الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صلاة المسافر
إِنَّمَا تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ الْمُبَاحِ، لَا فَائِته الْحَضَرِ. وَلَوْ قَضَى فَائِتَةَ السَّفَرِ .. فَالأَظْهَرُ: قَصْرُهُ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ
===
(باب صلاة المسافر)
المراد بذلك: ما يشرع في صلاة المسافر من التخفيف بالقصر والجمع، وبدأ بالقصر؛ لأنه المهم منهما.
والأصل في القصر قبل الإجماع: قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} الآية، والضرب: السفر، فأباحه الله في السفر بشرط الخوف من الكفار، وثبت بالسنة جوازه عند الأمن من حديث عمر وغيره (1).
والحكمة فيه: حصول المشقة للمسافر غالبًا.
(إنما تُقصَر رباعيةٌ) فالصبح والمغرب لا يقصران إجماعًا، كذا قالاه (2)، لكن حكى العبادي في "طبقاته " عن محمد بن نصر المروزي: أنه يجوز قصر الصبح في الخوف إلى ركعة، قال ابن الملقن وغيره: وفيه حديث ابن عباس في "مسلم"(3).
(مؤداةٌ في السفر الطويل المباحِ) هذه سيأتي شرحها بعد (لا فائتةُ الْحَضرِ) إذا قضاها في السفر؛ لأنها ثبتت في ذمته تامة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، لكن فيه وجه حكاه الماوردي وغيره (4).
(ولو قضى فائتةَ السفر .. فالأظهر: قصرُه في السفر دون الحضر) نظرًا إلى وجود السبب، والثاني: تقصر فيهما؛ لأنه إنما يلزمه في القضاء ما كان يلزمه في الأداء، والثالث: يتم فيهما.
(1) أخرجه مسلم (686).
(2)
الشرح الكبير (2/ 225)، روضة الطالبين (1/ 389).
(3)
عجالة المحتاج (1/ 343)، صحيح مسلم (687).
(4)
الأوسط (4/ 368)، الحاوي الكبير (2/ 474).
وَمَنْ سَافَرَ مِنْ بَلْدَةٍ .. فَأَوَّلُ سَفَرِهِ: مُجَاوَزَةُ سُورِهَا، فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عِمَارَةٌ .. اشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا يُشْتَرَطُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُورٌ .. فَأَوَّلُهُ: مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ، لَا الْخَرَابِ وَالْبَسَاتِينِ،
===
(ومن سافر من بلدة .. فأول سفره: مُجاوزة سورها) الخاص بها؛ لأن ما في داخل السور معدود من نفس البلدة محسوب من موضع الإقامة.
(فإن كان وراءه عمارةٌ .. اشترط مُجاوزتُها في الأصح) لأنها من مواضع الإقامة التابعة للبلد.
(قلت: الأصح: لا يشترط، والله أعلم) لأن ذلك لا يعد من البلد، ألا ترى أنه يقال: مسكن فلان خارج البلد؟ وقد وافق المصنف الرافعي في (الصوم) على اعتبار العمران فيما إذا نوى المقيم ليلًا ثم سافر وفارق العمران قبل الفجر .. فإنه يفطر، وإلا .. فلا، فيحتاج إلى الفرق (1).
(فإن لم يكن سورٌ .. فأوله: مُجاوزة العُمران) ليفارق محلّ الإقامة (لا الخرابِ) لأنه ليس موضع إقامة، قال الإسنوي: وهذا إذا اتخذوه مزارع أو هجروه بالتحويط على العامر، فإن كانت بقايا الحيطان باقية ولم يهجروه بالتحويط .. فالأكثرون على ما دل عليه كلام "الشرح" و"الروضة": أنه لا بدّ من مجاوزته، وصرح بتصحيحه في "شرح المهذب"، والخلاف حيث لم يكن وراء الخراب عمارة معدودة من البلد، فإن كان .. فهو من البلد، فيجب مجاوزة منتهى العمارة (2).
(والبساتين) ولو كانت متصلةً بالبلد مُحوَّطةً؛ لأنها ليست للسكنى والإقامة.
نعم؛ لو كان فيها دور أو قصور تسُكنَ في بعض الفصول .. فالمجزوم به في "الروضة" و"أصلها": أنه لا بدّ من مجاوزتها، وخالف في "شرح المهذب" فقال:(لم يتعرض الجمهور لذلك، والظاهر: أنه لا يشترط؛ لأنها ليست من البلد، فلا تصير منه بإقامة بعض الناس فيها بعض الفصول ((3).
(1) روضة الطالبين (2/ 369).
(2)
الشرح الكبير (2/ 209)، روضة الطالبين (1/ 380 - 381)، المجموع (4/ 288).
(3)
روضة الطالبين (1/ 381)، الشرح الكبير (2/ 209)، المجموع (4/ 288).
وَالْقَرْيَةُ كَبَلْدَةٍ. وَأَوَّلُ سَفَرِ سَاكِنِ الْخِيَامِ: مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ. وَإِذَا رَجَعَ .. انْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ ابْتِدَاءً. وَلَوْ نَوَى إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ .. انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِوُصُولهِ،
===
قال في "المهمات": والفتوى به (1)، فعلى هذا: كلام "الكتاب" جار على إطلاقه، ولا تشترط مجاوزة المزارع أيضًا، قاله في "المحرّر"(2)، وأهمله المصنف؛ لأخذه من البساتين بطريق الأولى، (والقريةُ كبلدة) في جميع ما ذكرناه.
(وأول سفر ساكن الخيام: مُجاوزة الْحِلَّةِ) لأنها كدور البلد ولا بد من مجاوزة مرافقها؛ كمَطرَح رَماد، وملعب صبيان، والنادي، والعَطَن، فلو كانت بواد وسافر في عرضه .. فلا بد من مجاوزة عرضه، كذا نص عليه الشافعي (3)، وحُمل على الغالب فلو أَفْرطَت سَعتُه .. لم يشترط ذلك.
وأصل الحِلّة: الحي النازلون، وطلق أيضًا على ما يقيمون فيه، وضابط الحِلّة: أن يكونوا بحيث يجتمعون للسَّمَر في ناد واحد ويستعير بعضُهم من بعض.
(وإذا رجع) المسافر إلى وطنه، أو إلى غيره بنية الإقامة، وكان رجوعه من مسافة القصر ( .. انتهى سفره ببلوغه ما شُرط مجاوزتُه ابتداءً) من سور ونحوه على ما مرّ، فينقطع الترخُّص بوصوله إليه.
(ولو نوى) المستقلّ بنفسه (إقامةَ أربعةِ أيامٍ بموضع) صالح للإقامة، وكذا غير صالح؛ كنحو مَفازة على الأصح ( .. انقطع سفرُه بوصوله) سواء كان مَقصِدَه أو في طريقه؛ لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض، والعازم على المُقام غير ضارب في الأرض، فلو نوى دون أربعة أيام .. لم يؤثر؛ لما في الصحيح:"يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا"(4)، مع تحريم الإقامة بمكة مع الكفار، فدل على أن الثلاثة ليست إقامة.
(1) المهمات (3/ 350).
(2)
المحرر (ص 61).
(3)
الأم (2/ 363).
(4)
أخرجه البخاري (3933)، ومسلم (1352/ 442) عن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه.
وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولهِ وَخُرُوجِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ بِنِيَّةِ أَنْ يَرْحَلَ إِذَا حَصلَتْ حَاجَة يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ .. قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا،
===
وإنما قيدتُ كلامه بـ (المستقل) ليخرج التابع؛ كما لو نواها العبدُ أو الزوجة أو الجيش، ولم ينوها السيدُ ولا الزوج ولا الأمير .. فأقوى الوجهين في "زوائد الروضة": أن لهم القصرَ؛ لأنهم لا يستقلون، فنيتهم كالعدم (1)، ومحل تأثير النية: إذا نوى وهو ماكث، فلو نوى وهو سائر .. لم يؤثر قطعًا؛ كما ذكره في "شرح المهذب"، لكن في "التهذيب" للبغوي خلافُه (2).
(ولا يُحسب منها يوما دخولِه وخروجِه على الصحيح) لأنه عليه السلام أقام بمكة في حجة الوداع ئلاثة أيام غير يومي دخوله وخروجه إلى منى، وهو يقصر الصلاة (3)، والثاني: أنهما يحسبان بالتلفيق، فلو دخل زوالَ السبت ليخرج زوالَ الأربعاء .. أتم، أو قبله .. قصر؛ كما يحسب في مدة مسح الخف يوم الحدث ويوم النزع.
والفرق على الأول: أن المسافر لا يستوعب النهار بالسير، وإنما يسير في بعضه، وهو في يومي الدخول والخروج سائر في بعض النهار، بخلاف اللبس؛ فإنه مستوعب للمدة، ولأنه مشغول في يوم الدخول بأُهْبة النزول، وفي يوم الارتحال بأُهْبة الانتقال، وهما من أشغال السفر المنافيان لراحة الحضر.
(ولو أقام ببلدٍ بنية أن يرحل إذا حصلت حاجةٌ يتوقعها كلَّ وقت .. قَصَرَ ثمانيةَ عشرَ يومًا) لأنه عليه الصلاة والسلام لمّا فتح مكة .. أقام يقصر على حرب هوازن ئمانية عشر يومًا، رواه أبو داوود ولم يضعفه (4)، وقيل: يقصر تسعة عشر يومًا، واختاره
(1) روضة الطالبين (1/ 384).
(2)
المجموع (4/ 301)، التهذيب (2/ 304).
(3)
قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبحر"(3/ 963 - 964): (لم أر هذا في رواية مُصرحة بذلك، وإنما هذا مأخوذ من الاستقراء؛ ففي "الصحيحين "[خ 2506، م 1216]: عن جابر: "قدمنا مكة صُبح رابعة"، وفي "الصحيحين"[خ 45، م 3017/ 5]"أن الوقفة كانت الجمعة"، وإذا كان الرابع يوم الأحد .. كان التاسع يوم الجمعة بلا شك، فثبت أن الخروج كان يوم الخميس.
وأما القصر .. فرواه أنس قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة يُصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة" متفق عليه [خ 1081، م 693]).
(4)
سنن أبي داوود (1229)، وأخرجه البيهقي (3/ 157) عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
وَقِيلَ: أَرْبَعَةً، وَفِي قَوْلٍ: أَبَدًا، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي خَائِفِ الْقِتَالِ، لَا التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ. وَلَوْ عَلِمَ بَقَاءَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً .. فَلَا قَصْرَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
===
ابن الصلاح والسبكي؛ لما في "البخاري" عن ابن عباس: (أنه عليه الصلاة والسلام قَصَرَ تسعة عشر يومًا)، قال البيهقي: وهو أصحُّ الروايات (1).
(وقيل: أربعةً) غير يومي الدخول والخروج؛ لأن الترخص إذا امتنع بنية إقامتها .. فبإقامتها أولى، وحكياه في "الشرح" و"الروضة" قولًا (2)، (وفي قول: أبدًا) وحكى الترمذي الإجماع عليه (3)؛ لأن الظاهر: أنه لو زادت الحاجة .. لدام عليه الصلاة والسلام على القصر، بل روى أبو داوود:(أنه عليه الصلاة والسلام أقام بتبوكَ عشرين يومًا يقصر الصلاة) وصححه ابن حبان (4).
ويروى: (أن ابن عمر رضي الله عنهما أقام بأَذْرَبِيجانَ ستة أشهر يَقصُر)(5).
(وقيل: ) هذا (الخلاف في خائف القتال، لا التاجرِ ونحوِه) أي: فيُقطَع فيهما بالمنع فيما زاد على أربعة أيام؛ إذ الأصل الإتمام، والوارد إنما كان في القتال، والمقاتلُ أحوج إلى الترخّص، وأجاب الأول بأن القتال ليس هو المُرخِّص، وإنما المُرخِّص وصف السفر، وهو وغيره فيه سواء.
(ولو علم بقاءَها مدةً طويلةً) بأن كان يعلم أنه لا يتنجز شغلُه إلّا في خمسة أيام مثلًا ( .. فلا قصر على المذهب) لأنه ساكن بعيد عن هيئة المسافرين، ووجه القصر: القياس على عدم انعقاد الجمعة به.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق في جريان الخلاف بين المحارب وغيره، وليس كذلك، فالمعروف في غير المحارب الجزمُ بالمنع، وحكاية الخلاف فيه غلط؛ كما قاله في "الروضة"(6).
(1) الوسيط (2/ 247)، صحيح البخاري (1080)، سنن البيهقي (3/ 151).
(2)
الشرح الكبير (2/ 214)، روضة الطالبين (1/ 384).
(3)
سنن الترمذي (2/ 434).
(4)
سنن أبي داوود (1235)، صحيح ابن حبان (2749) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(5)
أخرجه البيهقي (3/ 152).
(6)
روضة الطالبين (1/ 385).