الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى ودع
المادّة تدلُّ على التَّرْك والتَخْلِيَة. وَدُعَ الرجلُ فهو وَدِيعٌ ووادِعٌ، أَى ساكنٌ، مثلُ حَمُضَ فهو حامِضٌ، يُقال: نالَ المكارِمَ وادعاً، أَى من غير كُلْفَةِ ومَشَقَّة. وعليك بالمَوْدُوع أَى بالسَّكينة والوَقار. ووَدَّعْتُ فلاناً تَوْدِيعاً من وَداع السَّلام.
والدَّعَةُ: الخَفْضُ والرّاحةُ، والهاءُ عِوَضٌ من الواو، وقال:
لا يَمْعَنَّك خَفْضَ العَيْشِ فى دَعَةٍ
…
نُزُوعُ نَفْسٍ إِلى أَهْلٍ وأَوْطانِ
تَلْقَى بكُلِّ بِلادٍ إِنْ حَلَلْتَ بها
…
أَهْلاً بأَهْلٍ وجِيراناً بجيرانِ
والوَداعُ: اسمٌ من التَّوْدِيع، قال القَطامىّ:
قِفِى قَبْلَ التَفَرُّق يا ضُباعَا
…
ولا يَكُ مَوْقِفٌ مِنكِ الوَداعَا
أَراد ولايَكُنْ مِنكِ مَوْقِف الوَداعِ، ولكن لِيَكُنْ مَوْقِف غِبْطَةٍ وإِقامة، لأَنَّ موقفَ الوَدع يكون للفِراق، ويكون مُنَغَّصاً بما يَتْلُوه من التَبارِيحِ والشَّوْق.
وقولُهم: دَعْ ذَا، أَى اتْرُكْه، وأَصلهُ وَدَعَ يَدَعُ، ومنه قولُ النبىّ صلى الله عليه وسلم:"دَعْ ما يَريبك". قال عَمْرُو بن مَعْدِيكرب:
إِذا لم تَسْتَطِعُ أَمراً فدَعْهُ
…
وجاوِزْهُ إِلى ما تَسْتَطيعُ
قال اللغويون: أُمِيتَ ماضِيهِ، لا يُقال: وَدَعَهُ إِنَّما يُقال تَركَه ولا وادِعٌ ولكن تَارِكٌ. قالوا: ورُبَّما [جاءَ] فى ضرورة الشِّعر وَدَعَه وهو مَوْدُوع على أَصْلِه، قال أَنَسُ بن زُنَيْم:
لَيْتَ شِعْرِى عن خَلِيلِى ما الَّذى
…
غالَهُ فى الوَعْدِ حَتَّى وَدَعَه
وقال سُوَيْدُ بن أَبى كاهِل اليَشْكُرِىّ يصفُ نَفْسه:
وَرِثَ البِغْضَة عن آبائه
…
حافِظُ العَقْلِ لِما كان اسْتَمَعْ
فَسَعَى مَسْعاتَهُم فى قَوْمهِ
…
ثمّ لم يَظْفَرْ ولا عَجْزاً وَدَعْ
وقال آخر:
وكانَ ما قَدَّمُوا لأَنْفُسِهم
…
أَكْثر نَفْعاً من الَّذِى وَدَعُوا
وقد اختارَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم أَصلَ هذه اللغة فيما رَوَى عنه ابنُ عبّاسٍ رضى الله عنهما أَنَّه قرأَ: {ما وَدَّعَك رَبُّكَ وما قلىَ} بتخفيف الدَّال، وكذلك قرأَ بهذه القِراءَة عُرْوة ومُقاتل وأَبو حَيْوَةَ، وأَبو البَرَهْسَم وابنُ أَبِى عَيْلَةَ ويَزِيدُ النَّحْوَىّ. وقال صلى الله عليه وسلم: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقوامٌ عن وَدْعِهِم الجُمُعات أَوْ لَيَخْتِمَنَّ الله على
قُلُوبهم ثمّ لَيكُونُنَّ من الغافِلين"، وقرأَ الباقون ما وَدَّعك بالتشديد، أَى ما تَرَكك من اخْتارَك، ولا أَبْغَضَك منذ أَحَبَّك. وفى الحديث: "إِذا لم يُنْكِرِ الناسُ المُنْكَرَ فقد تُوُدِّع منهم" أَى أُسْلِمُوا إِلى ما استحقُّوه من المنكر عليهم، وتُرِكُوا [و] ما استَحبُّوه من المَعاصى حتى يُكْثِرُوا منها فيَستوجِبُوا العقوبةَ.
وفى الحديث: "دَعْ داعِىَ اللَّبَن" أَى اتركْ منه فى الضَرْع شيئا يَسْتَنْزِلُ اللَّبَنَ.
ووادَعَ بَنِى فُلان: صالَحَهُم.
والتَّوْديع عند الرّحيل معروفٌ، وهو تخليف المسافِرِ الناسَ خافِضين وادِعين، وهم يُوَدِّعُونَه إِذا سافَر تَفاؤلاً بالدَّعَة التى يصير إِليها إِذا قَفَل، أَى يتركونه وَسَفَره، قال الأَعشى:
ودِّعْ هُرَيْرَة إِنَ الرَكْبَ مُرْتَحِلْ
…
وهَلْ يُطِيقُ وَداعاً أَيّها الرّجُلُ
واستَوْدَعْتُه وَديعَةً: استْحْفَظْتُه إِيّاها قال:
اسْتُودِع العلْمَ قرطَاسٌ فضَيَّعَه
…
فِبئْسَ مستودَعُ العِلْم القَراطيسُ
وقوله تعالى: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} أَى مستودَعٌ فى الصلب فى وقيل فى الثَّرَى.
والمُسْتَوْدَعُ فى قول عبّاس بن عبد المطَّلب رضى الله عنه:
مِنْ قَبْلِها طِيبَ فى الظِّلال وفىِ
…
مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ
المكانُ الذى جُعِلَ فيه آدم وحَوّاءُ عليهما السلام من الجنَّة واستُودعاهُ، وقيل: الرَّحمُ.