الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى نور
النُّورُ: الضِّياء والسَّناءُ الَّذى يُعين على الإِبْصار، وذلك ضربان: دُنْيَوِىّ وأُخْرَوِىُّ، فالدُّنْيوى ضربان: مَعْقولٌ بعين البَصِيرة وهو ما انْتَشَر من الأَنوارِ الإِلهيّة كَنُورِ العَقْل ونُورِ/ القُرْآن، ومَحْسوسٌ بعين البَصَرِ وهو ما انْتَشَر من الأَجْسامِ النَيِّرةِ كالقَمَرَيْن والنُّجومِ [و] والنيّرات.
أَنشد بعض المفسّرين:
ثلاثَةُ أَنْوارٍ تُضِىءُ من السّما
…
وفى سرِّ قَلْبِى مِثْلُهنَّ مُصَوَّرُ
فأَوَّلُه بدرٌ وثانِيه كَوْكَبٌ
…
وثالِثُهُ شمْسٌ مُنِيرٌ مَدَوَّرُ
عُلُومِى نُجُوم القَلْبِ، والعَقْلُ بَدْرُه
…
ومَعْرِفةُ الرَّحمان شَمْسٌ مُنَوَّرُ
إِمامِى كتابُ اللهِ، والبَيْتُ قِبْلَتى
…
ودِينِى من الأَدْيانِ أَعْلَى وأَفْخَرُ
شَفِيعى رسولُ اللهِ، واللهُ غافِرٌ
…
ولا رَبَّ إِلَاّ اللهُ واللهُ أَكْبَرُ
فمن النُّورِ الإِلهىّ، قولُه تعالى:{قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ} ، وقوله:{نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} ، أَنشد بعضهم:
فى القَلْب نُورٌ ونُورُ الحَقِّ يَمْدُدُهُ
…
يا حَبَّذا نُورُه من وَاحد أَحَدِ
نورٌ على النُّور فى نُور تَنَوَّرَه
…
نُورٌ على النُّور دَلَاّلٌ على الصَّمَد
إِنْ رُمْتَ أَوَّلَه يَهْدى إِلى أَزَل
…
أَو رُمْتَ آخِرَه يَطْوى على الأَبَدِ
ومن النُّورِ المحسوس الَّذى يُرَى بَعيْن البَصَر نحو قولِه: {هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً} . وتخصيصُ الشمسِ بالضُّوْءِ، والقمَرِ بالنُّورِ من حيثُ إِنَّ الضَّوءَ أَخَصُّ من النَّورِ، وقولُه:{وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} أَى ذا نُورٍ. وممّا هو عامٌّ فيهما قوله: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} ، {وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبِّهَا} . ومن النُّور الأُخْرَوىّ قوله:{يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} .
وسَمَّى الله نَفْسه نُوراً من حيث إِنَّه المُنَوِّر فقال: {الله نُورُ السماوات والأرض} ، وتسميتُه تعالى بذلك لمُبالَغة فِعْله، وقيل: النُّورُ هو الذى يُبْصِرُ بنُورِه ذُو العَماية ويَرْشُد بُهداه ذو الغَوايَة، وقيل: هو الظاهر الذى به كُلُّ ظُهور، فالظَّاهِرُ فى نفسه المُظْهِر لغَيْره يُسَمَّى نُوراً. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هَلْ رَأَيْتَ رَبَّك؟ فقال:"نورٌ أَنَّى أَراه"! أَى هو نُورٌ كيف أَراهُ! وسُئل عنه الإِمام أَحمد فقالَ: مازِلْتُ مُنْكِراً له، وما أَدْرِى ما وَجْهُه. وقال ابنُ خُزَيْمَة: فى القَلْب من صِحّة هذا الحديث شىءٌ.
وقال بعض أَهل الحكْمة: النُور جسْمٌ وعَرَضٌ، والله تعالى ليس بجسم ولا عَرَض، وإِنما حجابُه النُّور، وكذا رُوى فى حديث أَبى مُوسى، والمعنى كيف أَرَى وحجابُه النُّور! أَى النُّورُ يمنعُ من رُؤيته. وفى الحديث:
"اللَّهُمَّ اجْعَل فى قَلْبِى نُوراً" وذَكَرَ سائرَ الأَعضاءِ، والمعنى: اسْتَعْمِل هذه الأَعضاءَ منِّى فى الحقّ، واجْعَلْ تَصَرُّفِى وتَقَلُّبِى فيها على سبيل الصَّواب والخَيْر.
وقوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ} يعنى سيِّد المرسَلين محمّدا صلى الله عليه وسلم. وقولُه تعالى: {واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ} أَى القرآن، {وَجَعَلَ الظلمات والنور} قيل: أَى الليل والنَّهار. وقولُه: {والله مُتِمُّ نُورِهِ} يعنى به الإِسلام. وقوله {انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} : وقوله: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} المراد به نور العِناية.
والنَّارُ تُقال لِلَّهيب الذى يَبْدُو للحاسَّة نحو قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ} ، ولِلْحَرارَةِ المجرَّدة؛ ولنارِ جَهَنَّم المذكورة فى قوله تعالى:{النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ} . وفى حديث شَجر جهنم:
"فتَعْلُوهم نارُ الأَنْيار" يحتمل أَن يكون معناه نار النَّيران فَجمع النار على أَنْيار وأَصلها أَنْوار/ كما جاءَ فى رِيح وعِيد رِياحٌ وأَعْياد، وأَصلُهما واوٌ. ولِنار الحَرْب المذكورة فى قوله تعالى: {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا
الله} .
وقال بعضهم: النَّارُ والنُّورُ من أَصْلٍ واحد، وهما كثيراً مّا يتلازَمان، لكنَّ النَّار متاعٌ للمُقْوِينَ فى الدّنيا، والنُّورُ متاعٌ للمُتَّقِينَ فى الدُّنيا والآخِرَة، ولأَجْلِ ذلك اسُتعْمِل فى النُّورِ الاقْتِباسُ، فقال:{نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} .
وتَنَوَّرْتُ ناراً: أَبْصَرْتُها.