الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ [في أداء الزكاة]
تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا تَمَكَّنَ، وَذَلِكَ بِحُضُورِ الْمَالِ وَالأَصْنَافِ. وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ زَكَاةَ الْمَالِ الْبَاطِنِ، وَكَذَا الظَّاهِرُ عَلَى الْجَدِيدِ، وَلَهُ التَّوْكِيلُ،
===
(فصل: تجب الزكاة) أي: أداؤها (على الفور إذا تمكَّن) بعد الحول (وذلك) أي: التمكن (بحضور المال والأصناف) للأمر بإيتاء الزكاة، مع حاجة المستحقين الدالة على الطلب، فيتحقق الوجوب في الحال.
نعم؛ لو أخَّر لانتظار قريب أو جار أو أحوج أو أصلح .. جاز على الأصحِّ، بشرط: عدم شدة ضرر الحاضرين، لكن يضمن إن تلف المال على الأصحِّ.
ويشترط في إمكان الأداء أيضًا: ألَّا يكون مشتغلًا بشيء يهمه من أمر دينه أو دنياه، قاله البغوي، وأقرَّاه (1).
(وله أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن) وهو النقد، والعرض، والركاز، وزكاة الفطرة بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب"(2).
(وكذا الظاهر) وهو المواشي، والزروع، والثمار، والمعادن (على الجديد) قياسًا على الباطن، والقديم: وجوب الدفع إلى الإمام أو نائبه؛ لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً} الآية، وظاهره: الوجوب، وإذا لزم الأخذ .. لزم المالك الدفع، وخالف الباطن؛ لأن للناس غرضًا في إخفاء أموالهم، ولا ينبغي تفويت ذلك عليهم، والظاهر لا يطلب إخفاؤه، ولا فرق في جريان الخلاف بين العادل وغيره على الأصح.
ومحل الخلاف: إذا لم يطلب الإمام، فإن طلب .. وجب الدفع إليه بلا خلاف؛ كما في "الروضة"، و"شرح المهذب"(3).
(وله التوكيل) في التفرقة حيث يجوز له التفرقة بنفسه؛ لأنه حقّ مالي فجاز التوكيل في أدائه؛ كحقوق الآدميين.
(1) الشرح الكبير (3/ 40)، روضة الطالبين (2/ 325).
(2)
المجموع (5/ 299).
(3)
روضة الطالبين (2/ 206)، المجموع (6/ 150).
وَالصَّرْفُ إِلَى الإِمَامِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الصَّرْفَ إِلَى الإِمَامِ أَفْضَلُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَائِرًا.
وَتَجِبُ النِّيَّةُ، فَيَنْوِي:(هَذَا فَرْضُ زَكَاةِ مَالِي)، أَوْ (فَرْضُ صَدَقَةِ مَالِي)، وَنَحْوَهُمَا، وَلَا يَكْفِي:(فَرْضُ مَالِي)،
===
وقضية إطلاقه: جواز توكيل الكافر والصبي، وهو كذلك؛ كما صرح به الرافعي في (الأضحية)، لكن ذكر الروياني في "البحر" أنه يشترط في الكافر والصبي: تعيين المدفوع إليه، وذكر البغوي مثله في الصبي، ولم يتعرض للكافر (1).
(والصرف إلى الإمام) لأنه نائب المستحقين، فجاز الدفع إليه؛ كولي اليتيم.
(والأظهر: أن الصرف إلى الإمام أفضل) لأنه أعرف بالمستحقين، وأقدر على التفرقة، (إلا أن يكون جائرًا) فالأفضل: أن يفرق بنفسه؛ لأن الجائر قد لا يعطيها لمستحقها، والثاني: الأفضل: الصرف إليه مطلقًا، والثالث: الأفضل: تفرقته بنفسه مطلقًا؛ ليخص الأقارب ونحوهم، وينال أجر التفريق.
ومحل الخلاف: في الأموال الباطنة؛ أما الظاهرة .. فدفعها إلى الإمام إذا كان عادلًا أفضلُ قطعًا؛ للخروج من الخلاف، وقيل: على الخلاف، وصحح في "شرح المهذب" استحباب صرف الظاهر إليه وإن كان جائرًا (2).
(وتجب النية) للخبر المشهور (3)، والاعتبار فيها بالقلب (فينوي: هذا فرض زكاة مالي، أو فرض صدقة مالي ونحوهما) كزكاة مالي المفروضة، أو الصدقة المفروضة.
وقضية كلامه: اشتراط نية الفرضية مع نية الزكاة، وليس كذلك، بل الصحيح في "الروضة": القطع بعدم الاشتراط؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا، وبهذا خالفت الصلاة (4).
(ولا يكفي فرض مالي) لأن ذلك يصدق على الكفارة، والنذر، وغيرهما،
(1) الشرح الكبير (12/ 77).
(2)
المجموع (6/ 148).
(3)
أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(4)
روضة الطالبين (2/ 207).
وَكَذَا الصَّدَقَةُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَالِ، وَلَوْ عَيَّنَ .. لَمْ يَقَعْ عَنْ غَيْرِهِ. وَتلزَمُ الْوَليَّ النّيَّةُ إِذَا أَخْرَجَ زَكَاةَ الصَبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَتَكْفِي نِيَّةُ الْمُوَكِّلِ عِنْدَ الصَّرْفِ إِلَى الْوَكِيلِ فِي الأَصَحِّ،
===
(وكذا الصدقة في الأصح) لصدقها على صدقة التطوع، والثاني: يكفي؛ لأنها قد عُهدت في القرآن لأداء الزكاة؛ كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} الآية.
وقوله: (الصدقة) كذا في "الشرحين" و"الروضة" و"الكفاية"(1)، لكن في "شرح المهذب": لو نوى الصدقة فقط .. لم يجزه على المذهب، وبه قطع الجمهور، وحكى الرافعي فيه وجها ضعيفًا، ولو نوى صدقة ماله، أو صدقة المال .. فوجهان: أصحهما: لا يجزيه (2).
والفرق بين المسألتين: أن الصدقة تطلق على غير المال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فَكُلُّ تَكْبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَة"(3).
(ولا يجب تعَيين المال) المخرج عنه؛ كالكفارات، فلو كان له خَمس من الإبل، وأربعون شاة، فأخرج شاة ناويًا للزكاة، ولم يعين بقلبه أحد النوعين .. جاز، وعَيَّنه لما شاء.
(ولو عين .. لم يمع عن غيره) ولو بان المعين تالفًا؛ لأنه لم ينو ذلك الغير؛ فإن نوى أنه إن بان ذلك المعيَّن تالفًا فعن غيره .. وقع عن ذلك الغير.
(وتلزم الولي النية إذا أخرج زكاة الصبي والمجنون) لأن النية واجبة، وقد تعذرت من المالك، فقام بها وليه؛ كالإخراج، والسفيه ملحق بهما؛ كما جزم به في "شرح المهذب"، وادعى الاتفاق عليه (4).
(وتكفي نية الموكل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح) أي: عن نية الوكيل عند الصرف إلى المستحقين؛ لوجود النية من المخاطب بالزكاة مقارنة لفعله، والثاني: لا؛ كالحج.
(1) الشرح الكبير (3/ 6)، روضة الطالبين (2/ 207)، كفاية النبيه (6/ 126).
(2)
المجموع (6/ 167).
(3)
أخرجه مسلم (720) عن أبي ذر رضي الله عنه.
(4)
المجموع (6/ 170).
وَالأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ الْوَكيلُ عِنْدَ التَّفرِيقِ أَيْضًا. وَلَوْ دَفَعَ إِلَى السُّلْطَانِ .. كَفَتِ النّيَّةُ عِنْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ .. لَمْ يُجْزِ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ نَوَى السُّلْطَانُ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ تلزَمُ السُّلْطَانَ النِّيَّةُ إِذَا أَخَذَ زَكَاةَ الْمُمْتَنِعِ، وَأَنَّ نِيَّتَهُ تَكْفِي
===
وفرق الأول: بأن العبادة في الحج فعلُ النائب فوجبت النية منه، وهي هنا بمال المُوكِّل فكفت نيته، ولو عزل مقدار الزكاة، ونوى عند العزل .. جاز في الأصحِّ، ولو نوى الموكِّل وحده عند تفرقة الوكيل .. جاز قطعًا، وكذا لو لم ينو الموكل، لكن فوَّض النية إلى الوكيل فنوى إذا كان الوكيل أهلًا للنية لا كافرًا وصبيًّا.
(والأفضل: أن ينوي الوكيل عند التفريق أيضًا) للخروج من هذا الخلاف.
(ولو دفع إلى السلطان .. كلفت النية عنده) وإن لم ينو السلطان عند الصرف؛ لأنه نائب المستحقين، فالدفع إليه كالدفع إليهم.
(فإن لم ينو) عند الدفع إليه ( .. لم يُجْزِ على الصحيح وإن نوى السلطان) لأنه نائب المستحقين، ولو دفع المالك إليهم بلا نية .. لم يُجز فكذا نائبهم، والثاني: يجزيه؛ لأن العادة فيما يأخذه الإمام ويفرقه على الأصناف إنما هو الفرض، فأغنت هذه القرينة عن النية، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم"، [وظاهر نص "المختصر"](1)، وقطع به كثير من العراقيين (2)، وحينئذ فلا يحسن التعبير بـ (الصحيح).
(والأصح: أنه تلزم السلطانَ النيةُ إذا أخذ زكاة الممتنع، وأن نِيَّته) أي: السلطان (تكفي) عن نية الممتنع؛ لأنَّ الممتنع مقهور يقوم غيره مقامه في إعطاء المستحقين، فقام مقامه في وجوب النية، وفي الاكتفاء بها؛ كولي المحجور عليه، والثاني: لا يلزمه، ولا تكفي، لأن التقصير من المالك في تركه ما يعتدّ به، فإن أراد براءة ذمته بما أخذ له .. فينوي.
ومحل الخلاف: في الاكتفاء بنية السلطان في إسقاط الفرض باطنًا، أما الاكتفاء ظاهرًا بمعنى أنه لا يطالب بها ثانيًا .. فلا خلاف فيه.
* * *
(1) ما بين المعقوفين زيادة من غير (أ).
(2)
الأم (3/ 57)، مختصر المزني (ص 45).