الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَولى مَكَانَهُ ابْنه الْقَاصِر عباسا الثَّالِث واقام نَفسه وَصِيّا عَلَيْهِ ثمَّ قصد الْبِلَاد العثمانية وَبعد ان انتصر على جنود الدولة حصر مَدِينَة بَغْدَاد فاسرع الْوَزير طوبال أَي الاعرج عُثْمَان باشا إِلَى محاربته وَجَرت بَينهمَا عدَّة وقائع قتل فِيهَا عُثْمَان باشا الْمَذْكُور فطلبت الدولة الصُّلْح وَبعد مخابرات طَوِيلَة اتّفق مَنْدُوب الدولة مَعَ نادرخان فِي 18 جُمَادَى الاولى سنة 1149 24 سبتمبر سنة 1736 م فِي مَدِينَة تفليس حَيْثُ نودى بنادرخان ملكا على الْعَجم على ان ترد الدولة إِلَى الْعَجم كل مَا اخذته مِنْهَا وان تكون حُدُود الدولتين كَمَا تقرر بمعاهدة سنة 1639 المبرمة فِي زمن السُّلْطَان الْغَازِي مُرَاد الرَّابِع
معاهدة بلغراد
وَفِي غُضُون ذَلِك قَامَت الْحَرْب بَين الدولة والروسيا بِسَبَب مملكة بولونيا وَذَلِكَ ان كل من الروسيا والنمسا والبروسيا اتّفقت فِي سنة 1722 بِمُقْتَضى اتِّفَاق سري على ان لَا يجوز تعْيين ملك وطني على بولونيا جوفا من اتحاده مَعَ الاهالي الامر الَّذِي يكون من وَرَائه استقامة احوال هَذِه المملكة الداخلية مَعَ ان قصد الروسيا ودود الاضطرابات بهَا دَائِما حَتَّى تضعف كُلية فتستولي عَلَيْهَا باجمعها اَوْ تقسمها مَعَ مجاوريها تبعا لسياسة بطرس الاكبر القاضية بالسعي فِي تلاشي دَوْلَتِي السويد وبولونيا فالدولة الْعلية فَلَمَّا توفّي اوغست الثَّانِي ملك بولونيا انتخب الاهالي فِي سنة 1733 ستانسلاس لكزنيسكي ملكا عَلَيْهِم بسعي فرنسا الَّتِي كَانَ من صَالح سياستها بَقَاء بولونيا فِي الْعَالم السياسي عزيزة الْجَانِب يحكمها ملك من اهلها
فاعلنت الروسيا والنمسا الْحَرْب على بولونيا وَنَادَوْا بآغوست الثَّالِث ابْن آغست الثَّانِي ملكا عَلَيْهَا وَلَو لم ينتخبه الاهالي وَمن جِهَة اخرى اشهرت فرنسا الْحَرْب على النمسا دفاعا عَمَّا لبولونيا من الْحق الصَّرِيح فِي انتخاب من تُرِيدُ وسعت لَدَى الْبَاب العالي بِوَاسِطَة المسيو دي بونفال الَّذِي خدم الدولة بعد ان اسْلَمْ واشتهر فِيهَا باسم احْمَد باشا قَائِد الطوبجية لاستمالته للدفاع عَن اسْتِقْلَال بولونيا الحاجز الْحصين بَينهَا وَبَين الروسيا مُوضحَة لَهَا سياسة هَذِه الدولة الطامحة انظارها لامتلاك
الْقُسْطَنْطِينِيَّة كَمَا اوصى لَهَا بذلك بطرس الاكبر فَلم يصغ وزراء الدولة لندائها لجهل فِي السياسة اَوْ لاسباب اخرى وَلذَلِك تغلبت الروسيا على ستانسلاس واحتلت جنودها مملكة بولونيا باسرها ووزراء الدولة لاهون عَن نتائج هَذِه السياسة الوخيمة الَّتِي رُبمَا كَانَت السَّبَب فِي وُصُول الدولة إِلَى الدرجَة الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا الْآن
وَلما احست النمسا ان فرنسا تسْعَى وَرَاء التَّحَالُف مَعَ الدولة فَخَشِيت من حُصُول هَذَا الِاتِّفَاق الَّذِي يكون نتيجته عدم نجاح مسعاها مَعَ الروسيا فِي بولونيا اسرعت فِي ارضاء فرنسا فابرمت مَعهَا معاهدة ويانة فِي سنة 1735 واخذت فِي التأهب والاستعداد للاشتراك مَعَ الروسيا فِي محاربة الدولة واوعزت إِلَى الروسيا بافتتاح الْقِتَال فاتخذت هَذِه الاخيرة مُرُور بعض قوزاق القرم من اراضيها فِي مارس سنة 1736 متجهين إِلَى بِلَاد الكرج لمساعدة الدولة ضد الْعَجم حجَّة لاعلان الْحَرْب واغارت بِكُل قواها على بِلَاد القرم واحتلت مينا آزاق وَغَيرهَا من الثغور البحرية وَهُوَ مَا حدا بالدولة إِلَى ابرام الصُّلْح مَعَ نَادِر شاه بالكيفية الَّتِي سبق شرحها لتتفرغ لصد هجمات الروس
ولحسن حَظّ الدولة كَانَ قد تقلد منصب الصدارة رجل محنك اشْتهر بِحسن السياسة وسمو الادراك وَهُوَ الْحَاج مُحَمَّد باشا فَلم يغْفل طرفَة عين عَن جمع الجيوش وتجهيز المعدات حَتَّى امكنه فِي اقْربْ وَقت ايقاف تقدم الروس الَّذين كَانُوا قد احتلوا إقليم البغدان ودخلوا مَدِينَة باسى عَاصِمَة هَذَا الاقليم وَمن جِهَة اخرى انتصرت الجيوش العثمانية على جيوش النمسا الي اغارت على بِلَاد البوسنة والصرب والفلاخ فانتصر الْمُسلمُونَ فِي الصرب والجاؤوا النمساويين على الْجلاء عَنْهَا تاركين فِي كل مَوضِع قدم حثث رِجَالهمْ وتقهقروا إِلَى مَا وَرَاء نهر الدانوب فِي سنة 1737 وَاسْتمرّ الْحَال على هَذَا المنوال مِمَّا تنوسى عَهده فِي الدولة من النَّصْر والفوز على الاعداء حَتَّى طلبت النمسا الصُّلْح بِوَاسِطَة المسيو فلنوف سفير فرنسا فَقبل التَّوَسُّط بِكُل ارتياح وَسَار إِلَى معسكر الصَّدْر الاعظم وَعرض عَلَيْهِ الصُّلْح بالنيابة عَن النمسا فَاشْترط شُرُوطًا مَا كَانَت لتقبلها لَوْلَا انتصار الْمُسلمين على قائدها الشهير وَلَيْسَ فِي يَوْم 23 يوليو سنة 1739 فَكَانَ هَذَا الْفَوْز الاخير اكبر مساعد للوصول إِلَى الصُّلْح الَّذِي تمّ بَينهمَا وَبَين الروسيا فِي 14 جُمَادَى الْآخِرَة
سنة 1152 18 سبتمبر سنة 1739 م على ان تتنازل النمسا للدولة الْعلية عَن مَدِينَة بلغراد وَمَا اعطي لَهَا من بِلَاد الصرب والفلاخ بِمُقْتَضى معاهدة بساروفتس اما الروسيا فتعهدت قيصرتها حنه بهدم قلاع ميناء آزاق وَعدم تجديدها فِي الْمُسْتَقْبل وبعدم انشاء سفن حربية اَوْ تجارية بالبحر الاسود اَوْ ببحر آزاق بل تكون تجارتها على مراكب اجنبية وَبَان ترد للدولة كل مَا فَتحته من الاقاليم والبلدان وَسميت هَذِه المعاهدة معاهدة بلغراد وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه الْحَرْب باسترداد جُزْء عَظِيم مِمَّا فقدته الدولة من ممالكها بِمُقْتَضى معاهدة كارلوفتس بِضعْف وَعدم كفاءة اَوْ عدم صداقة واخلاص بعض الوزراء مِمَّا جعل الدولة على شفا جرف هار وَلَو اخلص هَؤُلَاءِ الوزراء وَجعلُوا ترقية شان الدولة نصب اعينهم ونبذوا الغايات الشخصية ظهريا لما فقدت شبْرًا من ارضها وَلَكِن {يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب} وَبعد ذَلِك بذل المسيو فلنوف سفير فرنسا جهده فِي اقناع الْبَاب العالي بضرورة الِاتِّحَاد مَعَ السويد لمحاربة الروسيا لَو تعدت على احدهما خوفًا من ان يلْحق بهما تباعا مَا اودى ببولونيا وَجعلهَا خاضعة فعلا لاوامر الروسيا فاقتنعت الدولة وابرمت مَعَ السويد محالفة هجوم ودفاع ضد الروسيا فِي سنة 1740 وَفِي هَذِه السّنة تحصل سفير فرنسا على تَجْدِيد الامتيازات القنصلية وكافة المزايا الممنوحة للتجار الفرنساويين وامضى الطرفان هَذِه الْمعَاهد الجديدة فِي 17 سبتمبر سنة 1740 وَهِي عبارَة عَن معاهدة سنة 1673 مَعَ بعض تسهيلات جَدِيدَة لفرنسا وتجارتها وارسل السُّلْطَان سفيرا من طرفه اسْمه سعيد ليقدم صُورَة المعاهدة إِلَى ملك فرنسا لويس الْخَامِس عشر مَعَ كثير من الْهَدَايَا الثمينة فقابله الْملك بالاحتفاء والاكرام اللَّائِق
بمقام مرسله السَّامِي وَعند عودته شيعه بالتبجيل والاجلال وارسل مَعَه مركبين حربيين وَجُمْلَة من المدفعية الفرنساويين هَدِيَّة مِنْهُ للخليفة الاعظم ليكونوا معلمين فِي الجيوش العثمانية فيمرنوا الْجنُود المظفرة على النظامات الجديدة الَّتِي ادخلها لوفوا الشهير فِي الجيوش الفرنساوية
وَبعد ذَلِك بِقَلِيل توفّي شارل السَّادِس امبراطور النمسا فِي 20 من شهر اكتوبر سنة 1740 وتولت بعده ابْنَته ماريه تيريزه فاتحدت فرنسا مَعَ بعض الدول على محاربة هَذِه الملكة واقتسام املاكها لما بَين فرنسا والعائلة الحاكمة فِي النمسا من الضغائن الْقَدِيمَة وسعي فرنسا دَائِما فِي اذلال النمسا وَهدم اركان سلطانها وبسبب موت هَذَا الْملك حصلت الْحَرْب الشهيرة بَين فرنسا والنمسا الْمَعْرُوفَة فِي التَّارِيخ بمحاربة ارث ملك النمسا الَّتِي استمرت عدَّة سِنِين وانتهت بفوز ماريه تريزه على فرنسا مِمَّا لَا يدْخل فِي مَوْضُوع هَذَا الْكتاب وَلما ابتدأت هَذِه الْحَرْب اظهرت فرنسا للدولة الْعلية بِوَاسِطَة سفيرها لَدَى الْبَاب العالي مَا يعود عَلَيْهَا من القوائد لَو اتّحدت مَعهَا على محاربة النمسا وَعرضت عَلَيْهَا احتلال بِلَاد المجر واسترجاعها إِلَى املاكها بِحَيْثُ ترجع الدولة إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من الاتساع ايام سُلَيْمَان الاول القانوني ويمكنها بعد ذَلِك مقاومة الروسيا وَالْوُقُوف فِي طَرِيق تقدمها وابانت لَهَا انها ان لم تفعل ذَلِك تقدّمت الروسيا شَيْئا فَشَيْئًا وقويت شوكتها
تدريجيا حَتَّى يخْشَى مِنْهَا على وجود الدولة وَلَا يخفى انها ملاحظات صَادِقَة وَلَو انها صادرة من فرنسا طَمَعا فِي نوال غايتها وَهِي اذلال النمسا الا انه كَانَ يجب على رجال الدولة النّظر اليها بِعَين الِاعْتِبَار فان هَذِه فرْصَة لم تتجدد بعد لَكِن قَضَت التقادير الالهية ان لَا تصغي إِلَى هَذِه النصائح حبا فِي السّلم وَعدم اراقة دِمَاء الْعباد والاشتغال بالاصلاحات الداخلية وكتبت إِلَى الدول ذَات الشَّأْن تدعوهم للتصالح وَهَذِه سياسة صادرة عَن سياسات شريفة الا انها تعد من الغلطات المهمة الَّتِي عَادَتْ على الدولة بوخيم العواقب لانها اضاعت فرْصَة لَو انتهزتها لفازت بالقدح الْمُعَلَّى واسترجعت مَا فصل عَنْهَا من الفتوحات بِدُونِ كثير عناء
وَهُنَاكَ غلطة اخرى ارتكبها رجال الدولة وَهِي نزع السلطة فِي اقليمي الفلاخ والبغدان من اشراف الْبِلَاد خوفًا من تمردهم وطلبهم الِاسْتِقْلَال وَتَعْيِين بعض اغنياء الرّوم من تجار الاستانة قرالات ممتازين فيهمَا فِي مُقَابل جعل سنوي يدْفع للخزانة السُّلْطَانِيَّة وَكَانَت تُعْطى لمن يدْفع خراجا اكثر من غَيره وَظَاهر ان من يقدم على التعهد بِمثل هَذِه المبالغ الطائلة عازم وَلَا شكّ عل الْحُصُول على مَا يَدْفَعهُ اضعافا مضاعفة من دِمَاء الاهالي فاستبد هَؤُلَاءِ المعينون بالسكان وساموهم الذل والخسف وفتكوا بالاشراف الاصليين وَقتلُوا كل من خالفهم مِنْهُم وَبَاعُوا القاب الشّرف جهارا حَتَّى انقرضت اغلب العائلات الاثيلة فِي الْمجد وحلت محلهَا عائلات جَدِيدَة اغلبها من تجار الاروام الَّذين اشْتَروا الالقاب بِدَرَاهِم مَعْدُودَة وَكَانَت نتيجة هَذِه السياسة ان سئم الاهالي هَذِه السلطة ومالوا بكلياتهم إِلَى الروسيا ووجهوا انظارهم لَهَا معتقدين انها سَتَكُون منقذتهم من هَذِه الْمَظَالِم المستمرة وَلَو انصفت الدولة لجعلتها ولايتين بِدُونِ امتيازات تتناوبها الْوُلَاة فَمَا كَانَت تطمح إِلَى الِاسْتِقْلَال الاداري فالسياسي
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة 27 صفر سنة 1168 13 دسمبر سنة 1754 توفّي السُّلْطَان مَحْمُود الاول بَالغا من الْعُمر سِتِّينَ سنة ماسوفا عَلَيْهِ من جَمِيع العثمانيين لاتصافه بِالْعَدْلِ والحلم وميله للمساواة بَين جَمِيع رعاياه بِدُونِ نظر لفئة دون اخرى وَكَانَت مُدَّة حكمه 25 سنة وَفِي ايامه السعيدة اتَّسع نطاق الدولة بآسيلا واوروبا
ومحت معاهدة بلغراد مَا لحق بالدولة من الْعَار بِسَبَب معاهدة كارلوفتس وَمن آثاره الحسان تأسيس ارْبَعْ كتبخانات الحقها بجوامع آيا صوفيا وَمُحَمّد الفاتح والوالدة وغلطه سراي وَمن وزرائه الَّذين تركُوا لَهُم فِي التَّارِيخ اسْما طوبال عُثْمَان باشا وَحَكِيم زَاده عَليّ باشا