الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وينبني
(1)
عليها مباحث في مواضع كثيرة فافهمها)
(2)
(3)
.
قال:
(الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه
. وقيل: للتكرار. وقيل: للمرة. وقيل: بالتوقف للاشتراك، أو للجهل بالحقيقة).
الأمر إما أن يَرِدَ مُقَيَّدًا وهو نوعان:
أحدهما: أن يَرِد مقيَّدًا (بالمرة، أو بالتكرار، فَيُحْمل عليه
(4)
قطعًا.
والثاني: أن يرد مقيَّدًا)
(5)
بصفة، أو شرط، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
وإما أن يرد مطلقًا عاريًا عن القيود، وهو
(6)
مسألة الكتاب، وفيه مذاهب:
= ما ورد فيها من الترحم على والده في المواضع السابقة من فعل الناسخ.
(1)
في (غ): "ويبنى"، وفي (ك):"وبَنَى".
(2)
سقطت من (ت).
(3)
انظر مسألة الأمر بعد الحظر، والنهي بعد الوجوب، مع أدلتهما في: المحصول 1/ ق 2/ 159، التحصيل 1/ 286، الحاصل 1/ 418، نهاية الوصول 3/ 915، نهاية السول 2/ 272، السراج الوهاج 1/ 463، الإحكام 2/ 178، المحلي على الجمع 1/ 378، شرح تنقيح الفصول ص 139، بيان المختصر 2/ 72، تيسير التحرير 1/ 345، فواتح الرحموت 1/ 379، كشف الأسرار 1/ 120، شرح الكوكب 3/ 56.
(4)
أي: على القيد، سواء بالمرة أو بالتكرار.
(5)
سقط من (ت).
(6)
في (ت): "وهي".
أحدها: أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة، وإنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوَحْدة والكثرة. نعم لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرةٍ، فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به
(1)
، لا أن الأمر يدل عليها بذاته، واختاره الإمام وأتباعه
(2)
منهم المصنف، والآمدي
(3)
، وابن الحاجب
(4)
، ونَصَّ على اختيار القول به القاضي في "التلخيص"
(5)
لإمام الحرمين. وقد عَبَّر المصنف عن المرة بقوله: "ولا يدفعه"
(6)
، فإنه إذا لم يدفع التكرار لا يكون للمرة؛ فإنه لو كان للمرة دفع التكرار، إذْ هما متقابلان.
والثاني: أنه يدل على التكرار المستوعِب لزمان العُمُر. ونقله الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" عن شيخه أبي حاتم
(7)
القزويني
(8)
، وعن
(1)
وهي الماهية.
(2)
انظر: المحصول 1/ ق 2/ 162، التحصيل 1/ 287، الحاصل 1/ 421، نهاية الوصول 3/ 939.
(3)
انظر: الإحكام 2/ 155.
(4)
انظر: بيان المختصر 2/ 31.
(5)
انظر: التلخيص 1/ 299، وهذا القول هو المختار عند الحنفية. انظر: تيسير التحرير 1/ 351، كشف الأسرار 1/ 122، 123، فواتح الرحموت 1/ 380، أصول السرخسي 1/ 20.
(6)
أي: كأن المصنف قال: لا يفيد التكرار والمرة.
(7)
في (ت): "أبي حامد". وهو خطأ.
(8)
هو الإمام أبو حاتم محمود بن الحسن بن محمد الأنصاريّ الطبريّ القَزْوينيّ الشافعيّ، أحد أئمة أصحاب الوجوه. صَنَّف كتبًا كثيرة في الخلاف والمذهب والأصول =
القاضي أبي بكر
(1)
، وهو مذهب الأستاذ وجماعة من الفقهاء والمتكلمين
(2)
.
وذكر الأصفهاني
(3)
أن العالِمي نقله عن أكثر (أصحاب
= والجدل، منها "تجريد التجريد". توفي بآمُل سنة 414، أو 415 هـ. انظر: الطبقات الكبرى 5/ 312، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 137.
(1)
انظر: شرح اللمع 1/ 220.
(2)
انظر: الإحكام 2/ 155، نهاية الوصول 3/ 922، المحلي على الجمع 1/ 380، وهو مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه وأكثر أصحابه. انظر: شرح الكوكب 3/ 43. ونقل القرافي عن ابن القصار أن استقراء كلام مالك رضي الله عنه يدل على القول بالتكرار، وبمثله قال أبو بكر الباقلاني عن مالك رضي الله عنه. انظر: شرح التنقيح ص 130، مقدمة ابن القصار ص 136، الإشارة في أصول الفقه ص 286، نشر البنود 1/ 153، نثر الورود 1/ 182، لكن نقل الباجي عن القاضي أبي محمد أن مذهب مالك رضي الله عنه أن الأمر المجرد لا يقتضي التكرار. انظر: إحكام الفصول ص 201. والقاضي أبو محمد هو القاضي عبد الوهاب المالكي، ولعل الأرجح هو ما ذكره ابن القصار؛ إذ هو الذي اعتمده القرافي، وحلولو. . . . .، وصاحب نشر البنود، ونثر الورود، وهو الذي اعتمده محقق مقدمة ابن القصار، الدكتور محمد السليماني. لكن المالكية خالفوا مالكًا رضي الله عنه في هذا، وقالوا بأنه يدل على المرة الواحدة. انظر: شرح التنقيح ص 130، إحكام الفصول ص 201، نشر البنود 1/ 152، نثر الورود 1/ 181. ونسب الباجي القول بالتكرار إلى محمد بن خويز منداد، وأبي الحسن ابن القصار، ولكن النسبة إلى أبي الحسن غير صحيحة؛ لأنه صَرَّح = = في مقدمته بقوله: "وعندي أن الصحيح هو أن الأمر إذا أطلق يقتضي فعل مرة، وتكراره يحتاج إلى دليل". المقدمة في الأصول ص 138، وانظر: إحكام الفصول ص 202.
(3)
في (ك): "الأصبهاني".
الشافعي
(1)
)
(2)
، لكن شَرْط هذا القول الإمكانُ، دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان، كما صَرَّح به أكثر الأصوليين، منهم الشيخ أبو إسحاق، وإمام الحرمين، وابن الصباغ في "عُدَّة العالِم"، والآمدي، وغيرهم
(3)
. قال صفي الدين الهندي: "ثم لا يخفى عليك أنه ليس المراد من التكرار هنا معناه الحقيقي: وهو إعادة الفعل الأول، فإن ذلك غير ممكن من المكَلَّف، (وإنما المراد مثله)
(4)
".
ولك أن تقول: ما تريد بقولك: ليس المراد إعادة ذلك الفعل الأول؟ أتريد الماهيةَ مع قيد التشخص في الأول، أم الماهية وحدها؟ الأول مسلَّم
(5)
، والثاني ممنوع؛ لأن الماهية الموجودة في الأول موجودة في الثاني بعينها.
والثالث: أنه يدل على المَرَّة ولا يحتمل التكرار، وإنما يُحْمل عليه بدليل. ونقله الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا، وأبي حنيفة
(6)
، وأكثر الفقهاء، وعن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي حامد
(7)
.
(1)
انظر: الكاشف 3/ 288.
(2)
في (غ): "الأصحاب للشافعي".
(3)
انظر: اللمع ص 14، شرح اللمع 1/ 220، البرهان 1/ 224، الإحكام 2/ 155، نفائس الأصول 3/ 1291، بيان المختصر 2/ 32، البحر المحيط 3/ 313.
(4)
عبارة "نهاية الوصول" 3/ 922: "بل المراد منه: تحصيل مثل الفعل الأول". وانظر: كشف الأسرار 1/ 122.
(5)
أي: يستحيل إعادته.
(6)
لم أجد أحدًا من الحنفية عزى هذا القول لأبي حنيفة رضي الله عنه.
(7)
أي: أبي حامد الإسفراييني. انظر: شرح اللمع 1/ 220.
ونقل بعض الشارحين تبعًا للأصفهاني في "شرح المحصول" عن الآمدي أنه قال: وإليه ميل إمام الحرمين (والواقفية. ثم خَطَّأ هذا الشارحُ الآمديَّ: بأن إمام الحرمين)
(1)
إنما يرى الوقف، ولا يَقْضي في الزيادة بنفي ولا إثبات
(2)
.
واعلم أن الآمدي لم ينقل في "الإحكام" عن إمام الحرمين إلا الوقف
(3)
، كما هو الواقع، وهذه عبارة الآمدي:
(1)
سقطت من (ت).
(2)
يعني: لا يقول في الزيادة على المرة بنفي ولا إثبات؛ لأنه قائل بالوقف، وثبوت المرة الواحدة عند الواقفية ليس مستفادًا من الأمر بالذات - كما هو قول مَنْ ينفي الزيادة على المرة - بل من ضرورة إيجاد الماهية كما سبق بيانه.
(3)
أي: الوقف في الزيادة على المرة الواحدة؛ لأن المرة الواحدة من ضرورة إدخال الماهية في الوجود. فقول إمام الحرمين يقارب القول الأول المختار، والفرق بين قوله والقول الأول: أنه يتوقف في الزيادة فلم يقض فيها بنفي ولا إثبات، والقول الأول لا يجعل المرة أو التكرار من معنى اللفظ، بل اللفظ يدل على الطلب فقط، والمرة ضرورية لتحقق الطلب، لا لكون اللفظ يدل عليها بذاته. فأصبح الفرق بين القولين لفظيًا. يقول إمام الحرمين في البرهان 1/ 229:"فإن قيل: فما المختار، وقد أبطلتم بزعمكم مسلك الفريقين، وليس بين النفي والإثبات مرتبة؟ قلنا: الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال، والمرة الواحدة لا بد منها، وأنا على الوقف في الزيادة عليها، فلست أنفيه، ولست أثبته، والقول في ذلك يتوقف على القرينة". وقد زعم الإسنوي رحمه الله تعالى أن مذهب إمام الحرمين هو التوقف، أي: التوقف عن المرة والتكرار، فلا يدل على المرة أو التكرار إلا بالقرينة، وهذا هو المذهب الرابع في ترتيب المصنف والشارح، وسيأتي ذكره بعد قليل، وعجيب من الإسنوي هذا، وهو رحمه الله تعالى إمام في التحقيق. قال في نهاية السول 2/ 275:"واختار إمام الحرمين التوقف، ونقل عنه ابن الحاجب المذهب الأول تبعًا للآمدي، وليس كذلك فافهمه"، وكذا قال =
ومنهم
(1)
مَنْ نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين. ومنهم مَنْ توقف في الزيادة ولم يقضِ فيها بنفي
(2)
ولا إثبات. وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية
(3)
. انتهى. والظاهر أن نسخةَ الأصفهانيِّ وكذلك هذا الشارحِ من "الإحكام" سقيمةٌ، سقط منها من قوله:"ومنهم" إلى قوله: "وإليه"
(4)
وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه.
= في التمهيد ص 282، 283، وما حكاه عن ابن الحاجب في نقله عن إمام الحرمين صحيح، انظر: نهاية الوصول 2/ 31، أما أن ابن الحاجب تبع الآمدي في هذا فليس كذلك، وعبارة الآمدي كما هي في الأصل هنا تخالف ما ذكره، ولعل الإسنوي لم يراجع "الإحكام"، بل اعتمد على غيره. وأَعْجَبُ من خطأ الإسنوي خطأُ الدكتور محمد حسن هيتو في تحقيقه "للتمهيد" ص 283، إذ زعم أن الإسنوي تبع في وَهَمه هذا الأصفهاني شارح المحصول، مع أن وَهَم الأصفهاني ومن تبعه في أن الآمدي نسب لإمام الحرمين القول بإفادة الأمر المطلق للمرة الواحدة دون التكرار، وهو القول الثالث هنا، والإسنوي وَهِم في أن ابن الحاجب تبع الآمدي في نسبة القول الأول لإمام الحرمين، لا الثالث، فلا علاقة لوَهَم الإسنوي بوهم الأصفهاني.
(1)
أي: من القائلين بدلالة الأمر للمرة الواحدة، إذ العبارة في الإحكام (2/ 155) هكذا:"وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل للتكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار. . .".
(2)
في (ت): "يمنع".
(3)
انظر: الإحكام 2/ 155.
(4)
فتكون العبارة في هذه النسخة السقيمة هكذا: "وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل للتكرار. . . وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية"، والنقاط الثلاث وضعتها إشارة إلى الجملة الساقطة.
واعلم أن صفي الدين الهندي نقل عن أبي الحسين وكثيرٍ من الأصوليين المذهبَ المختار
(1)
، وهو خلافُ ما نقله عنه الآمدي كما رأيت. والذي رأيته في "المعتمد" يقتضي موافقةَ ما نقله الهندي أو يُصَرِّح
(2)
، بل لم يحك هذا القول الذي نقله عنه الآمدي بالأصالة
(3)
.
والرابع: التوقف. قالوا: وهو محتمل لشيئين:
أحدهما: أن يكون مشتركًا بين التكرار والمرة، فيَتَوقَّفُ إعمالُه في أحدهما على قرينة. وهذا قد
(4)
صرح بحكايته صاحب الكتاب في كتابه "المرصاد" الذي وضعه على مختصر ابن الحاجب.
والثاني: أنه لأحدهما
(5)
ولا نعرفه، فَيُتَوَقَّف لجهلنا بالواقع.
ولقائل أن يقول: وَضْعُه للمرة وللتكرار كلٌّ منهما على حِدَته - وَضْعٌ للنقيضين؛ لأن التكرار وحده مع المرة وحدها مما لا يجتمعان، إذ لا تجتمع الوَحْدة بقيد الوحدة مع الكَثْرة، ولا يرتفعان؛ إذ هو مأمور بشيء لا يخرج ذلك الشيء عن أحدهما. ثم إن الوضع للنقيضين على رأي الإمام ومَنْ نحا
(1)
وهو المذهب الأول. انظر: نهاية الوصول 3/ 923.
(2)
انظر: المعتمد 1/ 98.
(3)
أي: لم يحك أبو الحسين في ضمن ذكره الأقوال في المسألة - قولَ من يقول: إن الأمر المطلق يفيد المرة، ولا يحتمل التكرار. بل حكى قولين: قول من يقول: إن ظاهره يفيد التكرار. وقول من يقول: إنه بفيد إيقاع الفعل فقط، والمرة الواحدة ضرورية لذلك. وعلى هذا فيكون نَقْلُ الآمدي عنه هذا القول، وعَزْوُه إليه - وَهَمًا ظاهرًا.
(4)
سقطت من (ت).
(5)
أي: هو حقيقة في أحدهما.
نحوه ممتنع، فكيف يتجه ممن يعتقد اعتقاده، أن يجعل التوقف محتملًا له
(1)
!
وفي المسألة مذهب خامس حكاه صفي الدين الهندي عن عيسى بن أبان
(2)
: أنه إنْ كان فِعْلًا له غاية يمكن إيقاعه في جميع المدة فيلزمه في جميعها، وإلا فيلزمه الأقل
(3)
(4)
.
قال: (لنا: تقييده بالمرة والمرات من غير تكرير ولا نقض، وأنه ورد مع التكرار وعدمه، فيجعل حقيقة في القدر المشترك: وهو طلب الإتيان به؛ دفعًا للاشتراك والمجاز. و
(5)
أيضًا لو كان للتكرار لعم الأوقات، فيكون تكليفًا بما لا يطاق، وينسخه كلُّ تكليفٍ
(1)
المعنى: أن وضع اللفظ للنقيضين عند الإمام ومَنْ نحا نحوه ممتنع، فكيف ساغ للإمام أن يُعَلِّل التوقف بأنه يحتمل أن يكون بسبب الاشتراك بين المرة والتكرار، والمرة والتكرار نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فكيف يجعل الإمام هذا محتملًا، مع أن مذهبه في الوضع يمنع من هذا! . انظر: المحصول 1/ ق 2/ 163.
(2)
هو عيسى بن أبان بن صَدَقَة، أبو موسى، الإمام الكبير، وفقيه العراق، وقاضي البصرة. تفقَّه على محمد بن الحسن الشيبانيّ، وله تصانيف وذكاءٌ مفرط، وفيه سخاءٌ وجود زائد، وكان يقول:"والله لو أُتِيتُ برجلٍ يفعل في ماله كفِعْلي لحَجَرْتُ عليه". توفي رحمه الله سنة 221 هـ. انظر: تاريخ بغداد 11/ 157، سير 10/ 440، الجواهر المضيّة 2/ 678، الفوائد البهية ص 151.
(3)
يعني: وإن لم يكن له غاية فيلزمه الأقل وهي المرة الواحدة.
(4)
انظر: نهاية الوصول 3/ 924، 925، ولعل صفي الدين الهندي نقل هذا المذهب من "ميزان الأصول" للسمرقندي ص 113.
(5)
سقطت الواو من (ت).
بعده لا يجامعه).
استدل على المختار بأوجه:
أحدها: أنه لو كان الأمر المطلق دالًا على المرة لكان تَقَيُّدُه بها تكرارًا، وبالمرات نقضًا. ولو كان دالًا على التكرار لكان تقييده بالمرات تكرارًا، وبالمرة نقضًا. والملازمة بَيِّنة، واللازم
(1)
باطلٌ؛ لصحة قولنا: افعل ذلك مرة، وافعل ذلك مرات، وليس فيه تكرار ولا نقض.
ولا يخفى عليك أن هذا الوجه ليس حجةً إلا على مَنْ يَدَّعِي أنه نَصٌّ في المرة الواحدة ولا يحتمل التكرار، أو مَنْ
(2)
يدعى العكس. أما مَنْ يدعي التوقفَ أو الظهورَ في أحدهما
(3)
- فلا يصلح حجة عليه
(4)
.
الثاني: أنه ورد للتكرار شرعًا، مثل:(قوله تعالى)
(5)
: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}
(6)
، و {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}
(7)
. وعُرْفًا، مثل: قول القائل لغيره: احفظ دابتي، وأحسن إلى الناس.
وورد للمرة شرعًا، كآية الحج والعمرة
(8)
. وعُرْفًا، مثل: ادخل الدار.
(1)
وهو التكرار والنقض.
(2)
في (ت): "ومن".
(3)
أي: يدعي أن الظاهر هو التكرار ويحتمل المرة، أو العكس.
(4)
لأن المتوقف ومَنْ يقول بالظهور لا يمتنع عندهما حَمْلُه على المرة أو التكرار بالتقييد.
(5)
سقطت من (غ).
(6)
سورة البقرة: الآية 43. وفي النسخ: "أقيموا" بدون الواو، ولا توجد آية بذلك.
(7)
سورة البقرة: الآية 183.
(8)
وهي قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} .
وقول السيد لعبده: اشتر اللحم. فحينئذٍ إما
(1)
أن يكون حقيقةً فيهما فيلزم الاشتراك، أو في أحدهما فيلزم المجاز، والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل، فيكون للقدر المشترك بينهما: وهو طلب الإتيان بالمأمور به
(2)
، وذلك أعم من أن يكون في المرة الواحدة أو المرات، وحينئذٍ لا يدل على أحدهما بخصوصه إلا بقرينة.
وهذا الدليل قد استعملوه في مواضع عديدة، وبعض المتأخرين من الأصوليين كالنقشواني وغيره قد ضعفوه، فقالوا
(3)
: إذا كان موضوعًا للقدر المشترك: الذي هو مطلق الطلب، ثم استعمل في طلب خاص
(4)
فقد استعمل في غير ما وضع له؛ لأن الأعم مغاير للأخص، لكنه مشتمل على ما وضع له
(5)
فيكون
(6)
مجازًا
(7)
. وأيضًا فإن
(8)
الألفاظَ موضوعةٌ بإزاء المعاني الذهنية على رأي الإمام وأتباعه، فإذا استعمل فيما تَشَخَّصَ منها في الخارج يكون مجازًا؛ لأنه غير ما وضع له
(9)
. فتقرر أن استعمال الأمر في
(1)
سقطت من (ت).
(2)
سقطت من (ص).
(3)
في (ت): "قالوا".
(4)
أي: المرة أو المرات.
(5)
أي: لكن الأخص مشتمل على ما وضع له العام؛ لأن حقيقة الأخص مشتملة على العام وزيادة.
(6)
في (ص): "فيجوز".
(7)
أي: فيكون استعمال الأعم في الأخص مجازًا.
(8)
سقطت من (غ).
(9)
المراد بالمعاني الذهنية المعاني الكلية العامة التي لا وجود لها في الخارج، وإنما =
المقيَّد بالتكرار وبالمرة مجاز لما قلناه
(1)
.
وهذا بحث صحيحٌ مطرد في كل أعم استعمل في أخص، وبعضهم يفصِّل فيه فيقول: إن استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم فهو حقيقة، وإن استعمل فيه باعتبار خصوصه فهو مجاز
(2)
.
وهذا التفصيل لا حاجة إليه، لأنه إذا استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم لا يخرج عن كونه استعمل العام في الخاص
(3)
. وقوله:
= وجودها في الذهن، فالألفاظ موضوعة لتلك المعاني الذهنية، فإذا استُعْمل اللفظ في المعاني الخاصة التي تكون متشخصة في الخارج، وهي (أي: المعاني الخاصة) أفراد المعاني الذهنية العامة - فإن هذا الاستعمال يكون مجازًا؛ لأن اللفظ قد استعمل في غير ما وضع له، فهو وضع للمعاني العامة. واستُعْمل في المعاني الخاصة.
(1)
أي: لما قلناه من أن استعمال الأعم في الأخص مجاز، ولما قلناه أيضًا عن الإمام من أن الألفاظ وُضعت للمعاني الذهنية العامة، ولم توضع للمعاني الخارجية الخاصة (أي: المتشخصة في الخارج)، فالأمر معناه الذهني: هو مطلق الطلب، فإذا قُيِّد الأمر بأنه للتكرار فهو فَرْدٌ من أفراد المعنى الذهني، وكذا إذا قُيِّد الأمر بأنه للمرة فهو فرد من أفراد المعنى الذهني، فيكون استعمال الأمر مقيدًا بالمرة أو بالتكرار مجازًا؛ لأنه استعمال للفظ في غير ما وُضع له. قال الإسنوي رحمه الله تعالى في نهاية السول 2/ 277:"ففر من مجازٍ واحد، فوقع في مجازين"، أي: فَرَّ القائل بأن الأمر يدل على مطلق الطلب من مجاز واحد، ووقع في مجازَيْن.
(2)
أي: إن استعمل اللفظ في المعنى الخاص (وهي الأفراد الخارجية) باعتبار أن القدر المشترك الأعم موجود فيه - فهو حقيقة؛ لأن اللفظ استعمل من حيث وجود المعنى الأعم لا الأخص. وإن استُعمل اللفظ في المعنى الخاص باعتبار خصوصه لا باعتبار أن القدر المشترك موجود فيه - فهو مجاز؛ لأن اللفظ استُعْمِل من حيث المعنى الخاص لا المعنى العام الموجود في الخاص، فهو استعمالٌ للفظ في غير ما وُضع له.
(3)
يعني: فهو مجاز وإن استعمل العام في الخاص باعتبار القدر الأعم الموجود في الخاص.
"باعتبار" سببٌ في الاستعمال، فهو كاستعمال الأسد في الشجاع باعتبار الشجاعة. وإن أراد بقوله:"باعتبار" أنه لم يستعمل إلا في الأعم فذلك إحالة لفرض المسألة؛ لأن فرض المسألة أنه استعمل في الأخص
(1)
.
الثالث: وهو دليل على ضعف القول بالتكرار، أنه لو كان مقتضيًا للتكرار لعم جميع الأوقات حتى يجب فعل المأمور به فيها؛ وذلك لعدم أولوية وقتٍ دون وقت، لكنه لا يعم جميع الأوقات؛ لوجهين:
أحدهما: أنه لو عَمَّها للزم وقوع التكليف بما لا يطاق
(2)
.
والثاني: أنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يأتي بعده لا يمكن مجامعته له في الوجود
(3)
؛ وذلك لأن الأمر الأول قد استوعب جميع الأوقات بفعل
(4)
المأمور به، والثاني
(5)
يقتضي الإتيان بالمأمور به، (والإتيان بالمأمور به أولًا
(1)
يعني: إن أراد المفصِّل بقوله: باعتبار كذا، وباعتبار كذا، أن اللفظ العام لم يُستعمل إلا في المعنى الأعم، فهذا يبطل المسألة المفروضة؛ لأن المسألة مفروضة في استعمال العام في المعنى الأخص لا الأعم. والمقصود أنه لا يجوز أن يقصد بهذا الترديد الذي قاله: أنه لم يستعمل إلا في المعنى الأعم؛ لكون المسألة مفروضة في المعنى الأخص.
(2)
لأن المكلف لا يستطيع أن يفعل المأمور به في كل أوقاته، فهو يحتاج إلى الراحة والنوم، وقضاء الحاجة، والأكل والشرب، ونحو هذا.
(3)
وذلك كالأمر بالصلاة أولًا، ثم الأمر بالزكاة والحج والجهاد وكسب النفقة الواجبة بعد الأمر الأول.
(4)
في (غ)، و (ك):"لفعل".
(5)
أي: الأمر الثاني.
لا يمكن مع الإتيان بالمأمور
(1)
به ثانيًا)
(2)
، فيرتفع وجوبه
(3)
؛ لعدم إمكان فعله، فيلزم النسخ وهو باطل قطعًا؛ لأن الأمر ببعض الصلوات ليس نسخًا لغيرها
(4)
، والأمر بالحج ليس نسخًا للصلاة، فثبت
(5)
ما قلناه: من أنه لا يعم كل الأوقات، وحينئذ لا يكون مقتضيًا للتكرار
(6)
.
وإنما قَيَّد المصنف بقوله: "لا يجامعه"؛ ليحترز عما يجتمع معه، كالصوم مع الصلاة
(7)
.
وفي هذين الوجهين نظر:
أما الأول: فلأن القائل بالتكرار يشترط الإمكان كما تقدم
(8)
.
وأما الثاني: فلأن النسخ إنما يلزم إذا كان الأمر الثاني مطلقًا غير
(1)
سقطت من (ت).
(2)
سقطت من (ص).
(3)
أي: وجوب الأول.
(4)
أي: الأمر بصلاة الظهر ليس نسخًا لصلاة الفجر، والأمر بصلاة العصر ليس نسخًا لصلاة الظهر، وهكذا. فليس الأمر ببعض الصلوات أمرًا باستيعاب جميع الأوقات فيها، وإلا لأدى إلى النسخ.
(5)
في (ت): "فيثبت".
(6)
سقطت من (ص).
(7)
فالصوم يجتمع مع الصلاة، لأنه يمكن أن يكون الإنسان صائمًا ومصليًا، لكن لا يمكن أن يكون مزكيًا ومصليًا ومجاهدًا في وقت واحد، وهكذا.
(8)
فخرج تكليف ما لا يطاق.
مخصَّص
(1)
ببعض الأوقات شرعًا أو عقلًا، ومثل هذا غير واقعٍ في الشرع، ولو وقع
(2)
لالتزم الخصمُ وقوعَ النسخ. وأما إذا كان الأمر الثاني مخصوصًا ببعض الأوقات فلا يلزم منه نسخ الأول بل تخصيصه، ولا امتناع في ذلك، على أنه غير واقع على الوجه المفروض
(3)
.
قال: (قيل
(4)
: تمسك الصديق رضي الله عنه على التكرار بقوله: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، ولم يُنْكَر عليه. قلنا: لعله عليه الصلاة والسلام بَيَّن تكراره. قيل: النهي يقتضي التكرار فكذا الأمر. قلنا: الانتهاء أبدًا ممكن
(5)
دون الامتثال. قيل: لو لم يتكرر لم يرد النسخ. قلنا: وروده قرينة التكرار).
احتج مَنْ ذهب إلى أنَّ الأمر يفيد التكرار بثلاثة أوجه:
أحدها: أن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه تمسك على أهل الردة في
(6)
وجوب
(1)
في (ك): "مختص".
(2)
أي: لو وقع الثاني مطلقًا غير مخصَّص.
(3)
فهذا ردٌّ جدلي؛ لأن الخصم سلَّم أن الأمر الأول للتكرار المستوعب لجميع الأوقات بشرط الإمكان، ولكن لم يسلم مع ذلك وقوع النسخ؛ لأن الأمر الثاني لا بد أن يكون مُخَصَّصًا ببعض الأوقات غير مطلق، فيكون الأمر الثاني مخصِّصًا للأول لا ناسخًا، وكذا كل الأوامر التي تكون بعد الأمر الأول المستوعب لجميع الأوقات، هي مُخَصِّصات للأول لا ناسخة وهذه الصورة المفروضة غير واقعة؛ لأنه ليس هناك أمر مستغرق لجميع الأوقات، بل لا بد أن يقيده الشرع أو العقل، فدعوى النسخ ودعوى التخصيص فرضيتان لا حقيقيتان. انظر: نفائس الأصول 3/ 1293.
(4)
سقطت من (ص).
(5)
في (ت) و (غ): "يمكن".
(6)
في (ص): "من". وهو خطأ.
تكرار الزكاة بقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ}
(1)
(2)
، ولم يُنْكِر عليه أحدٌ من الصحابة، فدل على انعقاد الإجماع على أن الأمر للتكرار.
والجواب بعد تسليم أن الإجماعَ السكوتي إجماعٌ: أنه لعل النبيَّ صلى الله عليه وسلم بَيَّن للصحابة رضي الله عنهم أنَّ قوله: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} يفيد التكرار، فتمسك الصديق رضوان الله عليه بها
(3)
مُسْتَنِدًا إلى ما بَيَّنه عليه السلام
(4)
(5)
، وهذا وإن كان خلاف الأصل؛ إذِ الأصل أنه
(1)
سورة البقرة: الآية 43.
(2)
في صحيح مسلم 1/ 51 - 52، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، رقم 20، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما تُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكرٍ بعده، وكفر مَنْ كفر مِنَ العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمَنْ قال لا إله إلا الله - فقد عصم مني مالَه ونفسَه إلا بحقه، وحسابه على الله. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن مَنْ فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال. . ." الحديث. فقول أبو بكر رضي الله عنه: والله لأقاتلن مَنْ فرق بين الصلاة والزكاة - إشارة إلى الآية: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فقد فرَّق بينهما، والآية آمرة بهما.
(3)
سقطت من (ت).
(4)
في (غ): "النبي صلى الله عليه وسلم".
(5)
أخرج أبو داود بسنده عن عبد الله بن معاوية الغاضري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ مَنْ فعلهنَّ فقد طَعِم طعْم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسه رافدًا عليه كل عام. . ." الحديث. انظر: سنن أبي داود 2/ 240، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، حديث رقم 1582. وأخرجه الطبراني في =
لم يُبَيِّن، لكن يجب المصير إليه جمعًا بين الأدلة.
وقد يجاب: بأن أمر الصلاة والزكاة والصوم معلومُ التكرار بالضرورة من دين محمد عليه السلام. أو بأن ها هنا مع صيغة الأمر غيرُها، وهو أن القاعدة تكررُ
(1)
الحكمِ بتكرر سببه، وسبب وجوب الزكاة نِعْمة المِلْك، فلما تكررت تكرر وجوب الزكاة، وهذا مُقْتضِي
(2)
للتكرار غير الأمر.
وثانيها: أن النهي يقتضي التكرار فكذلك الأمر قياسًا عليه، والجامع: كونُ كل منهما للطلب.
والجواب: أنه يمكن الانتهاء عن الشيء دائمًا؛ لأن فيه بقاءً على العدم، وأما امتثاله أبدًا - أعني: استعماله دائمًا - فغير ممكن.
وهذا الجواب من المصنف ربما يُفْهِم اختيارَه أن النهي يقتضي التكرار بلا خلاف، وقد صَرَّح بعد ذلك بأن النهي كالأمر (في التكرار وعدمه. ثم لك أن تقول: في هذا الجواب نظرٌ؛ لأن مَنْ قال: الأمر)
(3)
يقتضي التكرار اشترط الإمكان كما سبق، فامتثال الأمر (أبدًا حينئذ)
(4)
كالانتهاء أبدًا من حيث الإمكان، فالصواب في الجواب أن يقال: هذا إثبات اللغة
= المعجم الصغير 1/ 201. وساقه ابن الأثير في أسد الغابة 3/ 291 - 292، وقال: أخرجه الثلاثة. قال الحافظ في تلخيص الحبير (2/ 155) بعد ذكره رواية أبي داود: "ورواه الطبراني وجَوَّد إسناده، وسياقه أتم سندًا ومتنًا".
(1)
في (ت): "تكرار".
(2)
في (غ)، و (ك):"مقتضٍ".
(3)
سقطت من (ت).
(4)
في (ت) و (غ): حينئذٍ أبدًا".
بالقياس، وليس بصحيح. سَلَّمنا صحته، لكنا
(1)
لا نسلم أن النهي يقتضي التكرار، بل هو على وَزَان الأمر. سلمنا أنه يقتضي التكرار، لكن مقتضى الأمر إيجاد
(2)
المأمور به، وذلك يصدق بمرةٍ واحدة، بخلاف النهي فإنه لما كان مقتضاه الكفَّ عن المنهي عنه لم يتحقق ذلك إلا بالامتناع المستمر.
وثالثها: أنه لو لم يدل على التكرار ودَلَّ على المرة لم يرد النسخ؛ لأن وروده إما بَعْدَ فِعْلِها وذلك محال؛ إذ لا تكليف
(3)
. وإما قبله وهو يدل على البداء، أي: ظهور المصلحة بعد خفائها، وذلك محال على الله سبحانه وتعالى، وورود النسخ جائز فدل على أنه للتكرار.
والجواب: أن النسخ لا يجوز وروده عليه، فإنْ ورد صار ذلك قرينة في أنه كان المراد به
(4)
التكرار، وحَمْلُ الأمر على التكرار لقرينةٍ جائز
(5)
(6)
.
(1)
في (ص): "لكن".
(2)
في (ت)، و (ص):"اتحاد". وهو خطأ.
(3)
أي: لا تكليف بعد فعل المأمور به مرةً واحدة؛ لأن المرة الواحدة المأمور بها قد تحققت فلا يمكن نسخها.
(4)
سقطت من (ت).
(5)
ذكر هذا الجواب الإمام في المحصول 1/ ق 2/ 176، وللإسنوي على هذا الجواب ثلاثة اعتراضات، انظرها في نهاية السول 2/ 280.
(6)
ظاهر هذا الجواب أن معرفة التكرار إنما حصلت بورود النسخ، فيلزم من هذا أن يكلف بالتكرار من غير علمٍ به؛ إذ العلم حاصل بعد ورود النسخ، وهذا باطل. وهذا أحد اعتراضات الإسنوي الثلاث. ولعل الأقرب أن يقول: فإن ورد النسخ صار ذلك دليلًا في أن المراد بالأمر التكرار. أي: الظن الحاصل بالقرينة السابقة للنسخ، أصبح يقينًا بالنسخ.
قال: (قيل: حُسْنُ الاستفسار دليل الاشتراك
(1)
. قلنا: قد يستفسر عن أفراد المتواطئ).
احتج مَنْ قال باشتراك الأمر بين التكرار والمرة: بأنه يحسن الاستفهام فيه، فيقال: أردتَ بأمْرِكَ فِعْلَ مرةٍ واحدة أو أكثرَ؟ وحُسْن الاستفهام
(2)
دليل الاشتراك
(3)
.
والجواب: أنَّ مُدَّعانا التواطؤ
(4)
، ويجوز الاستفسار عن أفراد المتواطئ، كما إذا قلت: اضرب إنسانًا
(5)
فإنه يَحْسُن أن يقال: عَمْرًا أم زيدًا؟ أو أعتق
(6)
رقبة. فإنه يجوز أن يقال: مؤمنةً أم كافرة؟
وقد تم شرح ما في الكتاب، وليس فيه تَعَرُّضٌ لشيءٍ مِنْ شُبَه القائلين بالمرة:
ومنها: أن مَنْ قال لغيره: ادخل الدار. فدخل مرةً - عُدَّ ممتثلًا.
ومنها: لو قال لوكيله: طَلِّق زوجتي - لم يملك أكثر من واحدة.
(1)
في (غ): "للاشتراك".
(2)
في (ت): "الاستفسار".
(3)
في (غ): "للاشتراك".
(4)
أي: مدعانا بأن الأمر يدل على الطلب، وهو كلي متواطئ؛ إذ كل من المرة والتكرار متساوٍ في معنى الطلب.
(5)
فإنسان كلي متواطئ؛ لأن صِدْقَه على أفراده بدرجة واحدة، إذ الكل متساوٍ في الإنسانية.
(6)
في (ص) و (غ)، و (ك):"وأعتق".