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ومثل الصبر على العذاب والقتل عند الإكراه على الكفر، وغير ذلك من العزائم الشديدة التي تتضمن مشقة كبيرة على المكلف، وهذه المشقة ليست مقصودة أيضًا، ولكن تبذل في سبيل الحفاظ على أمر هام، ولدفع ضرر أشد، انظر: أصول الفقه، أبو زهرة: ص 306.
في ترك العزيمة، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه"(1)، مثال ذلك المشقة في الصيام للمريض والحامل والعاجز والمرضع، فرخص اللَّه تعالى لهم في الإفطار، ومثل المشقة والضرر في استعمال الماء للطهارة فرخص الشارع في التيمم، وغير ذلك من الرخص التي سبق الكلام عنها في مطلب الرخصة والعزيمة، ووضع العلماء القاعدة المشهورة في ذلك "إباحة المحظورات عند الضرورات".
كما نص الشارع على النهي عن قصد تلك المشقة، ومنع الناس من اللجوء إليها، فنهى عن صوم الوصال، وعن المثابرة في قيام الليل، والترهب للعبادة، والصيام في الشمس، والحج ماشيًا، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"(2)، وقال عمن نذرت أن تحج ماشية:"إن اللَّه لغني عن مشيها"(3)، وقال صلى الله عليه وسلم:"خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يمل حتى تملوا"(4)، وقال:"هلك المتنطعون"(5)، وقال:"إن هذا الدين متينٌ فأوغل فيه برفق"(6)، وقال:"إن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى"(7)، وقال صلى الله عليه وسلم:"ليس من البر الصيام في السفر"(8).
(1) رواه أحمد والبيهقي والطبراني.
(2)
رواه البخاري ومسلم والنسائي.
(3)
رواه أحمد، وروى مثله البخاري ومسلم وأبو داود بلفظ آخر، مسند أحمد 4/ 143.
(4)
رواه البخاري ومسلم عن عائشة.
(5)
رواه مسلم وأبو داود وأحمد عن ابن مسعود.
(6)
رواه أحمد والبزار عن أنس وجابر.
(7)
رواه البزار عن جابر.
(8)
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد.