الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بابُ الحَيْض
أَقَلُّ سِنِّهِ: تِسْعُ سِنِينَ، وَأَقَلُّهُ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيهَا. وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: خَمْسَةَ عَشَرَ،
===
(باب الحيض) والاستحاضة والنفاس
والحيض لغة: السَّيَلان، يقال: حاض الوادي: إذا سال، وشرعًا: دمٌ يخرج - بعد بلوغ المرأة - من قُبلها من أقصى رحمها، من غير سببٍ، في أوقات معلومة، بشرائط مخصوصة.
والاستحاضة: دمٌ يَسيلُ من عِرق في أدنى الرحم، يقال له:(العاذل) بالذال المعجمة، وقيل: بالمهملة، وقيل: بمعجمة وراء، وهو دمُ علّةٍ لا جِبِلَّة، عكس الحيض.
والنفاس: هو الدم الخارج بعد الولد.
(أقل سنه: تسع سنين) قمريّة؛ للاستقراء، قال الشافعي رضي الله عنه:(أعجل من سمعته من النساء يحضن نساءُ تهامة، يحضن لتسع سنين)(1)، والمراد بالتسع: استكمال التاسعة، وقيل: نصفها، وقيل: الطعن فيهما.
(وأقله: يوم وليلة) متصلة؛ لأنه أقلّ ما عُلم كما قاله الشافعي، قال الإمام: والمراد: مقدار ذلك (2)، وهو أربعة وعشرون ساعة، (وأكثره: خمسةَ عشرَ بلياليها) للاستقراء أيضًا.
(وأقلّ طهرٍ بين الحيضتين: خمسةَ عشرَ) يومًا؛ لأنه إذا كان أكثر الحيض خمسة عشر .. لزم في الطهر ذلك.
وخرج بقوله: (بين الحيضتين) الطهرُ بين الحيض والنفاس إذا قلنا: الحاملُ تحيض، فإنه يجوز نقصُه عن ذلك في الأصحِّ، بل لو خرج متّصلًّا بالولادة بلا تخلُّلِ طهرٍ .. كان حيضًا.
وخرج أيضًا: ما لو رأت النفاسَ ستين يومًا، ثم انقطع، ثم عاد الدم قبل خمسةَ
(1) الأم (6/ 544).
(2)
نهاية المطلب (1/ 318).
وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ. وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالْجَنَابَةِ، وَعُبُورُ الْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تلوِيثَهُ، وَالصَّوْمُ، ويجِبُ قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَمَا بَيْنَ سُرَّتهَا وَرُكْبَتِهَا، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْوَطْءِ
===
عشرَ، ففي جعله حيضًا هذان الوجهان؛ كما نقله في "شرح المهذب" في الكلام على النفاس عن المتولّي، وأقره (1)، وقضيته: ترجيح كونه حيضًا.
وخرج أيضًا: أيام النقاء المتخلّلةِ بين أيام الحيض إذا قلنا بقول اللقط كما سيأتي.
(ولا حَدَّ لأكثره) بالإجماع، فإنّ المرأة قد لا تحيض أصلًا، وسكت المصنفُ عن الغالب، وهو في الحيض: ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر.
(ويحرم به) أي: بالحيض (ما حرم بالجنابة) لأنه أغلظ، (و) يزيد على ذلك (عبورُ المسجد إن خافت تلويثَه) صيانةً للمسجد عن التلويث، ولا خصوصيةَ للحائض بهذا؛ فإن المستحاضة، ومَنْ به حدث دائم، أو جراحةٌ تسيل كذلك، وكذا المتنعّل نعلًا ذا نجاسةٍ رطبةٍ، فليدلكه، ثم ليدخل.
(والصوم) للإجماع على تحريمه، وعدم صحته، (ويجب قضاؤه، بخلاف الصلاة) لقول عائشة رضي الله عنها: (كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة)(2)، وانعقد الإجماع على ذلك.
(وما بين سرّتها وركبتِها) أي: يحرم مباشرتُه؛ لأن ذلك حريمٌ للفرج، ومن حام حول الحِمَى يُوشِك أن يقع فيه.
وسكتوا عن مباشرتها له فيما بين السرّة والركبة؛ كمس الفرج ونحوه، قال الإسنوي: والقياس: تحريمه (3).
(وقيل: لا يحرم غيرُ الوطء) لقوله صلى الله عليه وسلم: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ"، قال في "شرح المهذب":(وهذا أقوى من حيث الدليلُ)(4).
(1) المجموع (2/ 385).
(2)
أخرجه البخاري (321)، ومسلم (335).
(3)
المهمات (2/ 372).
(4)
المجموع (2/ 366)، والحديث أخرجه مسلم (302) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
فَإِذَا انْقَطَعَ .. لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ
===
وقال في "التحقيق"، و"التنقيح"، "والتصحيح":(إنه المختار)(1)، قال: ولكن الأول: هو المنصوص في الجديد والأصحُّ عند الأكثرين.
أما تحريم الوطء .. فإجماع، ومُورِث علةً مؤلمة جدًّا للمُجامع، والجذامَ للولد، وكلامه يوهم الحصرَ فيما ذكره.
وأورد تحريم الطلاق فيه، وأجيب: بأنه أشار إليه فيما بعد.
وأورد أيضًا الغسل؛ فإنه يحرم قبل الانقطاع بنيةِ رفعِ الحدثِ إذا قصدت التعبد به مع علمها بأنه لا يصح؛ للتلاعب، ذكره في "شرح المهذب"(2).
(فإذا انقطع .. لم يحل قبل الغُسل غيرُ الصوم) لأن تحريمه بالحيض، لا بالحدث، بدليل صحته من الجنب، (والطلاقِ) لزوال المعنى المقتضي للتحريم، وهو تطويلُ العدّةِ بسبب الحيضِ.
وأفهم: أن ما عدا الصوم والطلاق من المحرّمات لا يزول تحريمه إلّا بالغُسل، أما ما عدا الاستمتاع: فلأن المنع منه إنما هو لأجل الحدث، والحدثُ باقٍ.
وأما الاستمتاع .. فلقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} ، فإنه قد قرئ بالتخفيف والتشديد في السبع (3)؛ أمّا قراءة التشديد: فصريحة فيما قلناه، وأمّا التخفيف .. فإن كان المراد به أيضًا: الاغتسال كما قاله ابن عباس وجماعة؛ لقرينة قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} .. فواضح، وإن كان المرادُ به: انقطاعَ الحيض .. فقد ذكر بعده شرطًا آخر وهو قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فلا بدّ منهما معًا.
وحكى الغزالي: أن الوطء قبل الغُسل يورث الجذام في الولد (4).
وأورد على حصر المصنف الاستثناءَ المنعُ من الطهارة، قال في "زيادة الروضة": وكذا تحريم عبور المسجد في الأصحِّ إذا قلنا بالوجه الضعيف: أنه يحرم
(1) التحقيق (ص 118)، تصحيح التنبيه (1/ 98).
(2)
المجموع (2/ 354).
(3)
انظر: "النشر في القراءات العشر"(2/ 227).
(4)
إحياء علوم الدين (2/ 50).
وَالاسْتِحَاضَةُ حَدَث دَائِمٌ كَسَلَسٍ، فَلَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَتَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ، وَتَتَوَضَّأُ وَقْتَ الصَّلَاةِ،
===
عبوره عند أمن التلويث (1)، ولا يستثنى نكاح المستبرأة وإن كان يرتفع أيضًا بالانقطاع؛ لأن الكلام فيما حرم بالحيض، وتحريم نكاح المستبرأة ثابتٌ قبل الحيض.
ولو أبدل المصنف الغسل بالتطهير .. لكان أولى، ليشمل التيممَ بشرطه.
(والاستحاضةُ حدث دائم كسَلَسٍ) أي: سلس البول ونحوِه (فلا تمنع الصومَ والصلاةَ) كسائر الأحداث، بخلاف الحيض، ولأمره عليه الصلاة والسلام حمنة بهما (2).
وقوله: (حدث دائم) ليس تفسيرًا للاستحاضة، وإلّا .. يلزم كون سَلَسِ البول استحاضةً، وإنما هو بيان لحكمه الإجمالي، وإنما الاستحاضة دمٌ تراه المرأة، غيرُ دم الحيض والنفاس.
ثم أخذ المصنفُ في بيان حكمها التفصيلي، فقال:(فتغسل المستحاضةُ فرجَها) وجوبًا قبل الوضوء، أو التيمم، إن كانت تتيمّم للطهارة عن النجاسة، (وتَعْصِبه) بعصابة على كيفية مشهورةٍ، وذلك بعد حشوه بقُطنة ونحوِها، دفعًا للنجاسة، أو تقليلًا لها، وهذا الحشو والتعصيب واجبان، إلّا إذا تأذّت بالشدّ، ويحرقها اجتماع الدم .. فلا يلزمها، وتصلي مع السيلان.
ولو كانت صائمةً .. لم تَحْشُه نهارًا، وتقتصر على التعصيب، كما قاله الشيخان (3).
(وتتوضأ وقت الصلاة) لا قبل الوقت، كالمتيمم، وكان الأحسن أن يقول:(فتتوضأ) لأن الأصح في "شرح مسلم"، والمجزوم به في "التحقيق": اشتراطُ
(1) روضة الطالبين (1/ 137).
(2)
أخرجه أبو داوود (287)، والترمذي (128).
(3)
الشرح الكبير (1/ 299)، روضة الطالبين (1/ 137).
وَتُبَادِرُ بِهَا، فَلَوْ أَخَّرَتْ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ؛ كَسَتْرٍ، وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ .. لَمْ يَضُرَّ، وَإِلَّا .. فَيَضُرُّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَجِبُ الْوُضْوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ، وَكَذَا تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ انْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَلَمْ تَعْتَدِ انْقِطَاعَهُ وَعَوْدَهُ، أَوِ اعْتَادَتْ وَوَسِعَ زَمَنُ الانْقِطَاعِ وُضُوءًا وَالصَّلَاةَ .. وَجَبَ الْوُضُوءُ
===
تعقب الوضوء غسل الفرج وتعصيبه (1)، (وتُبادِر بها) أي: بالصلاة بعد الوضوء تقليلًا للحدث.
(فلو أَخّرت لمصلحةِ الصلاةِ؛ كسترٍ) لعورة (وانتظارِ جماعةٍ .. لم يضر) لأن تأخيرَ الصلاة لهذه الأسباب مندوبٌ إليه.
واستشكل: بأن اجتناب النجاسةِ شرطٌ، ومراعاته أحقُّ من مراعاة المندوبات.
(وإلّا) أي: وإن كان التأخير لا لمصلحة الصلاةِ ( .. فيضر على الصحيح) لأن ما جرى من الحدث كانت مستغنية عنه، والثاني: لا يضر، كالمتيمم.
(ويجب الوضوءُ لكلِّ فرضٍ) لدوام الحدث، ولحديث:"تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة"(2)، ولها أن تتنفل ما شاءت كالمتيمم.
(وكذا تجديد العِصابة) وغسلُ فرجها وحشوُه (في الأصح) قياسًا على تجديد الوضوء، والثاني: لا؛ لأن النجاسة في محلّ العفو، ولم تتعدّ محلَّها، فإن تعدّت محلَّها، بأن ظهر الدم على جوانب العصابة أو زالت العصابة .. وجب التجديد قطعًا.
(ولو انقطع دمُها بعد الوضوء، ولم تَعْتَد انقطاعَه وعودَه، أو اعتادت ووسع زمن الانقطاع وضوءًا والصلاةَ) التي تتوضأ لها ( .. وجب الوضوءُ) أمّا في الأولى .. فلاحتمال الشفاء، والأصل: عدم عوده، وأمّا في الثانية .. فلإمكان أداء الصلاةِ على الكمال في الوقت.
وخرج بقوله: (وسع) ما لو اعتادت انقطاعًا لا يسعهما، وهو كذلك، وحينئذ فتصلّي بذلك الوضوء، ولو لم تعتد انقطاعَه، وأخبرها ثقةٌ عارفٌ بأنه لا يعود إلّا بعد
(1) شرح صحيح مسلم (4/ 17 - 18)، التحقيق (ص 144)، وفي (ب) و (د):(اشتراط تعقيب الوضوء بعد غسل الفرج).
(2)
أخرجه البخاري (228) عن عائشة رضي الله عنه.