الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بابُ التَّيَمُّم
يَتيمَّمُ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ لِأَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: فَقْدُ الْمَاءِ، فَإِنْ تيًقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَهُ .. تَيَمَّمَ بِلَا طَلَبٍ،
===
(باب التيمم)
هو لغةً: القصد، تقول: يَمَّمْتُ فلانًا: إذا قصدتَهُ، وشرعًا: إيصالُ الترابِ إلى الوجه واليدين بشرائطَ مخصوصةٍ.
وهو رخصة، وقيل: عزيمة، وقيل: إن تيمم لفقد الماء .. فعزيمة، أو لعذر .. فرخصة، ومن فوائد الخلاف: ما لو تيمم في سفرِ معصيةٍ لفقد الماء، فإن قلنا: رخصة .. وجب القضاءُ، وإلّا .. فلا، ذكره في "الكفاية"(1).
(يتيمم المحدثُ) بالإجماع، (والجنبُ) لقصة عمّار في "الصحيح"(2).
والحائض والنفساء في معناهما، وكذا من ولدت ولدًا جافًّا، والمأمور بغُسلٍ مسنونٍ كغُسل جمعةٍ ونحوِه، فإنهم يَتيمَّمون أيضًا، قال الإسنوي:(والقياس: أن المأمور بوضوءٍ مسنونٍ يتيمّم أيضًا كما في نظيره من الغُسل، وكذلك الميت يُيمَّم)(3) كما سيأتي.
(لأسباب: أحدها: فقد الماء) لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ، والفقد الشرعيُّ كالحسيِّ، فلا يتوضأ مما سُبِّل للشرب.
قال الرافعي: والمبيح للتيمم هو العجز فقط إلّا أن العجزَ له أسبابٌ، ثم قال: ولا شكَّ أن الأسبابَ المبيحةَ يكفي فيها الظنُّ، ولا يُشترط اليقينُ (4).
(فإن تَيقَّن المسافرُ فقدَه) كأن كان في بعض رمال البوادي ( .. تيمم بلا طلبٍ) لأن الطلبَ حينئذ عبثٌ.
(1) كفاية النبيه (2/ 17).
(2)
أخرجها البخاري (347)، ومسلم (368).
(3)
المهمات (2/ 272).
(4)
الشرح الكبير (1/ 196 - 197).
وَإِنْ تَوَهَّمَهُ .. طَلَبَهُ مِنْ رَحْلِهِ وَرُفْقَتِهِ، وَنَظَرَ حَوَالَيْهِ إِنْ كَانَ بِمُسْتَوٍ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى تَرَدُّدٍ .. تَرَدَّدَ قَدرَ نَظَرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ .. تَيَمَّمَ،
===
(وإن تَوهَّمه .. طَلبَه) وجوبًا؛ إذ لا يقال من لم يَطلب: لم يجد، والمقيمُ في الطلب كالمسافر وإن اختلفا في كيفيته، والتقييدُ إنما أتي به للغالب، (مِنْ رَحله) وهو منزله بأن يُفتِّشه (ورُفْقَته) ولا يجب أن يطلب من كلِّ واحدٍ بعينه، بل يكفي نداءٌ عامٌّ منه، أو من وكيله؛ بأن يقول:(من معه ماءٌ يبيعه، أو يجود به؟ ) ونحو ذلك، ويكفي طلبُ واحدٍ عن الركب بإذنهم.
(ونَظَرَ حواليْه) من الجهات الأربع (إن كان بمستوٍ) من الأرض، ويَخص مواضعَ الْخُضْرَة، واجتماعِ الطيور بمزيدِ احتياطٍ.
(فإن احتاج إلى تَردُّد) بأن كان ثمَّ وَهْدة، أو جبلٌ ونحوُ ذلك ( .. تَردَّد) إن لم يخف على نفسه أو مالِه (قدرَ نظرِه) لو كان بمستوٍ.
وضبطه الإمام: بحدِّ الغوث، وهو الموضعُ الذي لو استغاث بالرِّفقة .. لم يبعد غوثهم عنه، مع تشاغلهم بأحوالهم والتفاوض في أقوالهم، ويختلف ذلك باستواء الأرضِ واختلافِها صعودًا وهبوطًا) (1).
وتبعه الغزالِيُّ على ذلك، وجزم به في الروضة"، وقال الرافعي: لا يكفي هذا الضبط لغيره، وليس في الطرق ما يخالفه، قال ابن الرفعة: بل عبارة الماوردي توافقه (2).
وقال في "شرح المهذب": بل خالفوه، فإنهم قالوا: إن كان بمستوٍ .. نظر حواليه، ولا يلزمه المشيُ أصلًا، وإن كان بقربه جبلٌ .. صَعِد، ونظر حواليه إن أمكن (3).
(فإن لم يجد) بعد البحث المذكور ( .. تيمم) لحصول الفقد.
(1) نهاية المطلب (1/ 186).
(2)
الوسيط (1/ 354)، روضة الطالبين (1/ 92)، الشرح الكبير (1/ 197)، كفاية النبيه (2/ 54).
(3)
المجموع (2/ 279).
فَلَوْ مَكَثَ مَوْضِعَهُ .. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ الطَّلَبِ لِمَا يَطْرَأُ. فَلَوْ عَلِمَ مَاءً يَصِلُهُ الْمُسَافِرُ لِحَاجَتِهِ .. وَجَبَ قَصْدُهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ،
===
(فلو) طلب كما مرّ وتيمّم و (مكث موضعَه .. فالأصح: وجوبُ الطلب) ثانيًا (لما يَطرأ) مما يحوج إلى تيممٍ مستأنفٍ؛ كالحدث وفريضةٍ أخرى ونحوِهما؛ لأنه قد يطلع على بئرٍ خفيت عليه، أو يجد من يَدلُّه عليه، وقياسًا على إعادةِ الاجتهادِ في القبلة، لكن يجعل الطلبَ الثانِيَ أخفَّ، والثاني: لا؛ لأنه لو كان هناك ماءٌ .. لظفر به بالطلب الأول.
ومحلُّ الخلافِ: ما إذا لم يحدث ما يوهم ماءً، فإن حدث ذلك - كطلوع رَكْب، وإطباق غمامةٍ - .. وجب الطلب جزمًا.
وقوله: (مكث موضعه) من زياداته على "المحرّر"(1)، واحترز به: عمَّا إذا انتقل إلى موضعٍ آخر .. فإنه يجب الطلب قطعًا.
(فلو علم) مسافر (ماءً يَصله المسافرُ لحاجته) كاحتطابٍ ونحوه ( .. وجب قصده) لأنه إذا كان يَسعى إليه لأشغاله الدنيوية .. فللعبادة أولى، وهذا المقدار هو المسمَّى بحد القرب، وهو أزيدُ من حدّ الغوث الذي يسعى إليه عند توهم الماء كما مرَّ، قال محمد بن يحيى: ولعلَّه يقرب من نصفِ فرسخٍ، كذا نقلاه عنه، وأقراه (2).
(إن لم يَخف ضررَ نفسٍ أو مالٍ) فإن خاف على نفسه أو طرفه من عدوٍّ أو سبع، أو خاف على ماله الذي معه، أو المخلّف في رحله من غاصب أو سارق .. لم يجب القصدُ، وله التيمم؛ لقوله تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} .
وإطلاقه المال: شامل للقدر الذي يجب بذله ثمنًا أو أجرةً، وهو ما في "شرح المهذب" في موضع، وفي موضع آخر منه: أن الخوفَ على هذا القدر لا يَمنع وجوبَ الطلب (3).
قال في "المهمات": والأول هو مقتضى إطلاقِ الأكثرين والقياس؛ لأنه يأخذه
(1) المحرر (ص 17).
(2)
الشرح الكبير (1/ 199)، روضة الطالبين (1/ 93).
(3)
المجموع (2/ 283، 286).
فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ .. تَيَمَّمَ. وَلَوْ تَيَقَّنَهُ آخِرَ ألْوَقْتِ .. فانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، أَوْ ظَنَّهُ .. فَتَعْجِيلُ التَّيَمُّمِ أَفْضَلُ فِي الأَظْهَرِ
===
من لا يستحقه، وخوفُ الانقطاع عن الرِّفقة كالخوف على النفس والمالِ إن تضرر بذلك، وكذا إن لم يتضرر على الأصحِّ؛ لما يلحقه من الوحشة (1).
وخرج بـ (المال): ما إذا خاف على غير مالٍ من المنتفع به؛ ككلب وسرجين، قال في "المهمات":(والْمُتَّجَه: عدمُ وجوبِ الطلب)(2).
(فإن كان فوق ذلك) أي: فوق ما يَصله المسافرُ لحاجته المارَّةِ ( .. تيمم) لأنه فاقدٌ في الحال.
وقضية كلامه: أنه يلزمه قصدُه إذا كان الماءُ في الحدِّ المذكورِ، لكن انتهى إلى المنزل في آخر الوقت؛ بحيث لو قصده .. فات الوقتُ، وبه صرح الرافعي في "الشرحين"، وقال: إنه الأشبهُ بكلام الأئمةِ، وحكاه في "الإبانة" عن النصِّ (3).
وخالف المصنف في الروضة"، و"شرح المهذب" وغيرهما، فقال: ليس الأمر كما قال الرافعي هنا، بل ظاهرُ نصِّ "الأم" وغيرِها، وهو المفهوم من عباراتهم في كتبهم المشهورةِ والمهجورةِ أنه لا يلزمه القصدُ والحالةُ هذه (4)، قال السبكي: وهو الحقُ، وهذا في المسافر.
(ولو تَيقَّنه آخرَ الوقت .. فانتظارُه أفضلُ) لأثر ابن عمر في ذلك (5)؛ ولأن التقديم مستحبٌّ، والوضوء من حيث الجملة فرضٌ، فثوابه أكثر، (أو ظَنَّه) أي: ترجح عنده وجودُه آخرَه ( .. فتعجيلُ التيممِ أفضلُ في الأظهر) لأن فضيلةَ التقديم محققة، وفضيلةَ الوضوء موهومة، والثاني: التأخير أفضلُ ليأتي بالصلاة بالوضوء؛ لأنه الأصل والأكملُ.
(1) المهمات (2/ 274).
(2)
المهمات (2/ 274).
(3)
الشرح الكبير (1/ 199 - 200).
(4)
روضة الطالبين (1/ 94)، المجموع (2/ 285).
(5)
أخرجه الشافعي في "المسند"(52).
وَلَوْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِيهِ .. فَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ، وَيَكُونُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ، وَيَجِبُ شِرَاؤُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ، أَوْ مُؤْنَةِ سَفَرٍ، أَوْ نفقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ. وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ أَوْ أُعِيرَ دَلْوًا .. وَجَبَ الْقَبُولُ فِي الأَصَحِّ،
===
ومحلُّ الخلاف: إذا اقتصر على صلاةٍ واحدةٍ، فإن صلّى أول الوقت بالتيمم، وبالوضوء في أثنائه .. فهو النهاية في إحراز الفضيلة، ولو تَرجَّح العدم على الوجود .. فالتقديم أفضل قطعًا، وكذا إذا استوى الطرفان على المذهب.
(ولو وجد ماءً لا يكفيه .. فالأظهر: وجوبُ استعماله) لقدرته على البعض، كما يغسل الجريحُ مِنْ يده ما صَحَّ (1)، والثاني: لا يجب، بل يتيمم؛ كما لو وجد بعضَ الرقبة في الكفارة .. فإنه لا يجب إعتاقُه، ويَعدِل إلى الصوم.
(ويكونُ) استعماله (قبلَ التيمم) لئلا يتيمم مع وجود الماء.
ولفظة (ما) في كلامه ينبغي أن تُقرأ مهموزةً منونة، لا موصولةً؛ لئلا يرد عليه ما لو وجد ما يصلح للمسح، لا للغَسل؛ كثلج أو بَرَد لا يذوب؛ فإن الاْصحَّ: القطع أنه لا يجب مسحُ الرأس به؛ إذ لا يمكن ههنا تقديمُ مسحِ الرأس.
(ويجب شراؤه) أي: الماء، وكذا التراب؛ كما صرح به الحناطي (بثمنِ مثلِه) إذا كان قادرًا عليه بنقد أو عرض، فاضلًا عَن حاجات سفره، وعن حاجات متاعه، ذهابًا وإيابًا، فإن بيع بغَبْنٍ .. فلا؛ للضرر، والأصحُّ: أن ثمن المثل: ما تنتهي إليه الرغباتُ، في ذلك الموضع، في تلك الحالة.
(إلّا أن يَحتاج إليه) أي: الثمن (لدينٍ مُستغرِقٍ) ولو مؤجلًا؛ كما ذكره ابن الرفعة (2)، ولا حاجةَ لتقييده بالمستغرق؛ لأن ما يفضل عن الدين غيرُ محتاج إليه فيه، (أو مُؤنةِ سفرٍ) مباح، ذهابًا وإيابًا، والمؤنة: هي المذكورة في الحجّ، (أو نفقةِ حَيَوَانٍ محترمٍ) لأن هذه الأمور لا بدل لها، بخلاف الماء، والمراد بالمحترم ما لا يباح قتله.
(ولو وُهِبَ له ماءٌ، أو أُعِيرَ دلوًا .. وجب القبولُ في الأصح) لأن المسامحة به
(1) في (ب) و (د): (من بدنه ما صح).
(2)
كفاية النبيه (2/ 60).
وَلَوْ وُهِبَ ثَمَنَهُ .. فَلَا. وَلَوْ نَسِيَهُ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ بَعْدَ الطلَبِ فَتَيَمَّمَ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ فِي رِحَالٍ .. فَلَا. الثَّانِي: أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِعَطَشِ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ مَآلًا. الثَّالِثُ: مَرَضٌ يَخَافُ مَعَهُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى مَنْفَعَةِ عِضْوٍ، وَكَذَا بُطْءُ الْبُرْءِ، أَوِ الشَّيْنُ الْفَاحِشُ فِي عِضْوٍ ظَاهِرٍ فِي الأَظْهَرِ،
===
غالبة، فلا تعظم فيه المنةُ، والثاني: لا يجب قبولُ الماء؛ للمنة؛ كالثمن، ولا قبولُ العارية إذا زادت قيمةُ المستعار على ثمن الماء؛ لأنه قد يتلف، فيضمن زيادة على ثمن الماء.
(ولو وُهِبَ ثمنَه .. فلا) بالإجماع؛ لعظم المنة.
(ولو نَسِيه) أي: الماءَ (في رَحله، أو أَضلَّه فيه، فلم يجده بعد الطلب، فتيمم) وصلّى، ثم تذكره في النسيان، ووجده في مسألة الإضلال ( .. قضى في الأظهر) لأنه واجدٌ للماء، ولكنه قصر في الوقوف عليه، والثاني: لا قضاءَ؛ لعدم التقصير.
(ولو أضلّ رحلَه في رحالٍ .. فلا) قضاءَ؛ لأن مُخيَّم الرِّفقة أوسعُ غالبًا، ولأنه صلّى ولا ماء معه.
(الثاني: أن يَحتاج إليه لعطشِ مُحترمٍ ولو مآلًا) أي: مستقبلًا؛ إذ لا بدل للروح، بخلاف الوضوء، وسواء عطش نفسه، وعطش رفيقه، أو حيوان محترم هناك، بل يحرم الوضوء حينئذ.
(الثالث: مرضٌ يخاف معه من استعماله على منفعة عضو) كالعمى ونحوه؛ لعموم قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى
…
} الآية، وفهم منه: أن خوف النفس والعضو كذلك من باب أولى، وصرح بهما في "المحرّر"(1).
(وكذا بُطء البُرء) وهو: امتداد مدة المرض وإن لم يزد الألَمُ، (أو الشَّيْنُ الفاحشُ في عضوٍ ظاهرٍ في الأظهر) فيهما؛ لأن ضرر ذلك فوق زيادة ثمن المثل، والثاني: لا؛ لانتفاء التلف.
والمراد بـ (الظاهر): ما يبدو غالبًا عند المهنة؛ كالوجه واليدين، ويعتمد في
(1) المحرر (ص 17).
وَشِدَّةُ الْبَرْدِ كَمَرَضٍ. وَإِذَا امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي عُضْوٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَاتِرٌ .. وَجَبَ التَّيَمُّمُ، وَكَذَا غَسْلُ الصَّحِيحِ عَلَى الْمَذْهَبِ،
===
كون الغَسل يفضي إلى ما مَرَّ ظَنَّ نفسِهِ إن كان عارفًا بالطب، وإلّا .. فبقول طبيبٍ حاذق مسلم مُكلَّفٍ عدل، وقيل: لا بد من اثنين، فإن جهل ولم يجد طبيبًا بشرطه .. ففي "زيادة الروضة" عن أبي علي السنجي لا يتيمم؛ لأنه لم يثبت المقتضي لترك الوضوء (1).
قال في "شرح المهذب": ولم أجد لغيره ما يوافقه، ولا ما يخالفه (2).
واعترض: بأن البغوي قد خالفه، فقال في "فتاويه": يصلي بالتيمم، ثم يعيد إذا وجد المخبر، قال الإسنوي: وهذا هو المتجه اللائقُ بمحاسن الشريعة، لاسيما عند قيام المظنةِ التي هي المرضُ ونحوُه (3).
واحترز بـ (الفاحش): عن اليسير، وبـ (الظاهر): عن الشين الفاحش في الباطن؛ فإنه لا أثر له؛ لأنه ليس فيه ضررٌ كثيرٌ، كذا قالاه (4).
واستشكله الشيخ عز الدين، وقال: لا سيما إذا كان في رقيق؛ فإن الخسران فيه أكثر من الخسران الحاصل من شراء الماءِ بزيادة على ثمن المثل.
(وشدةُ البردِ كمرض) فيجيء ما مَرَّ، ولا يخفى أن محل هذا إذا عجز عن تدفئة الأعضاءِ وتسخين الماء، فلهذا أهمله المصنف.
(وإذا امتنع استعمالُه في عضو) لجرح ونحوه: (إن لم يكن عليه ساترٌ .. وجب التيمم) بدلًا عن غَسل العليل.
وعرف (التيمم) بالألف واللام؛ ليرد على من قال من العلماء: أنه يُمِرّ التراب على المحل المعجوز عنه.
(وكذا غسلُ الصحيح على المذهب) قطعًا بحسب الإمكان ولو بوضع خرقةٍ مبلولةٍ
(1) روضة الطالبين (1/ 104).
(2)
المجموع (2/ 311).
(3)
المهمات (2/ 308).
(4)
الشرح الكبير (1/ 220)، روضة الطالبين (1/ 103).
وَلَا تَرْتيبَ بَيْنَهُمَا لِلْجُنُبِ، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا .. فَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ التَيمُّمِ وَقْتَ غَسْلِ الْعَلِيلِ، فَإِنْ جُرِحَ عُضْوَاهُ .. فَتَيَمُّمَانِ. وَإِنْ كَانَ كَجَبِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ نَزْعُهَا .. غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ كَمَا سَبَقَ، وَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ مَسْحُ كُلِّ جَبِيرَتِهِ بِمَاءٍ، وَقِيلَ: بَعْضِهَا. فَإِذَا تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ
===
بالقرب من الجرح، ويتحامل عليها؛ لينغسل ما حواليه من غير أن يسيل إليه، والطريق الثاني: أنه على القولين فيما إذا وَجد من الماء ما لا يكفيه.
(ولا ترتيب بينهما) أي: بين التيمم وغسل الصحيح (للجنب) والحائض والنفساء؛ لأن التيمم بدلٌ عن غَسل العليل، والمبدل لا يجب فيه الترتيب، فكذلك بدله.
نعم؛ الأولى: تأخير الغسل؛ ليذهب أثر التراب بالماء، نُصَّ عليه.
(فإن كان محدثًا .. فالأصح: اشتراط التيمم وقت غَسل العَليل) رعاية للترتيب، فلا ينتقل من العضو المعلول إلّا بعد كمال طهارته أصلًا وبدلًا، والثاني: يجب تقديمُ غَسل الصحيح؛ لوجود ماءٍ لا يكفيه، والثالث: يتخير؛ كالجنب.
(فإن جُرح عضواه .. فتيمّمان) بناء على الأصح، وهو: اشتراط التيمم وقت غَسل العليل؛ لتعدد العليل.
(وإن كان) على العضو الذي امتنع استعمال الماء فيه ساترٌ (كجبيرة لا يمكن نزعُها) لمحذور مما مرّ ( .. غَسل الصحيحَ وتيمم كما سبق) من مراعاة الترتيب في المحدث ونحوِ ذلك، فإن أمكن النزعُ بلا خوف .. وجب قطعًا.
ويشترط في الساتر: أن يضعه على طهر، وألّا يأخذ من الصحيح تحته إلّا القدرَ الذي لا بدّ منه للاستمساك.
(ويجب مع ذلك مسحُ كلِّ جبيرته بماء) لأنه مسح أُبيح للعجز، فوجب فيه التعميم، كالمسح في التيمم، (وقيل: بعضِها) كما في مسح الخف.
وقوله: (بماء) يُفهم: أن الجبيرة لو كانت على عضوِ التيمم .. لم يجب مسحُها بالتراب، وهو الأصحُّ؛ لأنه ضعيفٌ فلا يؤثر من وراء حائلٍ.
(فإذا تيمم) الذي غَسل الصحيحَ، وتيمّم عن الباقي، وأدّى فريضةً (لفرضٍ