المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الإهداء

- ‌كلمة الشكر

- ‌اسمه ونسبه

- ‌مولده ونشأته

- ‌طلبه للعلم

- ‌شيوخه

- ‌تصدره للتدريس

- ‌ذكر بعض المدارس في عصره

- ‌تلامذته

- ‌وصفه وملبسه

- ‌بعض مناقبه

- ‌ثناء العلماء عليه

- ‌مؤلفاته

- ‌وفاته

- ‌رثاؤه

- ‌اسمه ونسبه وشهرته ومذهبه

- ‌ولادته ونشأته

- ‌طلبه للعلم والرحلة في ذلك

- ‌شيوخه

- ‌تلامذته

- ‌مؤلفاته

- ‌مكانته العلمية وثناء العلماء عليه

- ‌وفاته

- ‌ملامح عن منهج الإمام ابن قاضي شهبة في الكتاب

- ‌المكتبة السليمانية، وقصَّة المحقِّق مع الكتاب

- ‌وصف النُّسَخ الخطيَّة

- ‌منهج العمل في الكتاب

- ‌[خُطْبَة الشَّرح]

- ‌[خُطْبَة المَتن]

- ‌كتابُ الطّهارة

- ‌بابُ أسباب الحَدَث

- ‌فَصْلٌ [في آداب الخلاء]

- ‌بابُ الوضوء

- ‌بابُ مسح الخُفِّ

- ‌بابُ الغَسْل

- ‌بابُ النَّجاسة

- ‌بابُ التَّيَمُّم

- ‌فصل [في شروط التيمم وكيفيته]

- ‌بابُ الحَيْض

- ‌فصل [فيما تراه المرأة من الدماء]

- ‌كتابُ الصَّلاة

- ‌فصل [فيمن تجب عليه الصلاة]

- ‌فصل [في بيان الأذان والإقامة]

- ‌فصل [في بيان القبلة وما يتبعها]

- ‌بابُ صفة الصّلاة

- ‌بابٌ [شروط الصلاة]

- ‌فَصْلٌ [في ذكر بعض مبطلات الصلاة]

- ‌بابٌ [سجودُ السَّهْو]

- ‌بابٌ في سجود التّلاوة والشّكر

- ‌بابٌ [في صلاة النّفل]

- ‌كتاب صلاة الجماعة

- ‌فصلٌ [في صفات الأئمة]

- ‌فصلٌ [في بعض شروط القدوة ومكروهاتها وكثير من آدابها]

- ‌فصلٌ [في بعض شروط القدوة أيضًا]

- ‌فصلٌ [في متابعة الإمام]

- ‌فَصْلٌ [في زوال القدوة وإيجادها]

- ‌باب صلاة المسافر

- ‌فَصْلٌ [في شروط القصر وتوابعها]

- ‌فَصْلٌ [في الجمع ببن الصلاتين]

- ‌بابٌ صلاة الجمعة

- ‌فَصْلٌ [في الأغسال المستحبة في الجمعة وغيرها]

- ‌فَصْلٌ [في بيان ما يحصل به إدراك الجمعة]

- ‌بابُ صلاة الخوف

- ‌فصلٌ [فيما يجوز لبسه وما لا يجوز]

- ‌بابُ صلاة العيدين

- ‌فصلٌ [في التكبير المرسل والمقيد]

- ‌باب صلاة الكسوفين

- ‌باب صلاة الاستسقاء

- ‌بابٌ [في حكم تارك الصلاة]

- ‌كتاب الجنائِز

- ‌فصل [في تكفين الميت]

- ‌فصلٌ [في الصلاة على الميت]

- ‌فرعٌ [في بيان الأولى بالصلاة]

- ‌فصلٌ [في دفن الميت]

- ‌كتاب الزكاة

- ‌باب زكاة الحيوان

- ‌فصلٌ [في بيان كيفية الإخراج]

- ‌باب زكاة النبات

- ‌باب زكاة النّقد

- ‌بابُ زكاة المعدن والرِّكاز والتجارة

- ‌فصْلٌ [في أحكام زكاة التجارة]

- ‌بابُ زكاة الفِطر

- ‌باب من تلزمه الزكاة، وما تجب فيه

- ‌فَصْلٌ [في أداء الزكاة]

- ‌فصلٌ [في تعجيل الزكاة]

- ‌كتابُ الصِّيام

- ‌فَصْلٌ [في أركان الصوم]

- ‌فَصْلٌ [في شرط الصوم]

- ‌فصْلٌ [شرط صحة الصوم من حيث الفاعل والوقت]

- ‌فَصْلٌ [في شروط وجوب صوم رمضان]

- ‌فَصْلٌ [في فدية الصوم الواجب]

- ‌فَصْلٌ [في موجب كفارة الصوم]

- ‌باب صوم التَّطوُّع

- ‌كتابُ الاعتكاف

- ‌فَصْلٌ [في حكم الاعتكاف المنذور]

- ‌(كتاب الحج)

- ‌بابُ المواقيت

- ‌بابُ الإحرام

- ‌فَصْلٌ [في ركن الإحرام]

- ‌بابُ دخول مكة

- ‌فصلٌ [فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن]

- ‌فصلٌ [فيما يختم به الطواف]

- ‌فصلٌ [في الوقوف بعرفة]

- ‌فصلٌ [في المبيت بالمزدلفة والدفع منها]

- ‌فصلٌ [في المبيت بمنى ليالي التشريق]

- ‌فصلٌ [في بيان أركان الحج والعمرة]

- ‌بابُ محرَّمات الإحرام

- ‌باب الإحصار والفوات

الفصل: ‌باب صلاة الجمعة

‌بابٌ صلاة الجمعة

إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِلَا مَرَضٍ وَنَحْوِهِ. وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْمُكَاتَبِ، وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَنْ صَحَّتْ ظُهْرُهُ .. صَحَّتْ جُمُعَتُهُ

===

(باب صلاة الجمعة)

هي بإسكان الميم، وضمها، وفتحها، وحكي كسرها أيضًا، سميت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها، وقيل: لما جمع فيها من الخير (1).

(إنما تتعين على كل مكلف حر ذكر مقيم بلا مرض، ونحوِه) من الأعذار؛ لحديث: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ آمْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ" رواه أَبو داوود، وغيره (2).

فلا جمعة على صبي، ومجنون، وعبد، وا مرأة، ومريض؛ للحديث المذكور، ولا على مسافر سفرًا مباحًا ولو قصيرًا؛ لاشتغاله به.

(ولا جمعة على معذور بمرخِّص في ترك الجماعة) مما يمكن مجيئه في الجمعة؛ فإن الريح بالليل لا يمكن عدّها.

(والمكاتَب) لأنه عبد ما بقي عليه درهمٌ، (وكذا مَن بعضه رقيق على الصحيح) لعدم كماله واستقلاله، والثاني: إن كان بينهما مُهايأة، ووقعت الجمعة في نوبته .. لزمته؛ لفراغه حينئذٍ.

(ومن صحت ظُهره) ممن لا تلزمه الجمعة؛ كالصبي، والعبد ( .. صحت جمعته) بالإجماع.

(1) فائدة: أول من سمى الجمعة جمعة: كعب بن لؤي كان يجمع الناس بمكة، ويخطبهم، ويبشر بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ويحض على اتباعه، وصلاة الجمعة أفضل الصلوات، ويومها أفضل أيام الأسبوع يعتق الله فيه سبع مئة ألف عتيق من النار، ومن مات فيه .. كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر، وفي "فضائل الأوقات" [ص 461] من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر مرفوعًا:"يَوْمُ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الأَيَّام وَأَعْظَمُهَا، وَأَعْظَمُ عِنْدَ الله مِنْ يَوْم الْفِطْرِ وَيَوْم الأَضْحَى". اهـ هامش (أ).

(2)

سنن أبي داوود (1067)، وأخرجه الدارقطني (2/ 3) والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 172) عن طارق بن شهاب رضي الله عنه، والحاكم (1/ 288) عن أبي موسى رضي الله عنه.

ص: 373

وَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنَ الْجَامِعِ، إِلَّا الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ فَيَحْرُمُ انْصِرَافُهُ إِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ إِلَّا أَنْ يَزِيدَ ضَرَرُهُ بِانْتِظَارِهِ. وَتَلْزَمُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ إِنْ وَجَدَا مَرْكَبًا وَلَمْ يَشُقَّ الرُّكُوبُ، وَالأَعْمَى يَجِدُ قَائِدًا. وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ إِنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ، أَوْ بَلَغَهُمْ صَوْتٌ عَالٍ فِي هُدُوٍّ مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ .. لَزِمَتْهُمْ، وَإِلَّا .. فَلَا.

===

(وله أن ينصرف من الجامع) قبل التحرم، لقيام المانع (إلا المريضَ، ونحوه) ممن ألحق به (فيحرم انصرافُه إن دخل الوقت) لزوال المشقة بالحضور.

(إلا أن يزيد ضررُه بانتظاره) هذا الاستثناء للإمام، ومن تبعه (1)، قال الرافعي: في "الشرح": ولا يبعد أن ينزل عليه إطلاقهم (2)، وجزم به في "الكتاب" تبعًا لـ" أصله"(3)، لكنه لم يستوفه، بل فاته أن يستثني ما إذا أقيمت الصلاة .. فإنه لا يجوز له الانصراف؛ كما قاله الإمام (4)، والأعمى الفاقد للقائد إذا حضر .. تلزمه بلا خلاف؛ كما قاله في "شرخ المهذب"(5).

(وتلزم الشيخَ الهرِمَ والزَّمِنَ إن وجدا مركبًا) ولو بإعارة أو إجارة، ولو كان آدميًّا؛ كما قاله في "شرح المهذب"(6)، (ولم يَشُقَّ الركوبُ) كمشقة المشي في الوَحَل؛ لانتفاء الضرر، (والأعمى يَجد قائدًا) ولو بأجرة مثل يجدها، فإن لم يجدها .. لم تلزمه؛ لما فيه من التعرض للضرر، وعن القاضي الحسين: أنه إن كان يحسن المشي بالعصا .. لزمه ذلك، وهو ظاهر.

(وأهل القرية إن كلان فيهم جمعٌ تصح به الجمعةُ، أو بلغهم صوتٌ عالٍ في هدو من طرفٍ يليهم لبلد الجمعة .. لزمتْهم، وإلّا .. فلا) لحديث: "الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" رواه أبو داوود (7).

(1) نهاية المطلب (2/ 516).

(2)

الشرح الكبير (2/ 298).

(3)

المحرر (ص 65).

(4)

نهاية المطلب (2/ 515 - 516).

(5)

المجموع (4/ 411).

(6)

المجموع (4/ 406).

(7)

سنن أبي داوود (1056) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

ص: 374

وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَّا أَنْ تُمْكِنَهُ الْجُمُعَةُ فِي طَرِيقِهِ، أَوْ يَتَضَرَّرَ بِتَخَلُّفِهِ عَنِ الرُّفْقَةِ. وَقَبْلَ الزَّوَالِ كَبَعْدِهِ فِي الْجَدِيدِ إِنْ كَانَ سَفَرًا مُبَاحًا، فَإِنْ كَانَ طَاعَةً .. جَازَ.

===

والمعتبر: سماع من أصغى إليه، ولم يكن أصمّ، ولا جاوز سمعُه حدَّ العادة، فإذا سمع ذلك بعضُ أهل القرية .. وجب على أهلها.

ويعتبر أيضًا: كون النداء بمستو من الأرض، فلو ارتفعت قرية فسمعت، ولو ساوت لم تسمع أو عكسه .. فالأصحُّ في "الروضة" و"أصلها"، و"شرح المهذب": لزوم الثانية دون الأولى؛ اعتبارًا بالاستواء، لا بنفس السماع، لكن صحح في "الشرح الصغير" عكسه، وكلام "الكتاب" يقتضيه (1).

ولو وافق العيد يوم الجمعة فحضر أهل القرية الذين يبلغهم النداء لصلاة العيد، ولو رجعوا إلى أهلهم فاتتهم الجمعة .. فلهم الرجوع وترك الجمعة على الأصحِّ، فتستثنى هذه الصورة من إطلاقه.

(ويحرم على من لزمتْه السفرُ بعد الزوال) لتفويته الفرض بعد وجوبه (2)(إلا أن تُمكنه الجمعةُ في طريقه) لحصول المقصود، (أو يتضرر بتخلفه عن الرُّفقة) لحصول الضرر.

(وقبل الزوال كبَعْدِه) فإن أمكنه الجمعة في طريقه، أو تضرر بتخلفه عن الرفقة .. جاز، وإلا .. فلا (في الجديد) لأن الجمعة مضافة إلى اليوم، ولهذا يجب السعي على بعيد الدار قبل الزوال، والقديم - ونص عليه في رواية حرملة، وهو من الجديد -: أنه يجوز، لأنه لم يدخل وقت الوجوب، وهو الزوال؛ كما إذا باع النصاب قبل تمام الحول (إن كان سفرًا مباحًا) أي: القولان في المباح.

(فإن كان طاعةً .. جاز) قطعًا، مستحبة كانت أو واجبة؛ لحديث فيه في

(1) روضة الطالبين (2/ 38)، الشرح الكبير (2/ 302 - 303)، المجموع (4/ 408).

(2)

فائدة: روى البيهقي في كتاب "فضائل الأوقات"[ص 483] عن الأوزاعي قال: كان عندنا رجل صياد يسافر يوم الجمعة يصطاد، ولا ينتظر الجمعة، فخرج يومأ فخُسف ببغلته، فلم يبق منها إلّا أذنها، وروى عن مجاهد أنه قال: إن قومًا سافروا يوم الجمعة حين زوال الشمس فاضطرم عليهم خِباؤهم من غير أن يروا نارًا، وروى الدارقطني في "الأفراد" من رواية ابن لَهيعة: أنه من سافر يوم الجمعة .. دعت عليه الملائكة ألّا يُصْحَب في سفره. اهـ هامش (أ).

ص: 375

قُلْتُ: الأَصحُّ: أَنَّ الطَاعَةَ كَالْمُبَاحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ .. تُسَنُّ الْجَمَاعَهُ فِي ظُهْرِهِمْ فِي الأَصَحِّ، وَيُخْفُونَهَا إِنْ خَفِيَ عُذْرُهُمْ. وَيُنْدَبُ لِمَنْ أَمْكَنَ زَوَالُ عُذْرِهِ تَأْخِيرُ ظُهْرِهِ إِلَى الْيَأْسِ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَلِغَيْرِهِ كَالْمَرْأَةِ وَالزَّمِنِ: تَعْجِيلُهَا. وَلِصِحَّتِهَا -مَعَ شَرْطِ غَيْرِهَا- شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وَقْتُ الظُّهْرِ، فَلَا تُقْضَى جُمُعَةً،

===

"الترمذي"، لكنه ضعيف (1)، (قلت: الأصح: أن الطاعة كالمباح، والله أعلم) فيجري فيه القولان؛ لعدم صحة نص في التفرقة، أما بعد الزوال: فيمتنع فيهما وإن كان كلام "المحرر" يوهم إجراءَ الخلاف فيه (2).

(ومن لا جمعة عليهم .. تُسن الجماعةُ في ظهرهم في الأصح) لعموم الأدلة الطالبة للجماعة، والثاني: لا؛ لأن الجماعة في هذا اليوم شعار الجمعة، والخلاف في المعذورين في البلد، فإن كانوا في غيره .. استحبت الجماعة في ظهرهم إجماعًا؛ كما في "شرح المهذب"(3).

(ويُخفونها إن خفي عذرُهم) دفعًا لتهمة الرغبة عن الجمعة، أما إذا كان ظاهرًا .. فلا تهمة، وقيل: يستحب الإخفاء مطلقًا.

(ويندب لمن أمكن زوالُ عذره) كالعبد يرجو العتق، والمريض يتوقع الخفة (تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة) وذلك برفع الإمام من الركوع الثاني؛ لأنه قد يزول عذره، ويتمكن من فرض أهل الكمال، (ولغيره كالمرأة والزَّمِن: تعجيلُها) محافظة على فضيلة أول الوقت.

(ولصحتها مع شرطِ غيرِها) من سائر الصلوات (شروطٌ: أحدها: وقتُ الظهر) للاتباع (4)، ولأنهما فرضا وقت واحد، فلم يختلف وقتهما؛ كصلاة الحضر، وصلاة السفر، (فلا تُقضى جمعةً) بل ظهرًا بالإجماع.

(1) سنن الترمذي (527) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(2)

المحرر (ص 65).

(3)

المجموع (4/ 414).

(4)

أخرجه البخاري (904) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، على هامش (أ) لحق وهو:(كما رواه البخاري) ولم يصحح، ولم يشر إلى موضعه من الكتاب، فإن كان من النص .. فمكانه اللائق بعد كلمة (للاتباع).

ص: 376

فَلَوْ ضَاقَ عَنْهَا .. صَلَّوْا ظُهْرًا، وَلَوْ خَرَجَ وَهُمْ فِيهَا .. وَجَبَ الظُّهْرُ بِنَاءً، وَفِي قَوْلٍ: اسْتِئْنَافًا. وَالْمَسْبُوقُ كَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا جُمُعَةً. الثَّانِي: أَنْ تُقَامَ فِي خِطَّةِ أَبْنِيَةِ أَوْطَانِ الْمُجَمِّعِينَ،

===

(فلو ضاق عنها) بأن لم يبق من الوقت ما يسع أركانَ الخطبتين والركعتين ( .. صلَّوا ظهرًا) كما لو فات شرط القصر .. لزم الإتمام.

(ولو خرج) الوقت (وهم فيها .. وجب الظهرُ) وفاتت الجمعة، لأنها عبادة لا يجوز الابتداء بها بعد خروج وقتها، ففاتت بفواته؛ كالحج، (بناءً) أي: تنقلب الجمعة ظهرًا، ويبنون على ما مضى وجوبا، لأنهما صلاتا وقت واحد، فجارينا أطولَهما على أقصرهما؛ كصلاة الحضر مع السفر، (وفي قول: استئنافًا) أي: تبطل الجمعة، ويستأنفون الظهر، والقولان مبنيان على أن الجمعة ظهرٌ مقصورة، أم صلاة على حِيالها؟ قاله الرافعي (1)، وقضية البناء: تصحيح الثاني، فإن الأصحَّ في "زيادة الروضة": أنها صلاة بحِيالها، ومع هذا صُحِّح قول البناء (2).

(والمسبوق كغيره) إذا خرج الوقت بعد قيامه إلى الثانية، فيتمها ظهرًا على الأصحِّ، قال الإسنوي: وعلى هذا: فالقياس: أنه يجب عليه أن يفارق الإمام في التشهد، ويقتصر على الفرائض، إذا لم يمكنه إدراكُ الجمعة إلَّا بذلك.

(وقيل: يُتمها جمعةً) لأنه تابع لجمعة القوم، وهي صحيحة، بخلاف ما إذا خرج الوقت قبل سلام الإمام.

(الثاني: أن تقام في خطةِ أبنيةِ أوطانِ المجمِّعين) للاتباع (3)، ويستثنى من اشتراط الأبنية: ما إذا انهدمت قرية فأقام أهلها لعمارتها .. فإنه تلزمهم إقامةُ الجمعة فيها، بخلاف ما إذا أقاموا لعمارة أرض فَيْحَاءَ، نصَّ عليه (4)، والفرق: الاستصحاب في الموضعين.

(1) الشرح الكبير (2/ 249).

(2)

روضة الطالبين (2/ 3، 23).

(3)

لأنها لم تقم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين إلا في مواضع الإقامة، وأخرج البخاري (892) عن ابن عباس رضي الله عنهما:(إن أول جمعة جمّعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين).

(4)

الأم (2/ 379).

ص: 377

وَلَوْ لَازَمَ أَهْلُ الْخِيَامِ الصَّحْرَاءَ أَبَدًا .. فَلَا جُمُعَةَ فِي الأَظْهَرِ. الثَّالِثُ: أَلَّا يَسْبقَهَا وَلَا يُقَارِنَهَا جُمُعَةٌ فِي بَلْدَتِهَا إِلَّا إِذَا كَبُرَتْ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانٍ، وَقِيلَ: لَا تستَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ، وَقِيلَ: إِنْ حَالَ نَهْرٌ عَظِيمٌ بَيْنَ شِقَّيْهَا .. كَانَا كَبَلَدَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ قُرىً فاتَّصَلَتْ .. تَعَدَّدَتِ الْجُمُعَةُ بِعَدَدِهَا

===

(ولو لازم أهلُ الخيام الصحراءَ أبدًا .. فلا جمعة) عليهم (في الأظهر) لأن قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة، وما كانوا يصلونها، وما أمرهم الشارع بها، وهذا؛ لأنهم على هيئة المستوفزين، نعم؛ يلزم من سمع النداء منهم، والثاني: تجب عليهم، ويقيمونها في موضعهم؛ لأن الصحراء وطنُهم، هذا إذا لازموا موضعًا واحدًا صيفًا وشتاء، أما لو كانوا ينتقلون من موضع إلى موضع بسبب المرعى، أو يُصَيِّفون في ناحية، ويَشْتُون في أخرى .. فلا تلزمهم، ولا تصحّ منهم قطعًا.

(الثالث: ألّا يسبقَها، ولا يقارنَها جمعةٌ في بلدتها) وإن عظمت؛ لأنها لم تفعل في زمنه عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا في زمن الخلفاء الراشدين إلا في موضع واحد، وحكمته: ظهور شعار الاجتماع، واتفاق كلمة الإسلام.

(إلّا إذا كبرتْ، وعَسُرَ اجتماعُهم في مكان) فتجوز الزيادة بقدر الحاجة؛ لأن الشافعي دخل بغداد وهم يقيمونها في موضعين، فلم ينكره، فقال الجمهور: هذا سببه.

(وقيل: لا تُستثنى هذه الصورةُ) وإنما لم ينكره الشافعي؛ لأن المسألة اجتهادية، وليس للمجتهد الإنكارُ على المجتهدين، وقال السبكي: إن عدم الاستثناء هو الصحيح مذهبًا ودليلًا، وهو قول أكثر العلماء، ولا يُحفَظ عن صحابي ولا تابعي تجويزُه، ولم يزل الناس على ذلك إلى أن أحدث المهدي ببغداد جامعًا آخر، وبسط ذلك.

(وقيل: إن حال نهرٌ عظيم بين شِقَّيها .. كانا كبلدين) لأنه يَجعل الشقين كبلدين، فلا يقام في كل شق أكثر من جمعة، وقائله يحمل عدم الإنكار على ذلك، (وقيل: إن كانت قرىً فاتصلتْ .. تعددت الجمعةُ بعددها) أجرى عليها الحكمَ الأول، وقائله يحمل عدم الإنكار على ذلك.

ص: 378

فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ .. فَالصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الثَّانِيَةِ .. فَهِيَ الصَّحِيحَةُ. وَالْمُعْتبَرُ: سَبْقُ التَّحَرُّمِ، وَقِيلَ: التَّحَلُّلِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ الْخُطْبَةِ. فَلَوْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ شُكَّ .. اسْتُؤْيفَتِ الْجُمُعَةُ. وَإِنْ سَتقَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ، أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيَتْ .. صَلَّوْا ظُهْرًا، وَفِي قَوْلٍ: جُمُعَةً. الرَّابعُ: الْجَمَاعَةُ، وَشَرْطُهَا: كَغَيْرِهَا،

===

(فلو سبقها جمعةٌ) حيث لا يجوز التعدد ( .. فالصحيحة السابقة) لاجتماع الشرائط فيها، واللاحقة باطلة؛ لما مرّ من أنه لا يزيد على واحدة، (وفي قول: إن كان السلطانُ مع الثانية .. فهي الصحيحةُ) مخافة من التفويت على الجم الغفير؛ لأنهم يحضرون بحضوره، قال ابن الأستاذ: وسواء كان إمامًا، أو مأمومًا، قال الجيلي: والمراد بالسلطان: الإمام الأعظم، أو خليفته في الإمامة، أو الراتب من جهته، وقال السبكي: يظهر أن كلَّ خطيب ولّاه السلطان هو كالسلطان في ذلك، وأنه مراد الأصحاب. انتهى، وفيه نظر.

(والمعتبر: سَبْق التحرم) بتمام التكبير، وهو الراء وإن سبق الآخر له بالهمزة؛ لأن به الانعقادَ، وقيل: العبرة بأول التكبير، (وقيل: التحلل) وهو السلام؛ للأمن معه من عروض فساد الصلاة، فكان اعتباره أولى من اعتبار ما قبله، (وقيل: بأول الخطبة) بناء على أن الخطبتين بدل عن الركعتين.

(فلو وقعتا معًا أو شك) في سبق إحداهما ( .. استؤنفت الجمعة) إن اتسع الوقت؛ لأن الأصل عدم وقوع جمعة مجزئة في حق كل طائفة.

(وإن سبقت إحداهما ولم تتعين، أو تعينت، ونُسيتْ .. صلَّوا ظهرًا) لتيقن وقوع جمعة صحيحة في نفس الأمر، ولا يمكن إقامة جمعة بعدها، والطائفة التي صحت لها الجمعةُ غيرُ معلومة، والأصل: بقاء الفرض في حق كل طائفة، فوجب عليهما الظهر، (وفي قول: جمعةً) لأن المفعولتين غير مجزئتين، فصار وجودهما كعدمهما (1).

(الرابع: الجماعة) بإجماع من يعتدّ به.

(وشرطها: كغيرها) من الجماعات، إلّا في نية الإمامة، فتجب هنا على

(1) بلغ مقابلة على خط مؤلفه عفا الله عنه. اهـ هامش (أ).

ص: 379

وَأَنْ تُقَامَ بِأَرْبَعِينَ مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا مُسْتَوْطِنًا لَا يَظْعَنُ شتَاءً وَلَا صَيْفًا إِلَّا لِحَاجَةٍ. وَالصَّحِيحُ: انْعِقَادُهَا بِالْمَرْضَى، وَأَنَّ الإِمَامَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ

===

الأصحِّ؛ لتحصل له الجماعة.

(وأن تقام بأربعين) لأنه أقلُّ عددٍ ثبت فيه التوقيف (1)، وتستثنى صلاة الخوف في صلاة ذات الرقاع؛ فإنه يشترط في انعقاد الجمعة: أن يزيدوا على الأربعين؛ ليحرم الإمام بأربعين، ويقف الزائد في وجه العدو، ولا يشترط بلوغهم أربعين على الصحيح؛ لأنهم تبع للأولين.

(مكلَّفًا حرًّا ذكرًا) لأن أضدادهم لا تجب عليهم لنقصهم، فلا تنعقد بهم، بخلاف المريض؛ فإنها إنما لم تجب عليه؛ رفقًا به لا لنقصه.

(مستوطنًا لا يَظعَن شتاءً، ولا صيفًا إلّا لحاجة) فلا تقام بمن أقام على عزم عوده إلى بلده بعد مدة قصيرة، أو طويلة؛ كفقيه وتاجر على الأصحِّ (لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقم الجمعة في حجة الوداع، وقد وافق يوم عرفة يوم الجمعة، مع عزمه على الإقامة أيامًا)(2)، وقوله: (لا يظعن

) إلى آخره هو بيان لقوله: (مستوطنًا)، وقد بين ذلك في "المحرر"(3).

(والصحيح: انعقادُها بالمرضى) لأنهم كاملون، والثاني: لا؛ كالمسافرين، وهو قول لا وجه؛ كما حكياه في "الشرح" و"الروضة"(4).

(وأن الإمام لا يشترط كونُه فوق أربعين) لإطلاق الأخبار، والثاني: يشترط؛ لما روي أنه عليه السلام جمع بالمدينة، ولم يجمع بأقل من أربعين (5)، قال الرافعي:(وهذا يُشعر بزيادته على الأربعين)(6).

(1) أخرجه ابن حبان (7013)، والحاكم (1/ 281)، وأبو داوود (1069)، والبيهقي (3/ 176، 177) عن كعب بن مالك رضي الله عنه.

(2)

أخرجه مسلم (1218) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(3)

المحرر (ص 67).

(4)

الشرح الكبير (2/ 256)، روضة الطالبين (2/ 7).

(5)

أخرجه البيهقي (3/ 180) عن ابن مسعود رضي الله عنه، وانظر "التلخيص الحبير"(3/ 998).

(6)

الشرح الكبير (2/ 257).

ص: 380

وَلَوِ انْفَضَّ الأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ فِي الْخُطْبَةِ .. لَمْ يُحْسَبِ الْمَفْعُولُ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَيَجُوزُ الْبنَاءُ عَلَى مَا مَضَى إِنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، وَكَذَا بِنَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ إِنِ انْفَضُّوا بَيْنَهُمَا. فَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولهِ .. وَجَبَ الاسْتِئْنَافُ فِي الأَظْهَرِ، وَإِنِ انْفَضُّوا فِي الصَّلَاةِ .. بَطَلَتْ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، إِنْ بَقِيَ اثْنَانِ. وَتَصِحُّ خَلْفَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُسَافِرِ فِي الأَظْهَرِ إِذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ

===

(ولو انفضَّ الأربعون، أو بعضُهم في الخطبة .. لم يُحسب المفعولُ) من واجباتها (في غيبتهم) قطعًا؛ إذ سماعها واجب، والمراد بالأربعين: العدد المعتبر، وهو تسعة وثلاثون على الأصحِّ، فلو كان مع الإمام الكامل أربعون، فانفض واحد منهم .. لم يضرّ.

(ويجوز البناءُ على ما مضى إن عادوا قبل طول الفصل) لأن الفصل اليسير لا يعد قاطعًا للموالاة، ويُعرف الطول، والقصر بالعرف؛ كما قاله في "شرح المهذب"(1).

(وكذا بناءُ الصلاة على الخطبة إن انفضُّوا بينهما) فإنه يجوز أيضًا إذا عادوا قريبًا؛ لما ذكرناه.

(فإن عادوا) في المسألتين (بعد طوله .. وجب الاستئنافُ في الأظهر) سواء كان بعذر أم لا؛ لأنه لم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأئمة من بعده إلّا متواليًا، والثاني: لا يجب؛ لأن غرض الوعظ والتذكير يحصل مع تفريق الكلمات.

(وإن انفضوا في الصلاة .. بطلت) الجمعة، ويُتمّونها ظهرًا؛ لأن العدد شرط في الابتداء، فيكون شرطًا في سائر الأجزاء؛ كالوقت.

(وفي قول: لا إن بقي اثنان) مع الإمام ليكونوا جمعًا، نظرًا إلى الابتداء فقط، لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.

(وتصح) الجمعة (خلف العبد والصبي والمسافر في الأظهر إذا تم العدد بغيره) لأن الجمعة تصح من الثلاثة، والعدد قد وجد بصفة الكمال، والاقتداءُ في صلاة بمن

(1) المجموع (4/ 427).

ص: 381

وَلَوْ بَانَ الإِمَامُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا .. صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ فِي الأَظْهَرِ إِنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيرِهِ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَمَنْ لَحِقَ الإِمَامَ الْمُحْدِثَ رَاكِعًا .. لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَته عَلَى الصَّحِيحِ. الْخَامِسُ: خُطْبَتَانِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَأَرْكَانُهُمَا خَمْسَةٌ: حَمْدُ اللهِ تَعَالَى،

===

لا تجب عليه تلك الصلاة .. جائز، والثاني: لا تصح؛ لأن الإمام ركن في صحة هذه الصلاة، فاشترط فيه الكمال كالأربعين بل أولى، فإن لم يتم العدد إلا به .. فلا تصح جزمًا.

(ولو بان الإمام جنبًا، أو محدثًا .. صحت جمعتُهم في الأظهر إن تم العدد بغيره) كما في سائر الصلوات، والثاني: لا تصح؛ لأن الجماعة شرط في الجمعة، والجماعة تقوم بالإمام والمأموم، فإذا بان الإمام محدثًا .. بَانَ ألّا جمعة له ولا جماعة، بخلاف غيرها، وحقيقة الخلاف راجعة إلى أن الجماعة وفضلَها يحصلان خلف المحدث أم لا؟ والمذهب: الحصول.

(وإلّا .. فلا) أي: وإن لم يتمّ العدد بغيره .. لم تصح جمعتهم قطعًا؛ لأن الكمال شرط في الأربعين كما سبق.

(ومن لحق الإمامَ المحدثَ راكعًا .. لم تُحسب ركعتُه على الصحيح) لأنها غير محسوبة للإمام، فلم يمكن أن يتحمل عن الغير، والثاني: تحسب؛ كما لو أدرك معه كل الركعة.

وفرق الأولُ بأنه إذا أدركه راكعًا .. لم يأت بالقراءة، والإمام لا يتحمل عن المأموم إذا كان محدثا، بخلاف ما إذا قرأ بنفسه.

(الخامس: خطبتان) للاتباع (1)(قبل الصلاة) بالإجماع، إلّا من شذّ.

(وأركانهما خمسة: حمد الله تعالى) لما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه، قال:(كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله تعالى، ويثني عليه)(2).

(1) أخرجه البخاري (928)، ومسلم (861) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

(2)

صحيح مسلم (867).

ص: 382

وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَفْظُهُمَا مُتَعَيِّنٌ،

===

(والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم للاتباع (1)، [و] لأنها عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى .. فافتقرت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كالأذان والصلاة.

(ولفظهما) أي: لفظ الحمد والصلاة (مُتعيِّن) لأنه الذي مضى عليه الناس من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا، فلا يجزئ الشكر والثناء.

وقضية كلام الغزالي: تعين لفظ (الله) تعالى، فلا يجزئ (الحمد للرحمن)، قال الرافعي: ولم أره مسطورًا، ولا يبعد؛ ككلمة التكبير (2)، وجزم به في "شرح المهذب"(3).

ولا يتعين لفظ (رسول الله)، فلو قال:(على النبي)، أو (على محمد) .. كفى.

قال الغزي: ولا يكفي صلى الله عليه وسلم، وبه صرح في "الأنوار"، فقال في الكلام على التشهد: ولا بدّ من إظهار اسمه؛ كما في الخطبة، فلو قال:(وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم؛ صلّ عليه) .. لم يكف. انتهى (4)، ويؤيده تصريحهم في التشهد بأن أقلّ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .. (اللهم؛ صلّ على محمد).

(1) قال الإمام البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 209 - 210): (باب ما يستدل به على وجوب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة) ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا جَلَسَ قَوْم مَجْلِسًا لَم يَذْكُرُوا فِيهِ رَبَّهُمْ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم إِلَّا كَانَ تِرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنْ شاءَ .. أَخَذَهُمُ اللهُ، وَإِنْ شَاءَ .. عَفَا عَنْهُمْ". انتهى، وأخرجه الحاكم (1/ 550)، والترمذي (3380)، وأحمد (2/ 453)، وقد يستدل للباب بما رواه الطبري في "تفسيره"(22022)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (2/ 397 - 403) في جزء من حديث طويل عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطْبَةٌ حتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي".

(2)

الشرح الكبير (2/ 286).

(3)

المجموع (4/ 438).

(4)

الأنوار (1/ 96).

ص: 383

وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثة أَرْكَان فِي الْخُطْبَتَيْنِ، وَالرَّابِعُ: قِرَاءَةُ آيَةٍ فِي إِحْدَاهُمَا، وَقِيلَ: فِي الأُولَى، وَقِيلَ: فِيهِمَا، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ، وَالْخَامِسُ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ،

===

(والوصية بالتقوى) والطاعة؛ للاتباع (1)، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذيرُ.

(ولا يتعين لفظها) أي: لفظ الوصية (على الصحيح) لأن الغرض الوعظ والحمل على طاعة الله، فيكفي ما دل على الموعظة، والثاني: يتعين؛ كالحمد والصلاة.

(وهذه الثلاثة أركانٌ في الخطبتين) لأن كلّ خطبة منفصلةٌ عن الأخرى.

(والرابع: قراءة آية) للاتباع (2)(في إحداهما) لا بعينها؛ إذ المنقول القراءة في الخطبة بلا تعيين، فدلّ على إجزائها في إحداهما، (وقيل: في الأولى) مقابلة للدعاء في الثانية، (وقيل: فيهما) لأنها ركن فأشبهت الثلاثة الأول، (وقيل: لا تجب) لأن مقصود الخطبة بعد ذكر الله ورسوله الوعظُ، وإذا قلنا بالوجوب .. قال الإمام: فلا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة، ولا شك أنه لا يكفي {ثُمَّ نَظَرَ} ، وإن كانت آية؛ لأنها غيرُ مفهمة، وأقراه (3)، وقال في "شرح المهذب": إنه لا خلاف فيه (4).

(والخامس: ما يقع عليه اسمُ دعاء للمؤمنين) لنقل الخلف له عن السلف، قال الأَذْرَعي: ولا أعلم على ركنيته دليلًا، (في الثانية) لأن حالة الاختتام به أليق، وقد يفهم: أنه لا يجب للمؤمنات، وظاهر نص "المختصر" يفهم إيجابه (5)، وجرى عليه كثيرون، وصرح به في "الانتصار"، وقال السبكي: إن الوجوب غريب، ولم

(1) أخرجه مسلم (4/ 885) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(2)

أخرجه البخاري (920)، ومسلم (862) عن حابر بن سمرة رضي الله عنه.

(3)

نهاية المطلب (2/ 541)، الشرح الكبير (2/ 285)، روضة الطالبين (2/ 25).

(4)

المجموع (4/ 439).

(5)

مختصر المزني (ص 27).

ص: 384

وَقِيلَ: لَا يَجِبُ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا عَرَبِيَّةً مُرَتَّبَةَ الأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى، وَبَعْدَ الزَّوَالِ، وَالْقِيَامُ فِيهِمَا إِنْ قَدَرَ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، وَإِسْمَاعُ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْكَلَامُ، وَيُسَنُّ الإِنْصَاتُ

===

أر من صرح به، ولا بخلافه، (وقيل: لا جب) لأنه لا يجب في غير الخطبة، فكذا فيها، وهو قول، لا وجه.

(ويُشترط كونُها عربيةً) للاتباع، فإن لم يكن فيهم من يُحسن العربيةَ .. خطب بغيرها، ويجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية، فإن مضت مدةُ إمكانِ التعلم، ولم يتعلم واحد منهم .. عصوا، ولا جمعة لهم.

(مرتبةَ الأركانِ الثلاثةِ الأُولى)(1) فيبدأ بالحمد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية؛ لأنه الذي جرى عليه الناس، وهذا هو المصحح في "الشرح الصغير".

(وبعد الزوال) لأنه لو جاز تقديمها على الزوال .. لفعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ تخفيفًا على المبكرين، وإيقاعًا للصلاة في أول الوقت.

(والقيامُ فيهما إن قَدَرَ، والجلوسُ بينهما) للاتباع (2)، وتشترط الطمأنينة في الجلوس.

(وإسماع أربعين كاملين) للأركان فقط؛ لأن مقصود الوعظ لا يحصل إلا بالإبلاع، فلو خطب سرًّا، أو رفع صوته، ولكن لم يَسمعوا لبعدهم عنه .. لم يصح، وكذا لو كانوا صمًّا على الصحيح.

وقوله: (أربعين كاملين) فيه تساهل؛ فالواجب إسماع تسعة وثلاثين؛ لأن الأصحَّ: أن الإمام من الأربعين.

(والجديد: أنه لا يحرم عليهم الكلام، ويسن الإنصات) لما في الصحيح: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب عن الدعاء بسبب الجدب، والمطر، وأقره (3)، والقديم، ونص "الإملاء" من الجديد: أنه يحرم لغير ضرورة، ويجب

(1) في (د): (الثلاثة الأُوَل).

(2)

أخرجه البخاري (920)، ومسلم (861) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(3)

أخرجه البخاري (933)، ومسلم (897) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، في (ب):(الصحيحين) بدل (الصحيح).

ص: 385

قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّ تَرْتِيبَ الأَرْكَانِ لَيْسَ بشَرْطٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ الْمُوَالَاةِ، وَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَالسَّتْرِ. وَتسُنُّ عَلَى مِنْبَرٍ أَوْ مُرْتَفِع، وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ إِذَا صَعِدَ، وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَيَجْلِسَ، ثَمَّ يُؤَذَّنُ،

===

الإنصات؛ لقوله تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} ، قال أكثر المفسرين: إنها نزلت في الخطبة (1)، ولحديث:"إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ .. فَقَدْ لَغَوْتَ" متفق عليه (2).

(قلت: الأصح: أن ترتيب الأركان ليس بشرطٍ، والله أعلم)، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم" و"المبسوط"(3)، لأن المقصود الوعظ، وهو حاصل، ولم يرد نصّ في اشتراط الترتيب.

(والأظهر: اشتراط الموالاة) للاتباع، ولها أثر ظاهر في استمالة القلوب، والثاني: لا؛ لأن غرض الوعظ والتذكير يحصل مع تفريق الكلمات، وهذه المسألة مكررة قد سبقت في الكلام على الانفضاض.

(وطهارةِ الحدث والخبثِ، والسترِ) لأنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان يصلي عقب الخطبة، فلزم أن يكون متطهرًا مستترًا، والثاني: لا؛ كالاستقبال، واشتراط الستر من زيادات "المنهاج" على "أصله".

(وتُسن على مِنبرٍ) للاتباع (4)، (أو مُرتفعٍ) إن لم يكن هناك منبر؛ لأنه أبلغ في الإعلام.

(ويُسلِّم على من عند المنبر، وأن يُقبل عليهم إذا صَعِدَ، ويُسلِّم عليهم) للاتباع (5).

(ويجلسَ، ثم يُؤذَّنُ) في حال جلوسه؛ للاتباع أيضًا (6).

(1) انظر "تفسير الطبري"(6/ 201 - 206).

(2)

صحيح البخاري (934)، صحيح مسلم (851) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

الأم (2/ 412).

(4)

أخرجه البخاري (917)، ومسلم (544) عن سهل بن سعد رضي الله عنه.

(5)

أخرجه البيهقي (3/ 205)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(6)

أخرجه البخاري (912) عن السائب بن يزيد رضي الله عنهما.

ص: 386