الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى وكل
التَّوْكِيل: أَن تَعْتَمِدَ غَيْرَك وتَجْعَله نائباً عنك. والوَكِيلُ: فعيلٌ بمعنى مفعول، وقوله تعالى:{وكفى بالله وَكِيلاً} أَى اكْتَفِ به أَنْ يَتَوكَّل أَمْرَك ويَتَوكَّل لك، وعلى هذا حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوَكيل. وقوله:{وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أَى بمُوَكِّلٍ عليهم وحافِظَ لهم، كقوله:{لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} . وقوله: {أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} : أَى مَنْ يَتَوَّكَل عنهم. قال الله تعالى: {وَعَلَى الله فتوكلوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ، وقال:{وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} ، وقال:{وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ} ، وقال: عن أَوليائه: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المصير} ، وقال:{قُلْ هُوَ الرحمان آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} ، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم:{فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين} ، وقال:{وَتَوَكَّلْ على الله وكفى بالله وَكِيلاً} ، وقال:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} ، وقال:{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين} وقال عن أَنبيائه ورسله: {وَمَا لَنَآ أَلَاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا
سُبُلَنَا} ، وقال عن أَصحاب نبيّه:{الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل} وقال: {الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} . وفى الصّحيحين حديث السبعين أَلْفا الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب: "هُم الَّذين لا يَسْتَرْقُون ولا يَتَطَيَّروُن وعَلَى رَبِّهِم يَتَوكَّلُون". وعن الترمذى يرفعه: "لوْ أَنَّكم تَتَوَكَّلُون عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُم كما يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِماصاً وتَرُوح بِطاناً".
ثمّ التَّوَكُّل نِصْف الإِيمان، والنِّصف الثانِى الإِنابَة، فالتَّوَكُّلُ هو الاستِعانَةُ، والإِنابَةُ هو العِبادة.
(فصل) مَنْزِلة التوكُّلِ من أَوسع المَنازِل وأَجَلِّها وأَجمعها، ولا تَزال معمورة بالنازلين، فلنذكر معنى التوكلّ ودرجاته.
قال الإِمام أَحمد رحمه الله: التوكُّل عملُ القَلْب، ومعنى ذلك أَنَّه عملٌ قلبىّ ليس للجوارح فيه مَدْخَل، وهو من باب الإِدراكات والعُلوم. ومن الناس من يجعلُه من باب المعارِف فيقول: هو علْمُ القَلْب بِكفاية
الربِّ عنده. ومنهم من يفسّره بسُكون حركة القَلْب فيقول: التَّوكُّل هو انْطِراح القَلْب بين يَدَىِ الله، كانْطِراح الميّت بين يدى الغاسِل يُقَلِّبه كيف يشاءُ، أَو تَرْكُ الاختيار والاسترسالُ مع مجارِى الأَقدار.
قال سَهْلٌ: التوكُّل: الاسترسالُ مع الله على ما يريد. ومنهم من يُفَسِّرهُ بالرِّضَا، سئل يَحْيَى بنُ مُعاذٍ، مَتَى يكون الرّجلُ مُتَوَكِّلاً؟ قال: إِذا رَضِىَ بالله وَكِيلاً. ومنهم من يفسّره بالثقة بالله والطُّمأْنينة إِليه. وقال ابنُ عَطاء: التوكُّل: أَن لا يَظْهَرَ فيكَ انزِعاجٌ إِلى الأَسباب مع شدّة فاقَتِك إِليها.
وقال ذُو النُّون: هو تَرْك تدبير النَّفْسِ، والانْخِلاعُ من الحَوْل والقُوَّة. وإِنَّما يقوِّى العقد على التوكُّل إِذا عَلِم أَنَّ الحقَّ سبحانه يعلم ويَرَى ما هو فيه. وقيل: التَّوكُّل: التَّعَلُّق بالله فى كلَّ حال. وقيل: التوكُّل: أَن تَرِدَ عليك مَوارِدُ الفاقاتِ فلا تَسْمُو إِلَاّ إِلى من له الكِفايات. وقيل نَفْى الشُّكوك والتَّفْوِيض إِلى مالِك المُلُوك. وقال ذُو النُّون: خَلْعُ الأَرْباب، وقَطْعُ الأَسباب، يريد قَطْعَها من تعلُّقِ القلب بها لا من مُلابَسةِ الجوارح لها.
ومنهم من جعله مُرَكباً من أَمرين، قال أَبو سَعِيد الخرّاز: التَّوكُّل. اضطِرابٌ بلا سُكُون، وسُكُونٌ بلا اضْطراب. وقال أَبو تُرابٍ النخشبى
هو طَرْح البَدَن فى العُبوديّة، وتعلُّق القَلْب بالرُّبُوبيّة، والطمأْنينة إِلى الكفاية، فإِنْ أُعْطِىَ شَكَر، وإِنْ مُنِعَ صَبَرْ، فجعله مُرَكَّبا من خمسة أُمورٍ: القِيامُ بحركات العُبوديّةِ، وتعلُّق القَلْب بتدبير الربِّ، وسُكونٌ إِلى قضائه وقدَرِه، وطُمأْنينةٌ بكفايته، وشكرٌ إِذا أُعْطِى، وصَبْرٌ إِذا مُنع.
وقال أَبو يعقوب النهرجورىّ: التوكُّل على الله تعالى بكمال الحقيقة وَقَع لإِبراهيمَ الخليل، فى الوقت الذى قال لجبريل عليه السلام:"أَمّا إِلَيْكَ فَلَا".
وأَجمع القومُ على أَنَّ التوكُّل لا يُنافِى القيام بالأَسباب، بل لا يصحّ التوكُّل إِلا مع القيام بها، وإِلَاّ فهو بَطالَةٌ، وتَوكُّلٌ فاسد. قال سَهْل: من طَعَن فى الحركة فقد طَعَن فى السُنَّة، ومن طَعَن فى التَّوكُّل فقد طعن فى الإِيمان. فالتوكُّل حالُ النبىّ صلى الله عليه وسلم، والكَسْب سُنَّتُه، فمن عَمِلَ على حالِه فلا يتركنَّ سُنَّتَه، وسُئِل سهلٌ عن التَّوكل فقال: قلبٌ عاش مع اللهِ بلا عَلاقَة. وقيل: التوكُّل: قَطْعُ العلائق ومُواصَلَة الحَقائق. وقيل: هو أَنْ يستوى عندك الإِكثار والإِقْلال، وهذا من مُوجِباتِه وآثارِه لا أَنه حقيقته. وقيل: هو ترك كلِّ سَبَبٍ يوصل إِلى سَبَبٍ حتَّى يكون الحقُّ تعالَى هو المتولِّى لذلك. وهذا صحيحٌ من وَجْهٍ باطِلٌ من وجه، فَترْك الأَسباب/ المأْمور بها قادِحٌ فى التوكُّل، وقد تولَّى الحقُّ إِيصالَ العبدِ بها، وأَمّا تَرْكُ الأَسباب المُباحة فإِنََّ تَرْكَها لما
أَرجح منها مَصْلَحةً فممدوحٌ، وإِلَاّ فمذمومٌ. وقيل: هو إِلقاء [النَّفس فى] العبودية وإِخراجها من الرُّبوبيّة. وقيل هو التسليم لأَمر الربّ وقضائه. وقيل: التَّفْوِيضُ إِليه فى كلّ حال. وقيل: التوكّل بِدايةٌ، والتَّسْلِيمُ وَساطَةٌ، والتفويض نِهاية.
قال أَبو عَلِىّ الدّقَّاق. التوكُّل ثلاث درجات: التوكُّل، ثم التَّسْليم، ثمّ التَّفْويض، فالمتوكِّل يسكن إِلى وَعْدِه، وصاحبُ التسليم يكتفى بِعلْمه، وصاحب التَّفويضِ يَرْضَى بحُكْمه. فالتَوَكُّل صفةُ المؤمنين، والتَّسْلِيم صفةُ الأَولياءِ، والتَّفْويضِ صفة المُوَحِّدين. التَوَكُّل صفةُ الأَنبياءِ، والتَسْلِيمُ صفةُ إِبراهِيمَ الخليل، والتَّفْويضِ صفة نبيّنا صلى الله عليه وسلم.
وحقيقة الأَمرِ أَنَّ التوكُّل حالٌ مركَّبة من مجموع أُمورِ لا يتمُّ حقيقةُ التوكُّل إِلَاّ بها، وكُلٌّ أَشَارَ إِلى واحد من هذه الأُمور أَو اثنين أَو أَكثر، فأَوّل ذلك معرفةُ الربِّ تعالَى وصفاتِه من: قُدْرَته، وكفايَتِه، وقَيُّومِيَّته؛ وانتهاءِ الأُمور إِلى عِلْمه وصُدورها عن مشِيئته وقدرته، وهذه المعرفة أَوّل درجة يضع بها العبد قَدَمه فى مقام التوكُّل.
الدّرجة الثانية: إِثبات الأسباب والمُسبَّبات، فكلّ من نفاها فتوكُّله مدخولٌ؛ وهذا عكس ما يظهر فى بادئ (الرأى) أَن إِثبات
الأَسباب يقدح فى التوكُّل، وأَنَّ نَفْيَها تمامُ التوكُّل، فاعلم أَنَّ إِثبات الأَسباب فى [حصول المُتَوَكَّل به لا يناقض التوكل] فهو كالدُّعاءِ الذى جعلَه الله سَبَباً فى حصول المدعُوِّ به، فإِذا اعتقد العبدُ أَنَّ التوكُّل لم يَنْصِبْه الله سبباً ولا جعلَ دَعاءَه سبباً لنَيْل شيءٍ، لأَنَّ المتوكَّل فيه المدعُوَّ بحُصوله إن كان قُدِّر فَسَيْحْصُل، تَوَكَّل أَوْ لم يَتَوكَّلْ، دعا أَو لم يدْعُ، وإِنْ لم يُقَدَّر فلن يحصل، توكَّل أَيضاً أَو ترك التوكُّل [فهذا العبد مراغم لحكمة الله جاهل بسنته][وقد] صرّح هؤلاءِ أَنَّ التوكُّلِ والدّعاءَ عُبُوديّةٌ محضة، لا فائدة فيه إِلَاّ ذلك، ولو ترك العبد التوكُّلَ والدعاءَ لَمَا فاته شيءٌ ممّا قُدِّر له، [بل] مِنْ غلاتهم مَنْ يجعلِ الدُّعاءَ بعدم المؤاخذة على الخطإِ والنِّسيان عدِيمَ الفائدة إِذ هو مضمون الحصول، حتى قال بعضهم فى تصنيف له: لا يجوز الدُّعاءُ بهذا وإِنَّما يجوز تلاوة لا دعاء، قال: لأَنَّ الدّعاء يتضمّن الشَّكَّ فى حُصُوله ووُقوعِه، لأَنَّ الدّاعِىَ بين الخوف والرّجاء، والشكُّ فى وقوع ذلك شكٌّ فى خبر الله. فانظروا إِلى ما أَفاد إِنكار الأَسْباب من العظائم وتحريم الدّعاءِ بما أَثْنَى الله به على عِباده وأَوليائه بالدُّعاءِ به وبطلبه. ولم يزل المسلمون من عند نبيّهم وإِلى الآن يدعون به فى مَقامات الدُّعاءِ، وهو من أَفضل الدَّعوات.
هو وجوابُ هذا الوَهْم الباطل هو أَن يقال: بَقِىَ قسمٌ آخر غير ما ذكرتم من القسمين، هو أَن يكون قَضَى بحصول الشىء عند حصول سَبَبه من التوكُّل والدّعاءِ، فنصب الدّعاءُ والتوكُّل سببين لحُصول المطلوب، وقضى بحصوله إِذا فعل العبدُ سَببه، فإِذا لم يأْتِ بالسبب امْتَنَع المسبَّب، وهذا كما إِذا قضَى بحُصول الولدِ إِذا جامع الرّجلُ من يحبلها فإِذا لم يُجامع لم يَحْصُل الولدُ. وقَضَى بحصول الشِبَع والرِىّ إِذا أَكَل/ وشرب، فإِذا لم يفعل لم يَشْبَعْ ولم يَرْوَ. وقَضَى بحصول الحجِّ والوصول إِلى مكَّة إِذا سافر وركبَ الطَّريقَ، فإِذا جلس فى بيته لا يصل إِلى مكَّة أَبداً. وقضى بدخول الجنَّة إِذا أَسْلَم وأَتَى بالأَعمال الصّالحة، فإِذا لم يُسْلمْ مادخلها أَبداً. فوزان ما قاله منكرو الأَسباب أَن يترك كلٌّ من هؤلاءِ السببَ المُوصِّل ويقول: إِن كان قُضِى لى وسبق لى فى الأَزل حُصول الوَلَدِ والشِّبَع والرِىّ والحَجِّ ونحوِه فلابّد أَن يصل إِلَّى، تحرّكتُ أَو لم أَتحرّكْ، تزوّجتُ أَو تركتُ، سافرتُ أَو تركتُ، وإِن لم يكن قُضِىَ لى لم يحصُل لى أَيضاً، فعلتُ أَو تركتُ، فهل يَعُدُّ أَحدٌ هذا القائلَ من جملة العُقلاءِ؟ وهل البهائم إِلَاّ أَفْهَم منه، فإِنَّ البهيمة تَسْعَى فى السّبب. فالتوكُّل من أَعْظم الأَسباب الَّتى يحصل بها المقصود ويندفع بها المكروه. فمن أنكر الأَسباب لم يستقم منه التَّوكُّل، (ولكن من تمام التوكُّل عدم الرُّكُونِ (إِلى) الأَسباب وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال
قلبه قيامه بالله لابها، فلا تقوم عبوديّة الأَسباب إِلَاّ على ساقِ التوكُّل، ولا تقوم ساقُ التوكُّل إِلى على قَدَمِ العُبودية.
الدّرجة الثَّالثة: رُسوخُ القلبِ فى مقام التَّوحيد؛ فإِنَّه لا يستقيم توكُّل العبدِ حتى يصحَّ له توحيدُه، بل حقيقة التوكُّل توحيدُ القلب، فما دامت فيه علائقُ الشِّرْك فتوكُّله معلولٌ مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد يكونُ صحة التَّوكُّل، فإِنَّ العبد متى التفت إِلى غير الله أَخذ ذلك الالتفاتُ شُعْبةً من شُعَب قلبِه فنقص من توكُّله على الله بقدر ذهاب تلك الشُّعْبة.
الدّرجة الرابعة: اعتماد القلب على الله واستناده إِليه بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأَسباب ولا سكون إليها، بل يخلع السكونَ إِليها من قلبه ويَلْبَسُ السّكون إِلى مسبّبها.
الدّرجة الخامسة: حسن الظَّنّ بالله تعالى، فعلى قَدْرِ حسنِ ظنَّك به ورجائك له يكون توكُّلك عليه.
الدّرجة السّادسة: استسلامُ القلب له وانحداثُ دواعِيه كلِّها إِليه، وقطعُ منازعاته، وبهذا فسّره من قال: أَنْ يكون كالميّت بين يدى الغاسِل.
الدّرجة السّابعة: التفويضُ، وهو رُوح التوكُّل وحقيقتُه ولُبُّه، وهو إِلقاء أُمورِه كلِّها إِلى الله تعالى، وإِنزالُها به رَغَباً واختياراً لاكَرْها واضطرارا، بل كتفويض الابنِ العاجز الضعيف المغلوب أُمورَه إِلى
أَبيه [و] الغُلامِ بشَفَقَته عليه ورحمته، وتَمام كِفايَته وحُسْنِ وِلايَتهِ له، فإِذا وضع قَدَمَه فى هذه الدّرجة انتقل منها إِلى درجة الرضا، وهى ثمرةُ التوكُّل. ومن فسّر التوكُّل بها فإِنَّما فسّره بأَحَد ثَمَراته وأَعظم فوائده، فإِنه إِذا توكَّل حقّ التوكُّل رضى بما يفعله وكيله.
والمقدور يكتنفه أَمران: التَوَكُّل قَبْلَه، والرِّضا بعده، فمن توكَّل على الله قَبْلَ الفِعْل، ورَضِىَ قَضَى له بعد الفِعْل فقد قام بالعبوديّة.
واعلم أَنَّ التوكُّل من أَعمّ المقامات تعلُّقا بالأَسماءِ الحسنى، فإِنّ له تعلُّقا خاصّاً بعامَّة أَسماءِ الأَفعال، وأَسماءِ الصّفات، فله تعلُّق باسمه الغفَّار، والتَّواب، والغَفُور، والرَّحيم، وتعلّق باسمه الفَتَّاح، والوهَّاب، والرزَّاق، والمُعْطِى؛ وتعلّق باسمه المُعزِّ والمُذِلّ، والخافض والرَّافع، والمانع من جهة توكُّله عليه فى إِذلال أَعداءِ دينه ومنعهم أَسباب النصر وخفضهم؛ وتعلُّق بأَسماءِ القُدْرة والإِرادة، وله تعلُّق عام بجميع الأَسماءِ الحسنى، ولهذا فسّره من فسّره من الأَئمة بأَنَّه من المعرفة بالله، وإِنما أراد أَنَّه بحسب معرفةِ العبد يصحّ له مقام التَّوكُّل، فكلَّما كان بالله أَعرف كان توكُّله عليه أَقْوَى. وكثير من المتوكِّلين يكون مغبوناً فى توكُّله، وقد توكَّل حقيقة التوكُّل وهو مغبون، كمن صرف توكُّله إِلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوّةَ توكُّله ويمكنه فعلها بأَيسر شىءٍ، وتفريغُ قلبه للتوكُّل فى زيادة الإِيمان والعلم ونُصْرة الدّين والتأْثير فى العالم خيراً، فهذا توكُّل العاجز القاصر الهمَّة؛ كما يصرف بعضهم توكُّله ودُعاءَه
إِلى وَجَع يمكنُ مُداواتُه بأَيسر شىء، أَو جوع يمكن زوالُه بنصف درهم، ويَدَعُ صَرْفَه إِلى نُصرة الدِّين وقَمْع المبتدعين ومصالح المسلمين.
وقال الشيخ أَبو إِسماعيل عبد الله الأَنصارىّ: هو على ثلاث درجات:
الأُولى: التوكُّلُ مع الطَلَب، ومعاطاة السَّبَب على نيّة شغل النَّفس، ونَفْع الخَلْق وترك الدَّعْوى.
الثَّانية: التوكُّل مع إِسقاط الطَلَب وغَضِّ العين عن السَّبَب اجتهاداً فى تصحيح التوكُّل وقمع تشرّف النفس، وتفرّغا إِلى حفظ الواجبات.
الثالثة: التوكُّل النازع إِلى الخَلاص من عِلَّة التوكُّل، وهو أَن تعلم أَنَّ ملْكيَّة الحقِّ عز وجل للأَشياءِ مِلْكيَّة عِزَّة لا يشاركه فيها مُشارك، فيَكل شركته إِليه، فإِنَّ من ضرورة العُبودِيَّة أَنْ يعلم العبد أَنَّه تعالى هو مالك الأَشياءِ كلِّها وَحْدَه. قال بعض السالكين:
رُؤيَةُ السّالِك التَّوَكُّلَ ضَعْفٌ
…
وخلاصُ الفُؤاد منه اسْتِقامَهْ
هو بابٌ للمبتدئ، وطريق
…
للمنتهى، والوقوف عنه ندامه