الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى وحد
الوَحْدَةُ: الانْفِرادُ. والواحِدُ: أَوَّلُ العَدَدِ، والجمع: وُحْدان وأُحْدَان، ويُرْوَى بالوجهين بيت قُرَيْط بن أُنَيْف العَنْبَرِىّ:
قَوْمٌ إِذا الشَرُّ أَبْدَى ناجِذَيْه لهم
…
طارُوا إِليه زُرافاتٍ ووُحْدانا
مثلُ شابٍّ وشُبَّان، ورَاع ورُعْيان. قال الفرّاءُ: أَنتم حَىٌّ واحِدُون، يقال منه: وَحِدَ يَحِدُ وُحُوداً ووُحُودَةً وَوَحْداً ووُحْدَةً وحِدَةً. وقوله تعالى {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} أَى بخصلة واحدة، وهى هذه:{أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى} ، وقيل: معناه أَعِظُكم بَوحْدَانيّة الله تعالى، أَى بأَن تُوَحِّدوا الله. وقولُه تعالى. {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء} ولم يَقُل كواحدة لأَنّ أَحداً نَفْىٌ عامٌّ للمذكّر والمؤنَّث، والواحد والجمع.
ومن صفات الله تعالَى الواحِدُ الأَحَدُ. قال الأَزهرىّ: الفرقُ بينهما أَنَّ الأَحدَ بُنِىَ لنَفْىٍ ما يُذْكَر معه من العَدَد؛ والواحد مُفْتَتَح العَدَد، تقول: ما أَتانى منهم [أَحَدٌ] وجاءَنى منهم واحدٌ. والواحِدُ بُنِى على انْقطاع النَّظِير وعَوَزِ المِثْلِ.
وقولهم: رأَيته وَحْدَه منصوبٌ عند أَهلِ الكوفة على الظَّرْف، وعند أَهل البصرة على المصدر فى كلّ حال، كأَنك قلت أَوْحَدْتُه برؤيتى إيحاداً، أَى لم أَرَ غيره، ثم وَضَعْت وَحْدَه موضع هذا. وقال أَبو العباس: يحتمل وَجْهاً آخر وهو أَن يكون الرجلُ فى نفسه منفرداً كأَنَّك قلتَ رأَيت رجلاً منفرداً ثمّ وضعت وحده موضعه. وقال بعض البصريِّين هو منصوب على الحال. قال ابن الأَعرابىّ: يقال جَلَس على وَحْدِه وَجَلَسَا على وَحْدِهما، وجَلَسَا على وَحْدَيْهما كما يقال جَلَس وَحْدَه وَجَلَسا وَحْدَهُما.
ورجلٌ وَحَدٌ، ووَحِدٌ، ووَحِيدٌ: مُنفرِدٌ.
والوَحْدانِيَّةُ: الفَرْدانِيَّة.
ووَحِدَ الرّجلُ - بالكسر - ووَحُد - بالضمّ -، أَى بقى وَحْدَه. وأَوْحَدْتُه برؤيتى، أَى لم أَر غَيرَه.
وقال أَبو القاسم الرّاغب: [الواحِد] فى الحقيقة هو الشىء الَّذى لاجُزْءَ له البتَّة، ثمَّ يُطْلق على كلِّ موجودٍ، حتَّى إِنَّه ما من عَدَد إِلَاّ ويَصحُّ وصفُه به، فيقال: عشرةٌ واحدةٌ، ومائةٌ واحدةٌ. فالواحد لفظ مُشْتَركٌ يُستعمل على سِتَّة أَوجه:
الأَوّل: ما كان واحداً فى الجِنْس أَو فى النَّوْع كقولنا: الإِنسان والفَرَسُ واحدٌ فى الجنس، وزَيْدٌ/ وعَمْرٌو واحدٌ فى النَّوْع.
الثَّانى: ما كان واحداً بالاتَّصال إِمّا من حَيْثُ الخِلْقَةُ، كقولك: شخصٌ واحدٌ، وإِمّا من حيثُ الصّناعةُ كقولك: حرفةٌ واحدةٌ.
الثالث: ما كان واحداً لِعَدَم نَظيره، إِمّا فى الخلْقَة كقولك: الشمسُ واحدة، وإِمّا فى دَعْوَى الفضيلة، كقولك: فلانٌ واحِدُ دَهْرِه، وكَقُولِك نَسِيجُ وَحْدِه.
الرابعُ: ما كان واحداً لامْتِناع التَجَزِّى فيه إِمّا لصِغَره كالهَباءِ، وإِمّا لصَلابَته كالأَلْماس.
الخامس: للمبدإِ، إِمَّا لمَبْدَإِ العَدَد كقولك واحدٌ اثْنان، وإِمَّا لمبدإِ الخَطّ كقولك: النُقطةُ الواحدةُ، والوَحْدَة فى كُلِّها عارِضَةٌ.
وإِذا وُصِف الله عز وجل بالواحِد فمعناهُ هو الذى لا يصحّ عليه التَجَزِّى ولا التَكَثُّر، ولصُعُوبة هذه الوَحْدَة قال الله تعالى:{وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزت} الآية.
والتَّوحيد الحقيقىّ الَّذى هو سببُ النَّجاة ومادَّة السّعادة فى الدّار الآخرة ما بيَّنه الله تعالى وهَدانا فى كتابه العزيز بقوله: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إلاه إِلَاّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط لَا إلاه إِلَاّ هُوَ العزيز الحكيم *
إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} والقوم دائرون فى تفسيره بين حَكَمَ وقَضَى، وأَخْبَر وأَعْلَم، وبَيَّن وعَرَفَ.
والتَّوْحِيدُ تَوْحِيدان: تَوْحِيد الرُّبوبيّة، وتَوْحيد الإِلهِيّةِ، فصاحبُ توحيدِ الرُّبوبيّة يشهد قَيُّومِيَّة الربّ فوقَ عَرْشه يدبِّر أَمَر عِباده وَحْدَه، فلا خالِقَ ولارازق، ولامُعْطِىَ ولامانعَ ولامُميت ولامُحْيِىَ ولامُدَبِّر لأَمرِ المملكة ظاهراً وباطناً غيرُهُ، فما شاءَ كان، وما لم يشأْ لم يكن، ولا تتحرّك ذَرّةٌ إِلَاّ بإِذنه، ولا يجرِى حادثٌ إِلَاّ بمشيئته، ولا تسقُط ورقةٌ إِلَاّ بِعلْمه، ولا يَعْزُب عنه مِثْقَالُ ذَرَّة فى السَّمَاوات ولا فى الأَرْض ولا أَصْغَرُ من ذلك ولا أَكبَر إِلَاّ وقد أَحصاها عِلْمُه وأَحاطَتْ بها قُدْرَتُه، ونَفَذت فيها مشيئتُه، واقتضتها حِكْمَتُه.
وأَمَّا توحيدُ الإِلهية فهو أَن يجمع هَمَّهُ وقلبَهُ وعَزْمَه وإِرادتَه وحركاتِه على أَداءِ حقٍّه والقيام بعُبودِيَّتِه، وأَنشد صاحبُ المنازل أَبياتاً ثلاثة ختم بها كتابه ولا أَدرِى هل هى له أَو لغيره:
ما وَحَّدَ الواحِدَ مِنْ واحِدِ
…
إِذ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جاحدُ
تَوْحيدُ من ينطق عن نعته
…
عارِيَّةٌ أَبْطَلَها الواحِدُ
تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُه
…
ونَعْتُ من يَنْعَتُه لاحِدُ
وظاهر معناه أَنَّ ما وحَّد الله عز وجل أَحدٌ سواهُ، وكلّ من أَحَّدَه
فهو جاحِدٌ لحقيقة تَوْحِيده، فإِنَّ توحيدَه يتضمّن شُهودَ ذاتِ المُوَحّد وفِعْله، وما قام به من التوحيد وشُهودِ ذات الواحِد وانفرادِه، وتلك بخلاف تَوْحيده لنَفْسه، فإِنَّه يكون هو الموحِّد والموحَّد، والتَّوحيد صِفَتُه وكلامُه القائم، فما ثَمّ غيره فلا اثنينيّة ولا تعدّد. وأَيضاً فمَنْ وَحَّده من خَلْقه فلا بدّ أَنْ يصفَه بصفة، وذلك يتضمّن جَحْدَ حَقِّه الذى هو عدم انصحارِه تحت الأَوصاف، فمَنْ وصفَ فقد جَحد إِطلاقَه من قُيود الصّفات. وقوله:
توحيد مَنْ ينطق عن نَعْته
…
عاريّة أَبطلها الواحدُ
يعنى توحيد الناطقين عنه عاريّة مردودة، كما تُستردُّ العَوارِى، إِشارة إِلى أَنَّ توحيدهم ليس مِلْكاً لهم، بل الحقُّ أَعارهم إِيّاه كما يُعِير المعيرُ متاعَه لغيره ينتفع به. وقوله: أَبطلها الواحد، أَى الواحد/ المطلق من كلّ الوجُوه وَحْدَتُه يُبطل هذه العارة. وقوله:
تَوْحِيدُه إِيّاه تَوْحِيدُه
يعنى توحيدُه الحقيقىّ هو تَوْحيدٌ لنَفْسه بَنفْسه من غير أَثَرٍ للسِّوَى بوجه، بل لا سِوَى هناك. وقوله:
ونَعْتُ مَنْ يَنْعَتُه لاحِدُ
أَى نعتُ الناعِت له إِلْحاد، أَى عدولٌ عمّا يستحقُّه من كَمال التوحيد، فإِنَّه أَسند إِلى نزاهة الحَقِّ ما لا يَليق إِسناده.
وحاصل كلامه، وأَحسن ما يحمل عليه: أَنَّ الفَناءَ فى شُهود الأَزليّة
والحُكم يَمْحُو شُهودَ العبدِ لنفسه وصفاته فضلاً عن شهود غيره، فلا يشهدُ موجوداً فاعلاً على الحقيقة إِلَاّ الله وحده، وفى هذا الشهود تفنى الرّسوم كلُّها، فيمحق هذا الشهودُ من القلب كلَّ ما سوى الحقِّ، إِلَاّ أَنَّه يمحقه من الوجود، وحينئذ يشهد أَنَّ التوحيدَ الحقيقىّ غيرَ المستعارِ هو توحيد الربّ تعالى نفسه، وتوحيد غيره له عاريّة محضة أَعاره إِياها مالك الملوك، والعوارِىُّ مردودة إِلى من تُرَدّ إِليه الأُمور كلَّها، {ثُمَّ ردوا إلى الله مَوْلَاهُمُ الحق} . قال العارفُ عبد الله بن المعمار:
السِرُّ أَنْ تُنْظُرَ الأَشياءُ أَجْمَعُها
…
ويُعْرِفَ الواحدُ النَّاشِى به العَددُ
فذاكَ تَوْحِيدُه فى واحِدِيَّته
…
وفَوْقَ ذاكَ مقامٌ إِسْمُه الأَحَدُ