الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى وصل
وصلَ الشَّىْءَ بغَيْرِه فاتَّصَلَ. ووَصَّلَ الحِبالَ وغيرها تَوْصِيلاً: وَصَلَ بعضَها ببَعْضِ، ومنه قوله تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول} أَى أَكْثَرْنا لهم القَوْلَ موصولاً بعضُه ببعضٍ. وخَيْطٌ مُوَصَّلٌ: فيه وَصْل كثيرٌ. وغُصْنٌ مٌوَصَّلٌ: فيه غُصْنٌ غَرِيبٌ، قال:
وإِذا ما نَكَحْت فانْكح غَرِيباً
…
ومن الأَقْرَبِين لا يَتَوَصَّلْ
فأَلَذُ الثِّمار حُسْناً وطِيباً
…
ثَمرٌ غُصْنُه غَرِيبٌ مُوَصَّلْ
ووَصْلَنِى بعد الهَجْر وواصَلَنِى، وصَرَمَنى بعد الوَصْل والصِّلة والوِصال. ووَصَلَت شَعْرَها بشَعر آخر، "ولَعَنَ الله الواصِلةَ والمستوصِلَة". وقطع اللهُ أَوْصالَه، أَى مَفاصِلَه.
والوَصْلُ يكون فى الأَعْيان وفى المَعانِى قال الله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ} . وقوله تعالى: {إِلَاّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ} أَى يَنْتَسِبُون، يقال: فلانٌ مُتَّصِلٌ بفلان: إِذا كان بيْنَهما نِسْبة أَو مُصاهرة. وقولُه تعالى: {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ}
قيل هى التى وَصَلَت أَخاها من أَولاد الغنم فلم تُذْبَح. كان إِذا وَلَدَت لهم شاةٌ ذَكَراً وأُثْنَى قالوا وَصَلَتْ أَخاها. وقيل: الوَصِيلة: الناقَةٌ الَّتى وَصَلَتْ بين عشرة أَبْطُن، ومن الشاءِ الَّتى وَلَدَت سبعَة أَبْطُن عَناقَيْن عناقَيْن، فإِن ولدت فى السَّابعة عَناقاً وجَدْياً قيل: وصلت أَخاها فلا يَشْرَب لَبَنَ الأُمّ إِلَاّ الرّجالُ دون النِّساءِ، ويجرى مجرى السّائبَةِ. وقيل: الوَصِيلَةُ خاصّة بالغَنَم، كانت الشَّاةُ إِذا ولدت الأُنْثَى فهى لهم، وإِذا وَلَدَت ذكراً جعلوه لآلِهَتِهم، فإِن ولدت ذكراً وأُنْثى قالوا: وصلت أَخاها فلم يَذْبَحُوا الذَكَر لآلهتهم. وقيل: الوصيلةُ: شاةٌ وَلَدت ذكراً ثم ولدت أُنْثَى، فتصل أَخاها فلا يذبحون أَخاها من أَجْلِها، فإذا ولدت ذكراً قالوا هذا قُرْبانٌ لآلهتنا.
وَوَصِيلُك: من يَدْخُلُ مَعَكَ ويَخْرُجُ معك.
والاتِّصال ضدّ الانفصال، وهو عند العارفين على ثلاث مراتب:
اتصال العلم والعمل، واتصال الحال والمعرفة، واتصال الوِجْدانِ والوُجود، وهو أَنْ يَجِدَ العبدُ رَبَّه بعد أَن كان فاقداً، فهو بمنزلة من كان يطلُب كَنْزاً ولا وُصُول له إِليه فظفر به بعد ذلك ووَجَدَه واستَغْنَى به غايةَ الغِنى، فهذا اتِّصال الوجود، كما فى الأَثر:"اطْلُبْنى تَجِدْنى، فإِنّ وَجَدْتَنِى وَجَدْت كُلُّ شَىْءٍ، وإِنْ فُتُّكَ فاتَكَ كلُّ شَىء". وهذا الوُجود من العبد لِرَبِّه يتنوّع بحسب حال العبد ومَقامه، فالتائب الصّادق
فى تَوْبته إِذا تاب إِليه وَجَده غفوراً رحيماً، والمتوكِّلُ إِذا صَدَقَ فى تَوَكُّله وَجَده كَافِياً حسيباً، والدّاعِى إِذا صَدَق فى الرَّغْبة إِليه وَجَده قرِيباً مُجِيباً، والمحبّ إِذا صَدَق فى مَحَبَّتِهِ وَجَده وَدُوداً حبيباً، والملهوف إِذا صَدَق فى الاستِعانة وَجَده كَاشِفاً للكرْب مُخَلِّصاً منه، والمضطرُّ إذا صَدَق فى الاضْطِرار إِليه وَجَده رَحِيماً مُعِيناً، والخائفُ إِذا صَدَق فى الَّلَجإِ إِليه وَجَده مُؤَمِّناً من الخوف، والراجى/ إِذا صَدَق فى رَجائه وَجَده عند ظَنِّه به؛ فمُحِبُّه وطالِبُه ومريدُه ومن لا يَبْتَغِى به بَدَلاً ولا يرضَى بسِواهُ عِوَضاً إِذا صَدَق فى محبّته وإِرادتِه وجَده أَيضاً وُجُوداً أَخصّ من تلك الوجودات، فإِنَّه إذا كان المُريدُ منه يَجدهُ فكيف مُرِيدُه ومُحِبُّه! فيظفر هذا الواجِدُ بنَفْسِه وبِرَبِّه، أَمَّا ظَفَرُهُ بنَفْسه فتَصِير مُنقادةً له، مطيعةً تابعةً مَرْضاتِه، غيرَ أَبِيَّةٍ ولا أَمَّارة، بل تَصِير خادمةً له ومملوكةً بعد أَنْ كانت مخدومةً مالكةً. وأَمّا ظَفَرُه بربّهِ فقُرْبُه منه وأُنْسُه به، وعِمارَةُ سِرِّه به، وفَرَحُهُ وسُرُورُه أَعظم فَرَح وسرور. فهذا حقيقة اتصال الوُجود.
وأَمّا اتصالُ العِلْمِ والعملِ قد يُسَمُّونَه اتَّصال الاعْتِصام، فهو بتصحيح القَصْد، ثمَّ تصفيته الإِرادة، ثم تحقيق الحال. وتصحيح القصد يكون بشيئين: إِفرادُ المقصود، وجمعُ الهمِّ عليه؛ وحقيقته توحيدُ القصد والمقصود، فمتى انْقسم قصده أَو مقصوده لم يكن اتّصاله صحيحاً. وأَمّا تصفية الإِرادة فهو تخليصُها من الشوائب وتعلُّقِها بالسِّوى أِو بالأَعْراض، بل
تكون إرادةً صافية عن ذلك كله، بحيث يكون تعلُّقه بالله وبمراده الدّينِىّ الشرعىّ.
ثم تحقيق الحال بأَن يكون له حالٌ محقَّق لا يكتِفى بمجرّد العِلْم حتَّى يصحبَهُ العملُ، ولا لمجرّد العملِ حتى تصحبَه الحالُ، فتصير الإِرادة والمحبَّةُ والإِنابةُ والتوكُّلُ وحقائقُ الإِيمان حالاً لقلبه، بحيث لو انقطعت جوارِحهُ كان قَلْبُه فى العمل والسَّيْر إِلى الله، وربّما يكون عملُ قلبِه أَقْوَى من عملِ جَوارحِه.
وأَمّا اتَّصالُ الحال والمعرفة الَّتى يسمّونه اتصالَ الشهُّود، فهو الخَلاصُ من الاعْتِلال، والفَناءُ عن الاستِدْلال، وهذه المنزلة أَعْلَى من اتِّصال الاعْتصام، لأَنَّ الأُولَى اتصالٌ بصحة المقصود والأَعمال، وهذا اتِّصالُ برؤيةِ مَنِ العَمَلُ له، فيتخلَّصُ العبدُ بذلك مِنْ عِلَل الأَعمالِ واستِكْبارها واسْتحْسانها والسُّكون إِليها.