الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
19
-
السُّلْطَان الْغَازِي مُحَمَّد خَان الرَّابِع
انْفَرد بِالْملكِ ولصغر سنه وَقعت المملكة فِي الفوضى وَصَارَت الْجنُود لاترحم صَغِيرا وَلَا توقر كَبِيرا وَسعوا فِي الارض فَسَادًا وَرجعت الْحَالة إِلَى مَا وصلت اليه قبل تولي السُّلْطَان مُرَاد الرَّابِع بل إِلَى اتعس مِنْهَا وسرى عدم النظام إِلَى الْجنُود المحاصرة كنديا بكيفية اضطرت قائدهم السِّرّ عَسْكَر حُسَيْن باشا لرفع الْحصار عَنْهَا وَكَذَلِكَ كَانَ سريان هَذَا الدَّاء العضال إِلَى الْجنُود البحرية سَبَب انهزام الدونانمه العثمانية امام دونانمة الْعَدو امام مَدِينَة فوقيه سنة 1649 ثمَّ ثار بآسيا الصُّغْرَى فِي هَذِه السّنة ايضا رجل يدعى قاطرجي اوغلي وانضم اليه آخر يدعى كورجي يني وهزما احْمَد باشا وَالِي الاناطول وسارا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَلَوْلَا وُقُوع الشقاق بَينهمَا لخيف على العاصمة من وُقُوعهَا فِي قبضتهما لَكِن وَقع الْخلف بَينهمَا وافترقا فحاربهما الْجند وَهزمَ الثَّانِي وَقتل وارسل راسه إِلَى السُّلْطَان وَتمكن الآخر وَهُوَ قاطرجي اوغلي من الْحُصُول على الْعَفو عَنهُ وتعيينه واليا للقرمان وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه الثورة لَوْلَا اشْتِغَال النمسا بِالْحَرْبِ الهائلة الدِّينِيَّة الْمَعْرُوفَة
بِحَرب الثَّلَاثِينَ سنة لانتهزنت هَذِه الفرصة وَفتحت بِلَاد المجر بِدُونِ مقاومة وَمن جِهَة اخرى لَوْلَا وَلَاء المجر وتفضيلهم الْحُكُومَة العثمانية على حُكُومَة النمسا لثاروا طلبا للاستقلال وَبعد ذَلِك توالت الثورات تَارَة من الانكشارية وطورا من السباه وآونة من الاهالي لما يثقل عَلَيْهِم نير استبداد الْجنُود وتعاقب عزل وتنصيب الصُّدُور بِسُرْعَة غَرِيبَة لم تسبق فِي الدولة وَلَا فِي ايام حكم السُّلْطَان سليم تبعا للاهواء والغايات واختل النظام اَوْ بِعِبَارَة صَرِيحَة صَار عدم النظام نظاما للدولة
وَفِي هَذِه الاثناء تغلبت مراكب جمهورية البندقية على عمَارَة الدولة عِنْد مدْخل الدردنيل واحتلت تنيدوس وجزيرة لمنوس وَغَيرهمَا ومنعت بذلك المراكب الحاملة للقمح واصناف الماكولات عَن الْوُصُول إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة من هَذَا الطَّرِيق حَتَّى غلت جَمِيع الاصناف وَاسْتمرّ الْحَال على هَذَا المنوال وَلَا نظام وَلَا امن وَلَا سكينَة وبالاختصار لَا حُكُومَة ثَابِتَة إِلَى ان قيض لَهَا الْوَالِي سبحانه وتعالى الْوَزير مُحَمَّد باشا الشهير بكوبريلي الَّذِي تولى منصب الصدارة سنة 1067 سنة 1656 فعامل الانكشارية مُعَاملَة من يُرِيد ان يطاع اطاعة عمياء وَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا عِنْدَمَا ثَارُوا كعادتهم لما راوه رجلا خَبِيرا بدخائل الامور قَادِرًا على قمعهم والزامهم الْعود إِلَى السكينَة وامر بعد تَعْيِينه بِقَلِيل بشنق بطريرك الاروام لما ثَبت لَهُ تدخله فِي الدسائس والفتن الداخلية
وَمِمَّا يُؤثر عَن هَذَا الْوَزير الْجَلِيل انه استصدر امرا من السُّلْطَان بِمَنْع قتل سلفه وَكَانَ قد امْر بقتْله وتعيينه واليا على كانيشا وَفِي اواسط يوليه سنة 1657
ارسل المراكب لمحاربة سفن البنادقة المحاصرة لمدخل الدردنيل فحاربتها وَلم تساعدها الظروف على نوال النَّصْر ثمَّ بعد موت الْقَائِد البحري البندقي الشهير موشنجو بِنَحْوِ سِتَّة اسابيع انتصرت الْعِمَارَة العثمانية على البنادقة واستردت مِنْهُم مَا احتلوه من الثغور والجزائر
وَفِي اثناء ذَلِك كَانَت نيران الحروب متأججة بَين مملكة بولونيا وشارل جوستاف ملك السويد فارسل هَذَا سفراء إِلَى الْبَاب العالي يطْلبُونَ مِنْهُ ابرام معاهدة هجومية ودفاعية لمحاربة بولونيا وَتَكون هَذِه المملكة تَحت حماية الدولة بِالْفِعْلِ فامتنعت عَن قبُول هَذَا الْوِفَاق وَلما علمت ان راكوكسي امير ترنسلفانيا اتَّحد مَعَ السويد على قتال بولونيا باتحاده مَعَ قرال الفلاخ والبغدان امرت بعزله وعزل قرال الفلاخ الْمَدْعُو قسطنطين الاول وَتَعْيِين ميهن الرُّومِي مَكَانَهُ فقابل راكوكسي الارادة السُّلْطَانِيَّة بالعصيان وانتصر على العثمانيين بِالْقربِ من ليبا سنة 1658 لحُصُول عصيانه فَجْأَة وَعدم الاستعداد لصده ثمَّ سَار كوبريلي لقمعه وَضم إِلَى جُنُوده جيوش ميهن امير الفلاخ الْجَدِيد الَّذِي كَانَ يُرِيد مساعدة راكوكسي لكنه لم ير بدا من مرافقة كوبريلي خوفًا من ظُهُور خيانته فِي وَقت غير مُنَاسِب وباتحاد الجيشين تمكن كوبريلي من قهر هَذَا العَاصِي وطرده من الْبِلَاد وَتَعْيِين من يدعى اشاتيوس بركسي قرالا على ترنسلفانيا بِشَرْط ان يدْفع خراجا سنويا قدره اربعون الف دوكا وَبعد استتباب الامن عَاد الصَّدْر إِلَى الاستانة وبمجرد
عودته اظهر ميهن قرال الفلاخ الْعِصْيَان واضطهد الْمُسلمين وَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا وصادرهم فِي اموالهم واملاكهم واستدعى راكوكسي الْمَعْزُول لمساعدته واعدا لَهُ بإرجاعه إِلَى ولَايَته بعد النَّصْر على العثمانيين وَأَرْسلُوا إِلَى غيكا قرال البغدان يوسوسون لَهُ بالانضمام اليهما فَلم يصغ إِلَى وساوسهم وَلذَلِك سَارُوا اليه وانتصروا عَلَيْهِ بِالْقربِ من مَدِينَة ياسى عَاصِمَة امارته وَلما وصل خبر تمردهم إِلَى الاستانة رَجَعَ كوبريلي على جنَاح السرعة لمحاربتهما قبل اشتداد الْخطب واتساع الْخرق على الراقع وانتصر عَلَيْهِمَا نصرا مُبينًا ثمَّ عزل ميهن جَزَاء خيانته وَعين غيكا قرال البغدان قرالا على الفلاخ ايضا سنة 1659 وَفِي السّنة التالية احتل وَالِي بود عَاصِمَة المجر مَدِينَة جروس واردين التابعة للنمسا بعد مناوشات خَفِيفَة فاعتبرت النمسا ذَلِك اعلانا للحرب وابتدأت الحركات العدوانية بَين الطَّرفَيْنِ
هَذَا ولنذكر شَيْئا من علاقات الدولة مَعَ فرنسا اثناء هَذِه الاضطرابات الداخلية الَّتِي جرت فِيهَا الدِّمَاء وَقتل فِيهَا ملكان كَمَا مر فَنَقُول انه لم يحصل تغير فِي هَذِه العلاقات الا فِي وَقت اشْتِغَال فرنسا فِي محاربة النمسا ايام وزارة الكاردينال ريشليو الَّذِي كَانَ عَاملا على اذلالها اعلاء لشأن فرنسا فاخذ نُفُوذ فرنسا لَدَى
الْبَاب العالي فِي الضعْف شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى تقاسمت مَعهَا البندقية حق حماية الْكَنَائِس المسيحية فِي غلطة ايام السُّلْطَان مُرَاد الرَّابِع الَّذِي طرد طغمة اليسوعيين من الاستانة سنة 1628 بِنَاء على الحاح سفراء انكلترا وهولاندا سعيا وَرَاء اضعاف نُفُوذ الكاتوليك وَتَقْرِير نُفُوذ البروتستانت بِمَا ان دَوْلَتِي انكلترا وهولاندا كَانَتَا فِي ذَلِك الْعَصْر بروتستانتيين دون بَاقِي الدولة الاوروبية وَلعدم مدافعة فرانسا عَن امتيازاتها اخْتصَّ اليونانيون بِخِدْمَة بَيت الْمُقَدّس مَعَ ان ذَلِك كَانَ مَنُوطًا بالرهبان الكاتوليك بِمُقْتَضى المعاهدات المبرمة مَعَ سُلَيْمَان الاول وتجددت ايام مُحَمَّد الثَّالِث وَاحْمَدْ الاول كَمَا مر وَمِمَّا زَاد علاقات الدولتين فتورا وَجعل الْحق بِجَانِب الدولة العثمانية تدخل فرنسا سرا بمساعدة البنادقة على الدفاع عَن جَزِيرَة كريد وامدادها لَهُم بِالسِّلَاحِ وَضبط عدَّة مراسلات رمزية كَانَت مُرْسلَة إِلَى المسيو دي لاهي مَعَ شخص فرنساوي موظف فِي بحريّة البندقية وَهُوَ سلمهَا بِنَفسِهِ إِلَى الْوَزير كوبريلي سنة 1659 طَمَعا فِي المَال وَكَانَ اذ ذَاك بِمَدِينَة ادرنه وَلما لم يُمكنهُ حل رموزها ارسل إِلَى الاستانة يَسْتَدْعِي السفير الفرنساوي ولتمرضه ارسل وَلَده إِلَى ادرنه مَكَانَهُ فَلَمَّا مثل بَين يَدي الصَّدْر الاعظم وَسَأَلَهُ عَن معنى هَذِه الرموز لم يراع فِي جَوَابه آدَاب المخاطبة فامر بسجنه فِي الْحَال وَلما بلغ خبر سجنه إِلَى وَالِده سَافر إِلَى ادرنه خوفًا على حَيَاة وَلَده وَلم يمنعهُ اشتداد مَرضه عَن السّفر وقابل الْوَزير كوبريلي مُحَمَّد باشا وَلما لم يرشده السفير عَن معنى الجوابات المرموزة لم يقبل