الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى وقى
وَقاهُ الله كُلَّ سُوءٍ وِقايَةً ووَقْياً وواقِيَةً، ووَقّاه تَوْقِيَةً: صانَهُ، وفى المثل:"الشُّجاع مُوقًّى".
والوَقاءُ والوِقاءُ بالفتح والكسر، والوقايَةُ والوَقايَةُ والوَقايَةُ: ما وَقَيْت به.
والتَّوْقِيَةُ: الكَلاءةُ والحِفْظ ممّا يؤذيه ويضرّه، قال الله تعالى:{فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم} واتَّقَيْتُ الشَّىءَ أَتَّقِيهِ وتَقَيْتُه (أَتْقيه تُقىً وتَقِيَّةً) وَتِقاءً كَكِساء: حَذِرْتُه، والاسم التَّقْوَى، قال الله تعالى:{هُوَ أَهْلُ التقوى} أَى أَهل أَنْ يُتَّقَى عِقابُه.
رجلٌ تَقِىٌّ من أَتقِياءِ وتُقَواء. وفيه تُقَيَّا تصغير تَقْوَى، قال النَّمر ابن تَوْلَب.
وإِنَّى كما قَدْ تَعْلَمِين لأَتَّقِى
…
تُقَيَّا وأُعْطِى من تِلادِىَ لِلْحَمْدِ
وأَصل التَّقْوَى وَقْوَى، أُبدلت الواو تاءً كما أُبدلت فى تُراث وتُخَمَة وتُجاه. وكذلك اتَّقَى يَتَّقِى أَصلُه إِوْتَقَى يَوْتقِى، فقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وأُبْدِلت منها التاء وأُدْغمت، فلمّا كثر استعمالهُ على
لفظ الافِعال توهمّوا أَنَّ التَّاءَ من نفس الكلمة، فجعلوه إِتَقَى يَتَقَى بفتح التاءِ فيهما، ثمَّ لم يجدوا له مثالاً فقالوا: تَقَى يَتْقِى مثل قَضَى يَقْضِى. وتقول فى الأَمر: تَقْ، والمرأَة تَقِى ومن ذلك قوله:
زيادتُنا نُعْمانُ لا تَقْطَعَنَّها
…
تَقِ اللهَ فينا والكِتابَ الَّذى تَتْلُو
بنى الأَمر على المُخفَّف "ومن عَصَى اللهَ لم تَقِهْ منه واقِيةً".
قال أَبو عبد الله التُّونُسى: حقيقةُ التَّقْوَى عبارةٌ عن امتِثال المأْموراتِ واجتنابِ المَنْهِيّات.
وقال الغزالى: التَّقْوَى فى قول شُيوخنا: تنزيهُ القَلْب عن ذَنْب لم يسبق منك مِثْلُه حتى يَحْصُلَ للعبدِ من قُوّة العَزْم على تركِه وِقايةٌ بينه وبين المعاصى. وأَمّا تفصيلاً فإِنَّ التقْوَى تُطْلق فى القرآن الكريم على ثلاثة أَشياء:
أَحدها: بمعنى الخَشْيَة والهَيْبة، قال الله تعالى:{وَإِيَّايَ فاتقون} وقال تعالى: {واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله} .
والثانى: بمعنى الطَّاعة والعِبادَة، قال الله تعالى:{ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} ، قال ابنُ عبّاسٍ: أَطيعوا الله حَقَّ طاعَتِه. قال مُجاهد: هو أَن يُطاع ولا يُعْصَى وأَن يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأَن يُشْكَر فلا يُكْفَر.
الثالث: بمعنى تنزيه القَلْبِ عن الذُّنوب، وهذه هى الحقيقة فى التَّقْوَى دُون الأَوَّلَيْن، أَلا ترى إِلى قوله تعالى:{وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ فأولائك هُمُ الفآئزون} ، ذكر الطَّاعة والخشيةَ ثمّ ذكر التَّقْوَى، فعلمت بهذا أَنّ حقيقة التقوَى بمعنى غير الطاعة والخشية، وهى تنزيه القلب عمّا ذكرناه.
ومَنازِل التقوَى ثلاثةٌ على ما ذكره الشيوخ الجِلَّة: تَقْوَى عن الشِّرْك، وتَقْوَى عن البِدْعَة؛ وتقوَى عن المعَاصِى الفرعيّة. وقد ذكرها الله سبحانه فى آية واحدة وهى قوله عز وجل:{لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا إِذَا مَا اتقوا وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ والله يُحِبُّ المحسنين} ، التَّقْوَى الأُولَى تَقْوَى عن الشِّرْك، والإِيمانُ فى مقابَلَة التوحيد؛ والتَّقْوَى الثانية عن البِدْعَة، والإِيمانُ المذكورُ معها إِقرارُ السُنَّةِ والجمَاعة؛ والتَّقْوَىَ الثالثة عن المعاصِى الفرعيّة، والإِقرار فى هذه المنزلة قابَلَها بالإِحْسانِ وهو الطَّاعة والاستِقامة عليها.
قال الغزالى: ووجدت التَّقْوى بمعنى اجْتِناب فُضولِ الحلالِ، وهو ما فى الخَبَر المشهور عن النبىّ صلَّى الله علهي وسلَّم أَنَّه قال:"إِنَّما سُمِّىَ المُتَّقُونَ متقين لِتَرْكِهِم مَالَا بأَسَ حَذَراً عمّا به بَأسٌ" فأَحببت أَن أَجمع بين ما قالَه عُلماؤنا وبين ما فى الخبر النَّبوىّ فيكون حَدّاً جامِعاً، ومعنى بالِغاً فأَقول: التَّقْوَى اجْتِناب ما تَخاف ضرراً فى دِينِكَ وذلك
قسمان: مَحْضُ الحَرام، وفُضُول الحَلال، لأَنَّ استِعْمال فُضُول الحَلال قد يُخْرِج صاحِبَه إِلى الحرامِ ومَحْضِ العِصْيان، وذلك لِشِرَّةِ النَّفْسِ وطُغْيانِها، فمن أَراد أَنْ يَأْمَن الضَّررَ فى دِينه اجْتنبَ المحظورَ وامتنعَ عن فُضُول الحلالِ حَذَراً أَن يَجُرَّه إِلى مَحضِ الحَرام. وحَصل من ذلك أَنَّ التَّقْوَى على قسمين: فَرْضٌ ونَفْلٌ، فالفَرْضُ ما تَقَدَّم من أَنَّها تنزيهُ القلبِ عن شَرٍّ لم يَسْبِق عَنْك مثلُه لِقُوَّة العَزْم على تَرْكِه حتىّ يصير ذلك وِقايَةً بينك وبين كُلّ شرٍّ. والنَّفْل: ما نُهِىَ عنه نَهْىَ تأدِيب، وهو فُضُول الحَلال، فالمباحاتُ المأَخوذات بالشُّبُهات؛ فالأُولَى يلزمُ بِتَرْكِها عذابُ النار، والثَّانية خَيْرٌ وأَدَب يلزم بتركها الحَبْسُ والحِساب، والتَّعْيير والَّلوْم. فمن أَتَى بالأُولى فهو فى الدّرجة الأَدْنَى من التَّقْوَى، ومن أَتَى بالأُخْرَى فهو فى الدّرجة العُلْيا.
واعلم أَنَّ التَّقْوَى كَنْزٌ عزيزٌ، إِنْ ظَفِرْتَ به فكم تجد فيه من جَوْهَرٍ شريف وعِلْقٍ نفيس، وخير كثيرٍ، ورِزْقٍ كريم، وغُنْمٍ جسيم ومُلْك عظيم. فهى الخَصْلة الَّتى تجمع خَيْرَ الدّنيا والآخِرة. وتأَمَّل ما فى القرآن من ذِكْرِها كم عَلَّق بها من خير، وكم وَعَدَ عليها من ثَواب، وكم أَضاف إِليها من سَعادة، قال الله تعالى:{وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} وقال تعالى: {إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا
والذين هُم مُّحْسِنُونَ} ، وقال:{واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين} وقال: {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} . وقال تعالى: {ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} فوَعَدَ فيها بإِصْلاح العَمَلِ ثم بغُفْرانِ الذُّنوب فقال: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} . وبَشَّر بمَحَبَّةِ الله تعالى بقوله: {إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} ، ولو لم يكن فى تَقْوَى الله تعالى إِلَاّ هذه الخصلة الَّتى هى محبَّةُ الله تعالى لَكَفَتْ عمّا عَداها. ومنها أَنَّ العَمَلَ لا يُتَقَبَّل إِلَاّ منهم {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} ، ومنها الإِكرامُ والإِعْزاز، قال الله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ} ، ومنها البِشارةُ عند الموت، قال الله تعالى:{الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة} . ومنها النَّجاةُ من النار، قال الله تعالى:{ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا} ، {وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى} ، ومنها الخُلُود فى الجَنَّة، قال الله تعالى:{أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} .
ثمّ تأَمَّلْ أَصلاً واحداً، هب أَنَّك جاهَدْتَ وثابرت جميعَ عُمرك فى العِبادة، وعِشْتَ ما عشت، وحصل لك من العِنايات ما حصل، أَلَيْسَ ذلك كلُّه مُتَوقِّفاً على القَبول؟ وإِلَاّ كان هَباءً
منثوراً. وقد علمنا أَنَّ الله تعالى إِنَّما يَتَقَبَّل من المتَّقين، فَرَجَعَ الأَمرُ كلُّه إِلى التَّقْوَى. وقال بعضُ المُرِيدين لَشْيخِه: أَوْصِنِى قال: أُوصِيكَ بما أَوْصىَ الله تعالَى الأَوَّلِين والآخِرِين/ وهو قوله: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتقوا الله} . قال الشيخ أَبو حامد رحمه الله: أَلَيْسَ اللهُ سبحانه أَعلمُ بصَلاح العَبْد من كلِّ أَحدٍ، ولَو كانت فى العالَمِ خصلةٌ هى أَصلحُ للعبد وأَجْمَعُ للخير، وأَعظمُ للأَجْرِ، وأَجَلُّ فى العُبوديّة، وأَعظمُ فى القَدْرِ، وأَوْلَى فى الحالِ، وأَنجحُ فى المآلِ من هذه الخَصْلَة الَّتَى هى التقوىَ لكان الله سبحانه أَمَرَ بهَا عِبادَه وأَوْصَى خَواصّه بذلك؛ لِكمال حِكْمَته، ورحمته، فلمّا أَوْصَى بهذه الخَصْلة جميعَ الأَوْلين والآخِرين [من] عِبادِه واقتصر عليها عَلِمْنا أَنَّها الغايةُ التى لا مُتجاوَزَ عنها، وأَنَّه عز وجل قد جمع كُلَّ مَحْضِ نُصْح، ودَلالة، وإِرشادِ، وتأَدِيبٍ، وتعليم، وتَهْذيب فى هذه الوصيّة الواحدة كما يَلِيقُ بحِكْمَته ورحمته، فهى الخَصْلة الجامِعةُ لخير الدُّنيا والآخرة، الكافِيَة لجميع المهمات، المُبْلِغَة إِلى أَعلَى الدّرجات. وهذا أَصلٌ لا مَزيدَ عليه، وفيه كِفايَةٌ لمن أَبصرَ النُّورَ واهْتَدَى، وعَمِلَ واستَغْنَى، والله وَلِىُّ الهِداية والتَّوْفيق. ولقد أَحسن القائل:
مَنْ عَرَفَ الله فلم تُغْنهِ
…
مَعْرِفَةُ اللهِ فَذاك الشَّقِى
ما يَصْنَعُ العَبْدُ بِعِزّ الغِنَى
…
والعِزُّ كُلُّ العزِّ للمُتَّقِى
رَوَى الثَّعلبىّ بسَنَده عن ابنِ عبّاس رضى الله عنهما قال: "قَرَأَ
النبىُّ صلى الله عليه وسلم {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} قال: مَخْرجاً من مهمّات الدُّنيا، ومن غَمرات المَوْت، ومن شدائد يوم القيامة".
وقال الحسنُ بن الفَضْل: ومَنْ يَتَّقِ اللهَ فى أَداءِ الفَرائض يجعلْ له مخرجاً من العُقوبة، ويَرْزُقه الثَّواب من حيثُ لا يحتسب.
وقال عَمْرُو بن عثمان الصوفىّ: ومَنْ يَقِفْ عند حدوده ويجتنب مَعاصِيَه يُخْرِجه من الحَرام إِلى الحَلال، ومن الضِّيق إِلى السَّعَة، ومن النَّارِ إِلى الجَنَّة.
وقال أَبو سعيد الخَرّاز: ومَنْ يَتَبرّأ من حَوْله وقُوَّته بالرّجوع إِليه يجعلْ له مخرجاً ممّا كلَّفه بالمَعُونة له. وقيل: ومَنْ يَتَّق الله فى الرِّزق وغيره بقَطْع العلائق، يَجْعَلُ له مَخْرجاً بالكِفاية، ويرزقْه من حيثُ لا يحتسب.
ورَوَى الثَّعْلَبىّ مُسْنِداً عن أَبى الدّرداءِ، قال النبىّ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّى لأَعْلَم آيةً لَوْ أَخَذ الناسُ بها لكَفَتهمْ: {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} فما زال يقولُها ويُعيدُها.
وقال عِكْرِمة والشَّعبىّ والضَّحَّاك: من يُطَلِّق [طلاق] السُّنَّة يجعلْ له مَخْرجاً إِلى الرّجعة، ويرزقه من حيثُ لا يرجُو ولا يتَوقَّع.
ورُوى عن ابن عَبّاس قال: "جاءَ عوفُ بن مالِكٍ الأَشجعىّ إِلى النبىّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله إِنَّ ابْنِى أَسَرَهُ العَدُوُّ وجَزَعَتِ الأُمُّ فما تأْمُرُنى؟ قال: آمُرُك وإِيّاها أن تَسْتَكْثِرا من قَوْلِ: لا حَوْل ولا قُوَّة إِلَاّ بالله. فانصرف إليها فقالت: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، قالت: نِعْمَ ما أَمَرَك به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فجعلا يقولان ذلك، فغَفَل العدوُّ فاستاق غَنَمَهم، فجاءَ به إِلى أَبيه وهى أَربعةُ آلاف شاةٍ {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} وقال/ مُقاتل: أَصابَ غَنَماً ومَتاعاً فرجع إِلى أَبيه، فانْطَلَق أَبُوه فأَخَبر النبىَّ صلى الله عليه وسلم بخبره، فسأَله أَن يُحِلَّ له أَنْ يأْكل ممّا أَتاه ابنُه. فقال له النبىّ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ: فأَنْزَل الله عز وجل هذه الآية.