الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال:
(الباب الثاني: في الأوامر والنواهي
. وفيه فصول:
الأول: في لفظ الأمر
وفيه مسألتان:
الأولى: أنه حقيقة في القول الطالب للفعل
، واعتبر المعتزلة العلُوَّ، وأبو الحسين الاستعلاء، ويُفسدهما قولُه تعالى حكاية عن فرعون:{فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}
(1)
).
الكلام عند أصحابنا يطلق على اللساني والنفساني، واختلفوا هل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما؟ على مذاهب: قيل: في
(2)
اللساني فقط، وذهب المحققون منا كما نقله الإمام في أول اللغات إلى أنه مشترك بينهما
(3)
، وذهب آخرون إلى أنه حقيقة في النفساني فقط، وكلا القولين منقول عن الشيخ، ويدل على أنه حقيقة في النفساني قوله تعالى:{وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ}
(4)
، وقوله تعالى:{وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}
(5)
(6)
.
(1)
سورة الأعراف: 110. والآية: "فماذا" بالفاء. سورة الشعراء: 35. والآية: "فماذا" بالفاء.
(2)
سقطت من (ت).
(3)
أي: بين اللساني والنفساني. انظر: المحصول 1/ ق 1/ 235.
(4)
سورة المجادلة: الآية 8.
(5)
سورة الملك: الآية 13.
(6)
قال الشوكاني في فتح القدير 5/ 262: "هذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تساوي الإسرار والجهر بالنسبة إلى علم الله سبحانه، والمعنى: إن أخفيتم كلامكم أو جهرتم به في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكل ذلك يعلمه الله لا تخفى عليه =
وقال عمر يوم السقيفة: كنت زَوَّرت
(1)
في نفسي كلامًا
(2)
. وقال الأخطل
(3)
:
إنَّ الكلام لفي الفؤاد وإنما
…
جُعِل اللسان على الفؤاد دليلا
(4)
= منه خافية. وجملة: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} تعليل للاستواء المذكور، وذات الصدور هي مضمرات القلوب".
(1)
زوَّرت: هَيَّأتُ وأصلحت. وفي تاج العروس 6/ 482، مادة (زور):"زَوَّر الشيء: حَسَّنه وقَوَّمه. . . وكلام مُزَوَّر، أي: مُحَسَّن. . . والتزوير: إصلاح الشيء. . . وقال الأصمعي: التزوير: تهيئة الكلام وتقديره، والإنسان يزوِّر كلامًا، وهو أن يقوِّمه ويُتقنه قبل أن يتكلم به".
(2)
أخرجه البخاري 3/ 1341 - 1342، في فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لو كنت متخذًا خليلًا". رقم الحديث 3467. والبيهقي 8/ 142 - 143، في قتال أهل البغي، باب الأئمة من قريش، من حديث عائشة رضي الله عنها. ولفظ البخاري: "إلا أني قد هَيَّأتُ كلامًا قد أعجبني، خَشِيتُ أن لا يبلغه أبو بكر". . . إلخ. وأخرجه البخاري 6/ 2503 - 2507، في كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت، وأحمد في المسند 1/ 55 - 56، والبيهقي 8/ 142، من حديث عبد الله بن عباس عن عمر بلفظ:"وكنت قد زَوَّرتُ مقالةً أعجبتني أردت أن أقدمها بين يَدَيْ أبي بكر".
(3)
هو شاعر زمانه غياث بن غَوْث التَّغْلبيّ النصرانيّ. قيل للفرزدق: مَنْ أشعر الناس؟ قال: كفاك بي إذا افتخرت، وبجرير إذا هجا، وبابن النصرانية إذا امتدح. وكان عبد الملك بن مروان يُجزل عطاء الأخطل ويفضِّله في الشعر على غيره. مات قبل الفرزدق بسنوات. انظر: سير 4/ 589، الشعر والشعراء 1/ 483.
(4)
انظر: المصباح المنير 2/ 201، مادة (كلم)، ونسبه ابن هشام في شذور الذهب ص 28 إلى الأخطل، وذكر بيتًا قبله وهو: لا يُعْجبَنَّك مِنْ خطيبٍ خُطْبَةٌ حتى يكونَ مع الكلام أصِيلا.
قال أصحابنا: ولسنا نستدل بهذه الأدلة على إثبات الكلام النفسي، فإنَّ هذه الأدلة قابلة للتأويل، ولكنا لما دلَّلنا بالبراهين القاطعة المُودَعة في الكتب الكلامية على إثبات (معنى في النفس)
(1)
يزيد على العلوم، والقُدَر
(2)
، والإرادات
(3)
، دللنا بهذه الألفاظ على أنه سُمِّي
(4)
كلامًا، فهي أدلة على إثبات التسمية لا على إثبات الحقيقة
(5)
.
وأما قول الإمام هنا: المختار أنه حقيقة في اللساني فقط
(6)
- فغير مُغَايِر لما نقله في "اللغات" عن المحققين؛ لأنه قال هناك: "الكلام بالمعنى القائم في النفس مما لا حاجة في أصول الفقه إلى البحث عنه، وإنما الذي يبحث عنه اللساني"، وقوله هنا: فقط، أي: ولا يكون حقيقة في الشيء والقصة
(7)
والشأن والطريق
(8)
، كما ذهب إليه
(1)
في (غ): "معنى النفس".
(2)
جمع قُدْرة. انظر: الوصول إلى الأصول 1/ 129.
(3)
منها ما ذكره ابن برهان في الوصول إلى الأصول 1/ 129: "أن السيد إذا قال لعبده: قم - وجد نفسه اقتضاءً حَتْمًا، وأمرًا جَزْمًا، ليس بإرادة، ولا قدرة، ولا علم، فسماه أهل الحق كلامًا". وانظر: البرهان 1/ 200.
(4)
في (غ): "يسمى".
(5)
نقل الشارح هذا الكلام من ابن برهان في الوصول إلى الأصول 1/ 131.
(6)
انظر: المحصول 1/ ق 2/ 36.
(7)
هكذا في النسخ، وفي المعتمد 1/ 39، وجمع الجوامع مع المحلى 1/ 367: والصفة. وفي البحر المحيط 3/ 259: والصفة والقصة.
(8)
أي: لا يكون الأمر بمعنى الشيء، والقصة، والشأن، والطريق، على سبيل الحقيقة. بل تلك معانٍ مجازية له.
أبو الحسين
(1)
. وحاصل الأمر أن الكلام هنا ليس إلا في اللساني.
قوله: "في لفظ الأمر" أي: لفظ "أم ر"
(2)
لا في مدلولها
(3)
الذي هو "افعل"، ولا في نفس الطلب
(4)
، وهذا اللفظ يطلق مجازًا على الفعل وغيره مما سيأتي إن شاء الله تعالى. فمسمى الأمر: لفظ وهو صيغة "افعل"
(5)
. ومسمى صيغة "افعل": هو الوجوب أو غيره على الاختلاف فيه.
فقوله: "القول" جنس يدخل فيه الأمر وغيره نفسانيًا كان أو غيره، ويستفاد من هذه العبارة أن الطلب بالإشارة والقرائن المفهمة لا يكون أمرًا حقيقة.
وقوله: "الطالب" فصل يخرج به الخبر وشبهه
(6)
.
(1)
أي: كما ذهب أبو الحسين إلى أن الأمر حقيقة في الشيء، والصفة، والشأن، والطريق، والفعل، والقول المخصوص. وأنه مشترك بينها. انظر: المعتمد 1/ 39.
(2)
أي: اللفظ المنتظم من هذه الأحرف المسماة بألف ميم راء، ويقرأ بصيغة الماضي مفككًا. انظر: شرح المحلي على الجمع 1/ 366.
(3)
أي: معناها. قال المطيعي: "موضع الخلاف هنا هذه المادة حيثما وجدت، سواء في مصدر، أو فعلٍ، أو غيره من المشتقات. وهذه المادة مدلولها الحقيقي صيغة افعل، سواء استعملت في الوجوب أو الندب أو غيرهما". سلم الوصول 2/ 229، 230.
(4)
لأن الطلب معنى قائم بنفس المتكلم، وهذه الصيغ المخصوصة دالة عليه. انظر: البحر المحيط 3/ 264.
(5)
إنما خص الأصوليون "افعل" بالذكر لكثرة دورانها في الكلام، وإلا فالمراد بقولهم: صيغة "افعل" لفظها وما قام مقامها من اسم الفعل كصَهْ، والمضارع المقرون باللام، مثل: ليقم، وغيرها من الأوزان الدالة على الأمر. انظر: البحر المحيط 3/ 274.
(6)
كالظروف، والجار والمجرور. كقولنا: زيد في الدار. وزيد عندك. فقولنا: في الدار، =
وقوله: "للفعل" فصل ثاني يخرج به النهي؛ إذ هو طالب للترك. وهذا مدخول من جهة أن النهي طلب فعلٍ أيضًا، ولكن فعلٌ هو كفٌّ، فلو قال: فعل غيرُ كفٍّ، كما فعل ابن الحاجب
(1)
- لسلم من هذا الاعتراض.
ويعترض عليه أيضًا بقول القائل: أوجبتُ عليك كذا، أو أنا طالب منك كذا، فإنه يصدق عليه التعريف مع كونه خبرًا، فكان ينبغي أن يقول: بالذات
(2)
، كما فعل في تقسيم الألفاظ.
واعلم أن هذا التعريف يدخل فيه النفساني فكان ينبغي أن يأتي بفصل يُخْرجه، وليس لقائل أن يقول: النفساني نفس الطلب لا الطالب (فقد خرج بقوله: "الطالب"؛ لأنا نقول: يصدق على النفساني أنه طالب)
(3)
، ولئن قلت: إنه ليس بطالب حقيقةً، قلت: وكذا اللساني، إنما الطالب حقيقةً المتكلم.
وقد زاد الإمام في الحد قيدًا آخر عند قوله: "إن الحق أن الأمر اسم
= ليس كلامًا خبريًا، لأن الكلام الخبري ما كان فيه مسند ومسند إليه، والحرف لا يمَع لا مسندًا ولا مسندًا إليه، فهنا الكلام ليس بخبري، لكنه شبيه بالخبري؛ لأنه مقدر بكائن أو استقر. فتقدير الكلام: زيد كائن في الدار، أو استقر في الدار. وكذا قولنا: زيد عندك. تقديره: زيدٌ كائن عندك. كمثل السابق. انظر: شرح ابن عقيل على الألفية 1/ 209 - 211.
(1)
انظر: بيان المختصر 2/ 11.
(2)
في نهاية السول 2/ 234: "فلا بد أن يقول: بالوضع أو بالذات".
(3)
سقطت من (ت).
لمطلق اللفظ الدال على الطلب، لا للفظ العربي الدال على الطلب، بدليل أن الفارسي إذا طلب مِنْ عبده شيئًا بلغته يسميه العربي أمرًا، وأنه لو حلف (لا يأمر)
(1)
فأمر بالفارسية حَنِث". فقال: "الحق إنه اسم لمطلق اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض، لا لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب" قال:"وذلك إنما يظهر ببيان أن الأمر للوجوب"
(2)
وهذا ماشٍ على ما اقتضته طريقته من أن لفظ الأمر هو صيغة افعل، والتحقيق أنهما مسألتان كما سبق
(3)
ومما يدل عليه ذهاب الجمهور ومنهم
(1)
في (ت): "أن لا يأمر".
(2)
انظر: المحصول 1/ ق 2/ 40، 41.
(3)
أي: معنى لفظ الأمر، غير معنى صيغة "افعل". فلفظ الأمر: هو القول الطالب للفعل، أي: هو لفظٌ يفيد الطلب بصيغة "افعل" سواء كانت للإيجاب أم للندب. ومعنى صيغة "افعل" هو الوجوب أو الندب أو غيرهما على الخلاف بين العلماء. فنسمي المندوب مأمورًا به حقيقة كالواجب؛ لأنه يصدق عليهما لفظ الأمر وهو صيغة "افعل". أما أن هذه الصيغة حقيقة في الوجوب أو غيره، فهذا غير معنى لفظ الأمر. قال الإسنوى رحمه الله تعالى:"وقد زاد في المحصول قيدًا آخر فقال قبل المسألة الثالثة: إن الحق في حَدِّه أن يقال: هو اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض؛ لا سيأتي أن الأمر حقيقة في الوجوب، وتبعه عليه صاحب الحاصل وغيره، والصواب ما قاله المصنف، فإن الذي سيأتي أنه حقيقة في الوجوب إنما هو صيغة "افعل"، وكلامنا الآن في لفظ الأمر، فهما مسألتان". نهاية السول 2/ 234، 235. والمسألة فيها خلاف هل معنى لفظ الأمر هو معنى صيغة "افعل" أوْ لا؟ فذهب قوم إلى أن لفظ الأمر حقيقة في الإيجاب، كصيغة "افعل"، وعلى هذا فلا يسمى المندوب مأمورًا به حقيقة، وإلى هذا ذهب الإمام - كما ذكر الشارح - والكرخي من الحنفية، بل هو مذهب كثير من الحنفية كما ذكر المطيعي. وذهب قوم إلى أن معنى لفظ =
القاضي إلى أن المندوب مأمور به
(1)
مع قول الجمهور: إن صيغة "افعل" حقيقة في الوجوب، وقول القاضي: "إنها
(2)
مترددة بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد" صَرَّح به في "مختصر التقريب"
(3)
، بل صَرَّح في "مختصر التقريب" بما قلناه، وهذه عبارته:"الأمر الحقيقي معنى قائم بالنفس وحقيقته اقتضاء الطاعة ثم ذلك ينقسم إلى ندب ووجوب لتحقق الاقتضاء فيهما وأما العبارة الدالة على المعنى القائم بالنفس نحو قول القائل: "افعل" فمترددة بين الدلالة على الوجوب والندب والإباحة والتهديد فيتوقف فيها حتى يثبت بقيود المقال أو بقرائن
(4)
الحال تَخَصُّصُها ببعض المقتضيات، فهذا
(5)
ما نرتضيه من المذاهب"
(6)
انتهى.
وقوله
(7)
: "واعْتُبِر" شرطت المعتزلة في الأمر العلو، وقالوا: لا يصدق إلا به، أي: بأن يكون الطالب أعلا مرتبة من المطلوب منه، فأما (إنْ
= الأمر غير معنى صيغة "افعل"، وهو مذهب الجمهور كما قال الشارح، وهم يسمون المندوب مأمورًا به حقيقة. انظر: سلم الوصول 2/ 229 - 230، 234، البحر المحيط 3/ 261، 262، التمهيد للإسنوي ص 265.
(1)
انظر: التلخيص 1/ 257.
(2)
أي: صيغة "افعل".
(3)
انظر: التلخيص 1/ 244.
(4)
في (ص): "قرائن".
(5)
في (ص): "بهذا". وهو خطأ.
(6)
انظر: التلخيص 1/ 261، 262.
(7)
في (ص)، و (غ)، و (ك):"قوله".
كان)
(1)
مساويًا له فهو التماس، وإنْ كان دونه فهو سؤال. وقد تابعهم على ذلك مِنْ أصحابنا الشيخان أبو إسحاق الشيرازي
(2)
وأبو نصر ابن الصباغ كما نَصَّ عليه في "عُدَّة العالم"
(3)
.
وشرط أبو الحسين من المعتزلة الاستعلاء دون العلو
(4)
(5)
. والفرق بين الاستعلاء والعلو واضح، فالعلو أن يكون الآمر في نفسه أعلا درجة، والاستعلاء أن يجعل نفسه عاليًا بكبرياءٍ أو غيره، وقد لا يكون في نفس الأمر كذلك، فالعلو من الصفات العارضة للناطق، والاستعلاء من صفات كلامه. وهذا الذي قاله أبو الحسين صححه الآمدي وابن الحاجب، وكذلك الإمام
(6)
إلا أنه في أوائل المسألة الخامسة قال: "وقال أصحابنا: لا يشترط العلو ولا الاستعلاء. لنا: قوله تعالى حكاية عن فرعون"
(7)
وأخذ يستدل للأصحاب بهذه الصيغة، فظن ظانون الاضطراب في كلامه،
(1)
في (ت): "أن يكون".
(2)
انظر: اللمع ص 12، شرح اللمع 1/ 191.
(3)
ووافقهم أيضًا السمعاني من الشافعية، وأكثر الحنابلة. انظر: شرح الكوكب 3/ 11، المحلي على جمع الجوامع 1/ 369.
(4)
انظر: المعتمد 1/ 43.
(5)
وبه قال أكثر الحنفية، والباجي من المالكية، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب وابن قدامة وغيرهم. انظر: كشف الأسرار 1/ 101، تيسير التحرير 1/ 337، فواتح الرحموت 1/ 369، إحكام الفصول ص 172، شرح الكوكب 3/ 11.
(6)
انظر: الإحكام 2/ 140، العضد على ابن الحاجب 2/ 77، المحصول 1/ ق 2/ 22.
(7)
انظر: المحصول 1/ ق 2/ 45.