الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابُ الصَّلاة
الْمَكْتُوبَاتُ خَمْسٌ: الظُّهْرُ، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ: زَوَالُ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ: مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ، .
===
(كتاب الصلاة)
هي لغة: الدعاء بخير، وشرعًا: أفعال وأقوال مفتتحةٌ بالتكبير، مختتمةٌ بالتسليم بشرائطَ مخصوصةٍ.
سُمِّيت بذلك لاشتمالها على الدعاء؛ إطلاقًا لاسم الجزء على الكلّ، وقيل: لما يعود على فاعلها من البركة، والبركة تسمى صلاةً.
(المكتوباتُ خمسٌ) في كلّ يوم وليلة بالإجماع.
(الظهر) لحديث جبريل الآتي، (وأولّ وقته: زوال الشمس، وآخره: مصيرُ ظلِّ الشيء مثلَه سوى ظلّ استواء الشمس) الموجود عند الزوال إن بقي ظلّ كغالب البقاع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عليه السلام عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتينِ، فَصلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ ألشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالمشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ .. صَلَّى بِيَ الظّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ (1)، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ"(2).
(وهو أول وقت العصر) للحديث المار (ويبقى حتى تغرب) لحديث: "وَقْتُ
(1) في (ب): (وصلّى بي الفجر حين أسفر).
(2)
أخرجه ابن خزيمة (325)، والحاكم (1/ 193)، وأبو داوود (393)، والترمذي (149) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْنِ. وَالْمَغْرِبُ: بِالْغُرُوبِ، وَيَبْقَى حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ فِي الْقَدِيمِ، وَفِي الْجَدِيدِ: يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ، وَلَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ .. جَازَ عَلَى
===
الْعَصْرِ مَا لَمْ تغرُبِ الشَّمْسُ" رواه ابن أبي شيبة وإسناده في مسلم (1)، (والاختيار: ألّا تؤخر عن مصيرِ الظلِّ مثلين) بعد ظلّ الاستواء؛ لحديث جبريل المار، وسمي مختارًا؛ لما فيه من الرجحان، وقيل: لاختيار جبريل إياه.
(والمغربُ: بالغروب) لحديث جبريل (ويبقى) وقتها (حتى يَغيب الشفقُ الأحمر في القديم) لحديث: "وَقْتُ الْمَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ" رواه ابن خزيمة في "صحيحه"(2).
(وفي الجديد: ينقضي بمضيّ قدرِ وضوءٍ، وسترِ عورةٍ، وأذانٍ، وإقامةٍ، وخمسِ ركعات) لأن جبريل صلاها في اليومين في وقت واحد بخلاف غيرها، وإنما استثُني قدرُ هذه الأمور؛ للضرورة وجواز جمع المغرب والعشاءِ تقديمًا إنما ساغ لأن الوقت المذكور يَسع ذلك خصوصًا إذا كانت الشروط عند الوقت مجتمعة فيه، فإن فُرض ضيقُه عنها لأجل اشتغاله بالأسباب .. امتنع الجمعُ لفوات شرطه، وهو وقوع الصلاتين في وقت إحداهما.
ولو عَبَّر بـ (الطهارة) بدلًا عن (الوضوء) .. لكان أولى؛ ليشمل التيمم والغسلَ وإزالة النجاسة.
والتعبير بـ (ستر العورة) يخالف ما ذكروه؛ من استحباب التعمم والتقمص والارتداء ونحوها، ولهذا عبر الماوردي في "الإقناع" وغيره بـ (لبس الثياب)، قال الإسنوي:(وهو حسن)(3).
(ولو شَرَعَ في الوقت) على الجديد (ومَدَّ حتى غاب الشفقُ .. جاز على
(1) مصنف ابن أبي شيبة (3241) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
صحيح ابن خزيمة (345) عن العباس رضي الله عنه.
(3)
المهمات (2/ 408).
الصَّحِيحِ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْعِشَاءُ: بِمَغِيبِ الشَّفَقِ، وَيَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ، وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ ثلُثِ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفِهِ. وَالصُّبْحُ: بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَهُوَ الْمُنْتشَرُ ضَوْؤُهُ مُعْتَرِضًا بِالأُفُقِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ،
===
الصحيح) لأنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بـ (الأعراف) في الركعتين، رواه الحاكم وصححه (1)، والثاني: لا تجوز، لوقوع بعضها خارج الوقت.
(قلت: القديم أظهر، والله أعلم) لما مرّ، وقد علق الشافعي في "الإملاء" - وهو من الجديد - القول به على صحة الحديث فيه، قال ابن الصلاح: وقد ثبت الحديث (2)، بل أحاديث، فيكون قولُ الاتساع جديدًا (3).
(والعشاء: بمغيب الشفق) الأحمر؛ لما سبق (ويبقى إلى الفجر) الصادق لحديث: "لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الأُخْرَى" رواه مسلم (4)، (والاختيار: ألّا تؤخر عن ثلث الليل) لأن جبريل عليه السلام صلاها في اليوم الثاني كذلك، (وفي قول: نصفِه) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي .. لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّوَاكَ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ، وَلأَخرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" رواه الحاكم وصححه (5).
وقضية كلام "شرح المهذب": أن الأكثرين على هذا القول، وبه صرح سليم في "الفروع"، ولهذا قال في "شرح مسلم":(إنه الأصح)، وقال البيهقي في "خلافياته": إنه الصحيح في المذهب (6).
(والصبح: بالفجر الصادق) بالإجماع (وهو: المنتشر ضوؤه معترضًا بالأُفُقِ) لا الفجر الكاذب وهو: الذي يبدو مستطيلًا كذَنَب السِّرْحان، وهو: الذئب، ثم تعقبه ظلمة، (ويبقى حتى تَطلُع الشمسُ) لحديث: "وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ
(1) المستدرك (1/ 237) عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما.
(2)
أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(1524) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(3)
الوسيط (2/ 13 - 15).
(4)
صحيح مسلم (681) عن أبي قتادة رضي الله عنه.
(5)
المستدرك (1/ 146) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(6)
المجموع (3/ 40)، شرح صحيح مسلم (5/ 111).
وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنِ الإِسْفَارِ. قُلْتُ: يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ: عِشَاءً، وَالْعِشَاءِ: عَتَمَةً، وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا إِلَّا فِي خَيْرٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ،
===
الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ" رواه مسلم (1)، (والاختيار: ألّا تُؤخَّر عن الإسفار) وهو الإضاءة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام صلاها في اليوم الثاني كذلك.
(قلت: يكره تسمية المغرب: عِشاء، والعشاءِ: عَتَمَةً) لثبوت النهي عن ذلك في الصحيح (2)، (والنوم قبلها) لأنه عليه السلام كان يكرهه، متفق عليه (3).
والمعنى فيه: مخافة استمراره إلى خروج الوقت، ولهذا قال ابن الصلاح:(تعمّ جميعَ الصلوات).
(والحديثُ بعدها) لكراهته عليه الصلاة والسلام له أيضًا، متفق عليه (4)، ولأن الله تعالى قد جعل الليل سكنًا، وهذا يُخرجه عن ذلك، (إلّا في خيرٍ، والله أعلم) كقراءة الحديث، ومذاكرة الفقه، وحكاياتِ الصالحين، وإيناس الضيف ونحوِ ذلك؛ لأنه خير ناجز، فلا يُترك لمفسدة متوهمة، وقد جاءت به أحاديث صحيحة (5)، واستثنى في "زيادة الروضة" مع ذلك: ما إذا تكلم لعذر (6).
(ويُسن تعجيلُ الصلاة لأول الوقت) استباقا للخيرات، ولقوله عليه الصلاة والسلام في جواب أيّ الأعمال أفضل؟ "الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا" رواه الدارقطني وابن حبان في "صحيحه"(7).
واعلم: أنه إنما يجوز التأخيرُ عن أول الوقت بشرط العزم على الفعل في أثنائه على
(1) صحيح مسلم (612) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(2)
أما الأول .. فأخرجه البخاري (563) عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، وأما الثاني .. فأخرجه مسلم (644) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(3)
صحيح البخاري (568)، مسلم (647) عن أبي برزة رضي الله عنه.
(4)
وهو حديث كراهية النوم قبل العشاء نفسه.
(5)
منها: ما أخرجه الحاكم (2/ 379) عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
(6)
روضة الطالبين (1/ 182).
(7)
الدارقطني (1/ 246)، صحيح ابن حبان (1479)، وأخرجه ابن خزيمة (327)، والحاكم (1/ 188) عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وَفِي قَوْلٍ: تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ. وَيُسَنُّ الإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَالأَصَحُّ: اخْتِصَاصُهُ بِبَلَدٍ حَارٍّ، وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ
===
الأصحِّ في "شرح المهذب"(1)، ويستثنى من ذلك مسائلُ: منها: الإبراد؛ كما سيأتي، والمقيم بمنى، فإنه يندب له تأخير الظهر وتقديم الرمي، وكذا المسافر إذا كان سائرًا وقتَ الأولى، فإنّ التأخير أفضلُ كما ذكره في بابه، ومَنْ يدافعه الخبث، أو حضره طعامٌ يتوق إليه، وكذا كلّ عذر مُرخِّص في ترك الجماعة، وغيرُ ذلك مما تكثر صورُه وأمثلتُه.
والضابط: أن يعارض ما هو أرجح من فعلها أول الوقت كتيقن وجود الماء والسترة في أثناء الوقت.
(وفي قول: تأخير العشاء أفضلُ) ما لم يجاوز وقتَ الاختيار؛ للحديث السالف، وقال في "شرح المهذب":(إنه أقوى دليلًا)(2)، واختاره السبكي، وقال الأَذرَعي:(إنه المنصوص في أكثر كتبه الجديدة).
(ويُسن الإبرادُ بالظهر في شدة الحرِّ) إلى أن يصير للحيطان ظلٌّ يمشي فيه الساعون للجماعة؛ لحديث: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ .. فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" متفق عليه (3).
واحترز بـ (الظهر) عن الجمعة؛ فإنه لا يسن الإبراد فيها على الأصحِّ.
(والأصح: اختصاصه ببلدٍ حارٍّ) كالحجاز؛ لأن الأمر هين في غيرها، (وجماعةِ مسجدٍ يَقصِدونه من بُعدٍ) ويمشون إليه في الشمس، لأن من صلّى منفردًا أو بيتُه قريبٌ من المسجد .. ليس فيه كبيرُ مشقة، والثاني: لا يختص بذلك؛ لإطلاق الخبر، والمنفرد إذا قصد الصلاةَ في المسجد يُبرد كما أشعر به كلام الرافعي، وقال الإسنوي:(إنه الأوجه)، بخلاف ما أشعر به كلام "الكتاب"(4).
(1) المجموع (3/ 51).
(2)
المجموع (3/ 61).
(3)
صحيح البخاري (534)، صحيح مسلم (615) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
الشرح الكبير (1/ 381)، المهمات (2/ 424).
وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ رَكْعَةً .. فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ، وَإِلَّا .. فَقَضَاءٌ. وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ .. اجْتَهَدَ بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ صَلَاتَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيُبَادِرُ بِالْفَائِتَةِ،
===
(ومن وقع بعضُ صلاته في الوقت .. فالأصح: أنه إن وقع ركعةً .. فالجميع أداءٌ، وإلا .. فقضاءٌ) كلها؛ لحديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ .. فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" متفق عليه، زاد مسلم:"كُلَّهَا"(1)، دل بمنطوقه على الأول، وبمفهومه على الثاني، والثاني: الجميع قضاءٌ؛ اعتبارًا بآخر الصلاة، والثالث: ما وقع في الوقت أداءٌ، وما وقع بعده قضاءٌ؛ نظرًا إلى الواقع، والرابع: إن أخر بعذر وأدرك ركعة .. فأداءٌ، وإلّا .. فلا.
(ومن جهل الوقتَ) لعارض غيم ونحوه ( .. اجتهد (ولو أعمى وجوبًا؛ قياسًا على الأحكام الشرعية (بوِردٍ) من قراءة ودرسٍ (ونحوِه) كخياطة وغيرِها، ومن الأمارات: صياحُ الديك المجرَّب.
وأورد على المصنف: أن محلّ الاجتهاد: ما إذا لم يُخبره ثقةٌ عن علم، فإن أخبره عن علم بمشاهدة؛ كقوله:(رأيت الفجر طالعًا)، أو (الشمسَ غاربة) .. لزمه قبولُه، ولا يجتهد.
وأجيب: بأنه متى أخبره ثقةٌ عن علم .. فهو غير جاهل بالوقت، ولو أخبره عن اجتهاد .. قلده الأعمى دون البصير القادرِ على الاجتهاد.
(فإن تيقن صلاتَه قبل الوقت) بعد أن اجتهد وصلّى وقد خرج الوقت ( .. قضى في الأظهر) لفوات شرطها وهو الوقت، والثاني: لا قضاءَ؛ اعتبارًا بظنه، فإن كان الوقتُ باقيًا .. وجبت الإعادة فيه قطعًا.
(وإلّا) أي: وإن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت؛ بأن لم يتبيّن الحالُ، أو بأن وقوعُها فيه أوبعده ( .. فلا) قضاء عليه.
(ويبادر بالفائتة)(2) تعجيلًا لبراءة ذمته، ثم إن كان الترك بغير عذر .. فالمبادرة
(1) صحيح البخاري (580)، صحيح مسلم (607) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
في (ب) و (د): (ويبادر بالفائت).
وَيُسَنُّ تَرْتيبُهُ وَتقدِيمُهُ عَلَى الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يَخَافُ فَوْتَهَا. وَتكرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الاسْتِوَاءِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ، وَالْعَصْرِ حَتَّى تغرُبَ،
===
واجبة، وإلّا .. فمستحبةٌ على الأصحِّ فيهما، وقيل: واجبة فيهما، وقيل: مستحبة فيهما، وعن ابن بنت الشافعي: أن غير المعذور لا يقضي، وحكمته: التغليظ عليه، وقواه الشيخ عزُّ الدين، وصاحب "الإقليد" وأيده بأن تارك الأبعاض عمدًا لا يَسجد على وجه، مع أنه أحوج إلى الجبر.
(ويسن ترتيبه وتقديمه على الحاضرة التي لا يَخاف فوتَها) للخروج من خلاف من أوجب ذلك، فإن لم يرتب .. جاز؛ لأن كلَّ واحدة عبادةٌ مستقلة، والترتيبَ إنما وجب في الأداء لضرورة الوقت، فإنه حين وجبت الظهرُ .. لم تجب العصر، فماذا فات .. لم يجب الترتيب في قضائه؛ كصوم رمضان، فإن خاف فوتَ الحاضرة .. لزمه البداءة بها؛ لئلّا تصيرَ فائتةً أيضًا.
(وتكره الصلاة عند الاستواء) للنهي عنه في "صحيح مسلم"(1).
ووقت الاستواء لطيف جدًّا لا يتسع لصلاة، ولا يكاد يشعر به حتى تزول الشمس، إلا أن التحرم قد يمكن إيقاعُه فيه، فلا تصح الصلاة.
(إلّا يوم الجمعة) لأنه عليه الصلاة والسلام استحب التبكير إليها، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء.
(وبعدَ) فعل (الصبح حتى ترنفع الشمسُ كرمح) فيما يراه الناظر (و) بعد (العصرِ حتى تغرب) للنهي عنه في الصحيح أيضًا) (2).
وأهمل وقتين آخرين ذكرهما في "المحرّر" وهما: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند الاصفرار حتى تغرب (3)؛ لتوهمه اندراجهما في قوله: (وبعد الصبح
…
وبعد العصر)، وليس كذلك؛ فإنه إنما يتناول من صلاهما، والكراهة في هذين الوقتين تعم ذلك وغيرَه.
(1) صحيح مسلم (831) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري (1197)، ومسلم (827) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3)
المحرر (ص 27).
إِلَّا لِسَبَبٍ كَفَائِتةٍ، وَكُسُوفٍ، وَتَحِيَّةٍ، وَسَجْدَةِ شُكْرٍ، وَإِلَّا فِي حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ
===
وهذه الكراهةُ كراهةُ تحريم على الصحيح، وصحح المصنف في "التحقيق" أنها للتنزيه، وجزم به في "شرح المهذب" في الطهارة، مع تصحيحه هنا فيه بالتحريم (1).
(إلّا لسببٍ) متقدم أو مقارن (كفائتةٍ) ولو نافلة إذا قلنا: تقضى؛ لحديث: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا .. فَكَفَّارَتهُا: أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا" متفق عليه (2)، ولصلاته عليه السلام سنة الظهر بعد العصر لما شغله عنها الوفد (3).
(وكُسوفٍ، وتَحيّةٍ) لأنهما معرضان للفوات، ولأن الأدلة الطالبة لهما عامةٌ في الأوقات، خاصةٌ بتلك الصلوات، وأحاديث النهي بالعكس، وترجحت الأولى بأنه لم يدخلها تخصيصٌ، وأحاديث النهي دخلها التخصيصُ بالفائتة؛ للحديث.
و(صلاة الجنازة) فإنه إجماع كما نقله ابن المنذر، ومحلّ ما ذكره في التحية إذا دخل لا لقصد التحية، فإن دخل بقصد التحية فقط .. كره على الأصحِّ.
(وسجدهِ شكر) وتلاوة؛ لفواتها بالتأخير، وفي "الصحيح" في توبة كعب بن مالك أنه سجد سجدة للشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس (4)، وسجدة التلاوة مقيس عليها.
(وإلّا في حرم مكةَ على الصحيح) لقوله صلى الله عليه وسلم: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ" صححه الترمذي وغيره (5).
والمعنى فيه: ما في الصلاة في تلك الأماكن من زيادة الفضيلة، فلا يُحرَم المقيمُ هناك من استكثارها.
(1) التحقيق (ص 255)، المجموع (1/ 134، 4/ 159).
(2)
صحيح البخاري (597)، صحيح مسلم (684) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(3)
أخرجه البخاري (1233)، ومسلم (834/ 297) عن أم سلمة رضي الله عنها.
(4)
أخرجه البخاري (4418)، ومسلم (2769).
(5)
سنن الترمذي (868)، وأخرجه الحاكم (1/ 448)، وابن حبان (1553)، وأبو داوود (1894)، والنسائي (1/ 284)، وابن ماجه (1254) عن جبير بن مطعم رضي الله عنه.