الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابُ الصِّيام
يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، أَوْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَثُبُوتُ رُؤْيَتِهِ بِعَدْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: عَدْلَانِ
===
(كتاب الصيام)
هو لغة: الإمساك، ومنه {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} أي: صمتًا، وفي الشرع: إمساك مخصوص من شخص مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص.
(يجب صوم رمضان) بالإجماع (بإكمال شعبان ثلاثين، أو رؤية الهلال) لقوله تعالي: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، والمراد بالشهادة هنا: العلم، والعلم إما بالرؤية، وإما باستكمال شعبان؛ لقوله صلي الله عليه وسلم:"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ .. فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ" رواه البخاري (1)، والمراد: رؤيته في الجملة بشرطه الآتي.
(وثبوت رؤيته بعدل) لأن ابن عمر رآه فأخبر رسول الله صلي الله عليه وسلم بذلك، فصام، وأمر الناس بصيامه، رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان (2)، (وفي قول: عدلان) كهلال شوال، وسائر الشهادات.
ومحل ثبوته بواحد: إنما هو بالنسبة للصوم فقط، فلا يقع الطلاق والعتق المعلَّقان به، ولا تحلّ الآجال المعلَّقة به، قاله البغوي، وبحث فيه الرافعي (3).
(1) صحيح البخاري (1909) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
صحيح ابن حبان (3447)، سنن أبي داوود (2342)، وأخرجه الحاكم (1/ 423).
(3)
التهذيب (3/ 151 - 152)، الشرح الكبير (3/ 179). قال الرافعي [3/ 179]:(ولو قال قائل: هلَّا ثبت ذلك ضمنًا؛ كما سبق نظيره .. لأحوج إلى الفرق)، وعنى بـ (نظيره): ما إذا صمنا بقول الواحد ولم نر الهلال فإنا نفطر علي الأصح، وإن كان شوال لا يثبت بالواحد، ومثله: النسب والميراث؛ فإنهما لا يثبتان بشهادة النساء إلا عند شهادتهن بالولادة؛ فإنهما يثبتان ضمنًا، وقد فرق الرافعي في (كتاب الشهادات)[13/ 52] بين ثبوت النسب والميراث، وبين عدم حلول الآجال وعدم وقوع الطلاق والعتاق بما حاصله: أن النسب ونحوه لازم للمشهود به، والطلاق والعتاق والحلول ليس بلازم؛ لاستهلال الشهر. اهـ هامش (أ).
وَشَرْطُ الْوَاحِدِ: صِفَةُ الْعُدُولِ فِي الأَصَحِّ، لَا عَبْدٍ وَامْرَأَةٍ. وَإِذَا صُمْنَا بِعَدْلٍ وَلَمْ نَرَ الْهِلَالَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ .. أَفْطَرْنَا فِي الأَصَحِّ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً. وَإِذَا رُئِيَ بِبَلَدٍ .. لَزِمَ حُكْمُهُ الْبَلَدَ الْقَرِيبَ دُونَ الْبَعِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَالْبَعِيدُ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ: بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ. قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
===
(وشرط الواحد: صفة العدول في الأصحِّ: لا عبد وامرأة) مثار الخلاف: أن هذا من باب الشهادة، وهو الأصحُّ، فلا يكفي قولهما فيه، أو من باب الرواية، فيكفي.
وقوله: (وشرط الواحد: صفة العدول) بعد قوله: (بعدل) فيه رِكَّة؛ فإن العدل من كانت فيه صفة العدول، وما زعمه من أن العبد والمرأةَ ليسا عدلين ممنوعٌ؛ إذ العدل: من لم يرتكب كبيرة، ولا أصرَّ على صغيرة.
نعم؛ ليسا من أهل قبول الشهادة.
(وإذا صمنا بعدل، ولم نر الهلال بعد ثلاثين .. أفطرنا في الأصح وإن كانت السماء مُصحِيةً) لإكمال العدد؛ كما لو صمنا بعدلين، والثاني: لا؛ لأن الفطر يؤدي إلي إثبات شوال بقول واحد، وهو ممتنع.
وأجاب الأول: بأن الشيء قد يثبت ضمنًا ولا يثبت مقصودًا؛ كما في شهادة النساء، لا يثبت بها النسب والميراث مقصودًا، ويثبتان ضمنًا للولادة.
(وإذا رُئي ببلد .. لزم حكمُه البلدَ القريب) قطعًا؛ لأنهما كبلد واحد (دون البعيد في الأصح) قياسًا علي أوقات الصلاة؛ فإنَّ لكلّ بلد حكمَه من الطوالع والغوارب؛ كطلوع الشمس وغروبها، والثاني: تلزم البعيد أيضًا؛ لأن الهلال واحد والخطابَ شاملٌ.
(والبعيد: مسافة القصر) لأن الشرع علّق بها كثيرًا من الأحكام، واعتبار المطالع يُحوج إلي حساب، وتحكيم المنجِّمين، وقواعدُ الشرع تأباه.
(وقيل: باختلاف المطالع، قلت: هذا أصح، والله أعلم) وبه أجاب جمهور العراقيين والصَّيْدَلاني وغيرهم؛ لأن أمر الهلال لا تعلُّق له بمسافة القصر؛ فعلي هذا: لو شكّ في اتفاقهما .. لم يجب الصوم علي الذين لم يروا؛ لأن الأصل عدم الوجوب.
وَإِذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَي الْبَلَدِ الآخَرِ، فَسَافَرَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِي الصَّوْمِ آخِرًا. وَمَنْ سَافَرَ مِنَ الْبَلَدِ الآخَرِ إِلَي بَلَدِ الرُّؤْيَةِ .. عَيَّدَ مَعَهُمْ وَقَضَي يَوْمًا. وَمَنْ أَصْبَحَ مُعَيِّدًا فَسَارَتْ سَفِينَتُهُ إِلَي بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ أَهْلُهَا صِيَامٌ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُمْسِكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ.
===
(وإذا لم نوجب علي البلد الآخر، فسافر إليه من بلد الرؤية (1) .. فالأصح: أنه يوافقهم في الصوم آخرًا) وإن كان قد أتمَّ ثلاثين؛ لأنه بالانتقال إلي بلدهم صار واحدًا منهم، فيلزمهم حكمهم، والثاني: يفطر؛ لأنه التزم حكم البلد الأول، فيستمرّ عليه (2).
(ومن سافر من البلد الآخر إلي بلد الرؤية .. عيَّد معهم) ولو كان صام ثمانيةً وعشرين فقط، بأن كان رمضانُ أيضًا عندهم ناقصًا، فوقع عيدُه معهم في التاسع والعشرين من صومه؛ بناءً علي أنَّ للمنتقِل حكمَ المنتقَل إليه، (وقضي يومًا) إذا كان تعييده معهم في التاسع والعشرين من صومه؛ كما في "الشرحين"، و"المحرر"، و"الروضة"(3)؛ لأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين، بخلاف ما إذا عيَّد معهم يوم الثلاثين .. فإنه لا قضاء؛ لأنه يكون تسعةً وعشرين.
(ومن أصبح معيِّدًا، فسارت سفينته إلي بلدة بعيدةٍ أهلُها صِيام .. فالأصح: أنه يمسك بقية اليوم) وجوبًا؛ بناء علي أن لكلّ بلد حكمَ نفسه، وأن للمنتقَل إليه حكمَه لا حكم المنتقل عنه، وهذا ما قاله الشيخ أبو محمد، واستبعده الإمام والغزالي من حيث إنه لم يرد فيه أثر، وتجزئة اليوم الواحد بإمساك بعضه دون بعض بعيدة (4)، وهذا الاستبعاد هو المقابِل للأصح في كلام المصنف.
* * *
(1) في (ب): (فسار إليه من بلد الرؤية).
(2)
قال السبكي: ولك أن تقول بعد التعليق: صار العتق والطلاق لازمين لأول الشهر؛ كما أن العيد لازم لاستكمال ثلاثين منه. اهـ هامش (أ).
(3)
الشرح الكبير (3/ 181)، المحرر (ص 108)، روضة الطالبين (3/ 349).
(4)
نهاية المطلب (4/ 19)، الوسيط (2/ 517).