الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى هدى
الهُدَى بضَمّ الهاءِ وفَتْحِ الدّال: الرَّشادُ، والدَّلالةُ، يذكَّر ويُؤنَّث. هَداهُ هُدىً، وهَدْيا [وهِدايَة] وهِدْيَة بكسرهما: أَرشده، فاهْتَدَى وتَهَدَّى، وهَداهُ الله الطَّريقَ وللطَّرِيقِ، وإِلى الطَّريقِ. ورجلٌ هَدُوٌّ كعدوّ: هادٍ. وهو لا يَهْدِى الطريقَ ولا يَهْتَدِى، ولا يَهَدِّى ولا يِهِدِّى.
قال تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} والمعَنى أَرْشِدْنا، وقيل: أَى قَدِّمنا إِليه، وقيل: ثَبِّتْنا عليه؛ وقيل: وَفّقنا؛ وقيل: ارزُقْنا، وكلُّها أَقوالٌ متقاربة.
قال ابنُ عَطِيَّة: الهِدايةُ فى اللُّغة: الإِرشاد لكنَّها تتصرّف على وُجوه يُعبّر عنها/ المفسّرون بغير لَفْظ الإِرشاد، وكلُّها إِذا تُؤُمِّلت رجعت إِليه. انتهى كلامُه، وهو صحيح، ولم يذكر أَهل اللغة فيها إِلَاّ أَنَّها بمعنى الإِرشاد، والأَصل عدمُ الاشتراك.
وأَصلُ هَدَى أَن يَصل ثانى مَفْعُولَيْه بإِلى أَو اللَاّم، قال تعالى:{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي ربي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، {اجتباه وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، {الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا} . وقد يُتَّسع فيه فيُحْذَف الحرفُ ويُعَدَّى بنفسه، ومنه:{اهدنا الصراط المستقيم} ، {وَهَدَيْنَاهُ النجدين} .
وقال أَبو النَّصر: هَدَيْته الطَّريقَ لغةُ أَهلِ الحجاز، وهَدَيْتُه إِلى الطريق لغةُ غيرهم، حكاه الأَخفش. قال الزمخشرىّ: هَداهُ لِكذا أَو إِلى كَذا إذا لم يَكُن فيه فيَصل إِليه بالهِدَاية، وهَداهُ كذا يحتمل كونُه فيه وكونه ليس كذلك، فلا يجوز {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} كون أَصله باللام أَو إِلى، هكذا قال، والمشهور ما قدّمناه.
وقال الراغب: الهِدَايَةُ: دَلالةٌ بُلْطف، ومنه الهَدِيَّة. وهَوادِى الوَحْش أَى المتقدِّمات الهادِيَةُ لغيرِها. وخُصَّ ما كان دلالةً بَهَدَيْتُ وما كان إِعطاءً بأَهْدَيْتُ، نحو أَهْدَيْتُ الهديَّةَ، وهَدَيْتُ إِلى البَيْت.
إِن قيل كيف جعلت الهداية دَلالةً بلُطْفِ والله تعالَى يقول: {فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم} ؟ قيل: ذلك على سبيل التَهَكُّم مبالغةً فى المَعْنَى نحو قوله: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ومنه قوله:
تَحيّةُ بَيْنِهم ضَرْبٌ وَجيعُ
وهِدايةُ الله تعالى للإِنسان على أَربعةِ أَضرب:
الأَوّل: الهِداية التى عَمَّ بها كُلَّ مكلَّفٍ من العَقْل والفِطْنَة والمَعارف الضروريّة، بل عمّ بها كلَّ شىءٍ حَسَبَ احتمالِه، كما قال تعالى:{رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} .
الثانى: الهِداية التى جُعلت للنَّاسِ بدُعائه إِيّاهم على أَلْسِنَةِ الأَنبياءِ وإِنْزالِ القرآن ونحوِ ذلك، وهو المقصودُ بقوله:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} .
الثالث: التَّوفيقُ الذى يختصّ به من اهْتَدى، وهو المعنِىُّ بقوله:{والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى} ، وقوله:{وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ} .
الرّابع: الهدايَةُ فى الآخرة إِلى الجنَّة، وهو المعنىُّ بقوله:{الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا} .
وهذه الهداياتُ الأَربعُ مُتَرتِّبة فإِنَّ من لم تَحْصُلْ له الأُولَى لا تَحْصُلُ له الثانية، بل لا يَصِحُّ تكليفُه. ومن لم تَحْصُلْ له الثانيةُ لا تحصل له الثالثة والرابعةُ.
والإِنسان لا يَقْدِرُ أَن يَهْدِىَ أَحداً إِلا بالدُّعاءِ وتعريف الطُّرُق دون سائِر الهِدايات، وإِلى الأَوَّل أَشار بقوله:{وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، وبقوله:{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أَى داع، وإِلى سائر الهِدايات أَشار بقوله:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} . وكُلّ هدايةٍ ذَكَرَ الله تعالى أَنَّه منَع الكافِرين والظَّالِمين فهى الهِدايَةُ الثالثة، التى هى التَّوْفيق الذى يختصّ به المهتدون، والرّابعة التى هى الثوابُ فى الآخرة، وإِدخالُ الجنَّة المشار إِليها بقوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ
…
} إِلى قوله: {والله لَا يَهْدِي القوم الظالمين} .
وكلّ هِداية نَفاها عن النبىّ صلى الله عليه وسلم وعن البشر وذكر أَنَّهم غيرُ قادِرين عليها فهى ماعَدا المُخْتصّ به من الدّعاء وتعريفِ الطريق، وذلك/ كإِعطاءِ العَقْل والتوفيق، وإِدخال الجنَّة، وإِلى هذا المعنَى أَشار بقوله:{أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} . وقوله: {وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد} أَى طالبُ الهُدَى ومُتَحرِّيه هو الَّذى يُوَفِّقه ويَهْديه إِلى طريق الجَنَّة لامَنْ ضادَّهُ فتحرَّى طريقَ الضَلالَة والكُفْر كقوله: {والله لَا يَهْدِي القوم الكافرين} ، وقوله:{إِنَّ الله لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} الكاذِبُ الكَفَّار هو الَّذى لا يَقْبلُ هِدايَتَه؛ فإِنَّ ذلك راجعٌ إِلى هذا وإِنْ لم يكن لفظُه موضوعاً لذلك، ومن لم يَقْبل هِدايَتَه لم يَهْدِه كقولك: من لم يَقْبل هَدِيَّتِى لم أُهْدِ لَهُ، ومن لم يقبل عَطِيَّتِى لم أُعْطِه، ومن رَغِب عنِّى لم أَرْغَبْ فيه. وقولُه {أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يهدي إِلَاّ أَن يهدى} فقوله: لا يَهِدِّىِ أَى لا يَهْدِى غَيْره ولكن يُهْدَى، أَى لا يعلم شيئاً ولا يَعْرِفُ. وقرئ إِلَاّ أَن يُهَدَّى أَى لا هِدايةَ له ولو هُدىَ أَيضاً لم يَهْتَد لأَنَّها مَواتٌ من حِجَارة ونحوِها.
وظاهرُ اللَّفظ أَنَّه إِذا هُدِىَ اهْتَدَى لإِخْراج الكلام على أَنها أَمْثالُكم كقوله تعالى: {إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} وإِنَّما هى مَواتٌ، وقد قال فى موضِع [آخَرَ] :{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السماوات والأرض شَيْئاً وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} .
وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل} ، وقوله:{وَهَدَيْنَاهُ النجدين} ، وقوله:{وَهَدَيْنَاهُمَا الصراط المستقيم} إِشارةٌ إِلى ما عَرَّفَ من طريق الخَيْر والشرّ، وطريقِ الثَّواب والعِقاب، والعَقْل والشَّرْع. وقولُه:{وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ} إِشارةٌ إِلى التَّوْفيق المُلْقَى فى الرُّوْع فيما يَتَحرّاه الإِنسانُ، وإِياه عَنَى بقوله:{والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى} .
ولما كانت الهِدايةُ والتَّعليم يَقْتَضِى شيئين: تعريفاً من المُعَرِّف وتَعَرُّفاً من المُعَرَّف، وبهما يتمّ الهدايةُ والتَّعلُّم، فإِنَّه متى حَصَل البَذْلُ من الهادى والمعلِّم ولم يَحْصُل القبولُ صَحَّ أَنْ يُقال لم يَهْدِ ولم يُعَلِّم اعتباراً بعدَم القَبُول، وصَحَّ أَنْ يقال: هَدَى وعَلَّم اعتباراً بَبذْلِه، فإِذا كان كذلك صحّ أَن يُقالَ إِنَّ الله لمِ يَهْدِ الكافرين والفاسقين من حيثُ إِنَّه لم يَحْصُل القَبولُ الَّذى هو تَمامُ الهِداية والتَّعلِيم. وصحّ أَنْ يُقال قد هَداهم وعَلَّمَهُم من حيث إِنَّه حَصَل البَذْلُ الذى هو مَبْدأُ الهِداية، فعلى الاعتبار الأَوّل يصحّ أَن يُحْمَلَ قولُه: والله لا يهدى القومَ
الكافِرين والظالمين، وعلى الثانى قولُه:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى} والأَوْلَى حيثُ لم يحصُلِ القَبُول أَن يُقَيَّد فيقالُ هَدَاهُ اللهُ فلم يَهْتَدِ وقوله: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَاّ عَلَى الذين هَدَى الله} وهم الذين قَبِلُوا هُدَاهُ فاهْتَدَوْا به.
وقولُه: {اهدنا الصراط المستقيم} فقد قيلَ عنى به الهِدايَة العامَّة، التى هى العقلُ وسنّة الأَنبياءِ، وأُمِرْنا بأَن نُقول ولكن بأَلْسِنَتِنا، وإِن كان قد فَعَلَ، ليُعْطِيَنا ثَواباً، كما أُمِرْنا بأَن نَقُولَ: الَّلهُمَّ صَلِّ على محمّد وإِنْ كان قد صَلَّى الله عليه بَقولُه: {إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي} . وقيل إِنَّ ذلك دُعاءٌ بحفْظِنا عن اسْتِغْواء الغُواةِ واسْتِهْواء الشَّهَوات. وقيل: هو سُؤالٌ للتَّوْفيق المَوْعُود فى قوله: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى} .
والهِدايةُ والهُدَى فى مَوْضُوع الُّلغة واحدٌ كما تقدَّم، لكن قد خَصَّ الله لَفْظَ الهُدَى. بما تَوَلَاّه وأَعْطاه، واخْتَصَّ هو به دون ما هو إِلى الإِنسان، نحو:{هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} ، {قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى} وغيرها.
والاهْتِداءُ يختصُّ بما يَتَحرّاه الإِنسانُ على طريقِ الاختيارِ إِمّا فى الأًمور الدنيويّة أَو الأُخرويّة، قال تعالى:{وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا} ويُقال ذلك لِطَلَب الهِدايَة نحو قوله: {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ
مِنَ المهتدين} ولِتَحَرِّى الهِداية نحو قوله: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .
ويُقالُ الْمُهْتَدِى لِمَنْ يَقْتدى بِعَالِم نَحْو: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ} ، تنبيهاً أَنَّهم لا يعلمون بأَنْفُسِهم ولا يَقتَدون بعالِم.
وقولُه: {فَمَنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} فالاهْتِداءُ ها هُنا يَتَناول وجُوه الاهتداءِ من طَلَبِ الهِداية ومن الاقْتِداءِ ومن تَحَرِّيها.
وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى} معناه ثمّ أَدام طَلَبَ الهِداية ولم يَفْتُرْ عن تَحَرِّيه ولم يرجع إِلى المعصية.
وقوله: {أولائك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولائك هُمُ المهتدون} ، أَى الذين تَحَرُّوا الهداية وقَبِلُوها وعملوا بها، وكذلك قوله: {ياأيه الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ
…
} إِلى قوله {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} .
والهدْىُ مختصٌّ بما يُهْدَى إِلى البَيْت، قال الأَخفش: واحِدُه هَدِيَّةٌ، قال: ويُقال للأُنْثَىَ هَدْىٌ كأَنَّه مصدرٌ وُصف به، قال الله تعالى:{لَا تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله وَلَا الشهر الحرام وَلَا الهدي} .
والهَدِيَّة مختصَّه بالُّلطَفِ الَّذِى يُهْدَى بعضُنا إِلى بَعْض، قال تعالى
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} .
والمِهْدَى: الطبقُ الَّذى يُهْدَى عليه. والمِهْداءُ من يُكْثِر إِهداءَ الهَدِيَّة، قال:
وإِنَّكَ مِهْداءُ الخَنا نَظِفُ الحَشَا
والهَدِىُّ يُقال فى الهَدْىِ وفى العَرُوس. يقال: هَدَيْتُ العَرُوسَ إِلى زَوْجِها هِداءً.
وما أَحْسَنَ هِدْيَةَ فُلانٍ [وهَدْيَهُ] ، أَى طريقتَه.
وفلانٌ يُهادِى بين اثنَيْن: إِذا مَشَى بينهما مُعْتَمداً عليهما.
وتَهادَت المرأَةُ: إِذا مَشَتْ مَشْىَ الهَدْى.