الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وينبني
(1)
على الخلاف التخصيصُ بالنية. فإن قلنا بقول الحنفية مِنْ أنه نفي للكلي - فلا يؤثر
(2)
، حتى لو قال: لا أكلتُ. ونَوَى مُعَيَّنًا لا يُسمع
(3)
. وإنْ قلنا بالقول الآخر مِنْ أنه نفي للكلية - فيؤثر تخصيصُ بعضِ الأفراد بالنية.
قال: (أو عرفًا، مثل:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}
(4)
فإنه يوجب حرمة جميع الاستمتاعات).
هذا هو
القسم الثاني: وهو ما يفيد العموم من جهة العرف
، مثل قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} فإن أهل العرف نقلوا تحريم العين
(5)
إلى تحريم جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء، فتفيد حرمة جميع الاستمتاعات من الوطء ومقدماته. ومنهم من يقول: المقصود في هذه الآية تحريم الوطء خاصة. ومنهم من يدعي إجمالها كما ستعرفه في باب المجمل والمبين؛ لأن المصنف ذكر هناك قوله تعالى:
= المدلول. اهـ. وقد اختار الشارح رحمه الله تعالى في "جمع الجوامع" رأي الشافعية وكذا الزركشي. انظر: شرح المحلي على الجمع 1/ 413، البحر المحيط 4/ 155.
(1)
في (ت): "ويبنى".
(2)
أي: فلا يؤثر التخصيص بالنية.
(3)
لأنه نَفْيٌ لماهية الأكل، فنية فردٍ معيَّنٍ من الأكل لا تصلح مخصِّصًا؛ لأن الماهية غير الأفراد، وهو وإن كان يلزم من نفي الماهية نفيُ الأفراد، إلا أن الأفراد شيء خارج عن الماهية، والتخصيص إنما يكون لشيء داخل الماهية.
(4)
سورة النساء: الآية 23.
(5)
أي: تحريم الذات المقتضي لتحريم النظر، وتحريم التعامل، وكل ما له تعلق بالذات.
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} فإنا حملناه على الأكل للعرف، والخلاف في هذه الآية هو الذي في تلك. قال:"أو عقلًا كترتيب الحكم على الوصف" هذا هو القسم الثالث وهو ما يدل عليه بالعقل وهو ثلاثة:
أولها: وعليه اقتصر في الكتاب ترتيب الحكم على الوصف، فإن ترتيبه يشعر بكونه علة له، وذلك يفيد العموم بالعقل، على معنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول، وكلما انتفت انتفى. فهذا القسم إنما دل بالعقل ولم يدل باللغة ولا بالعرف، أما العرف فواضح، وأما اللغة فلأنه لو دلَّ بها لكان إما بالمنطوق أو المفهوم، وانتفاء المفهوم ظاهر، ولا يدل بالمنطوق؛ لأن تعليق الشيء بالوصف لا يدل على التكرار لفظًا.
والثاني: ما يُذْكر جوابًا عن سؤالِ سائلٍ، كما إذا سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عمن أفطر؟ فقال:"عليه الكفارة" فيعلم أنه يعم كلَّ مفطر.
والثالث: مفهوم المخالفة عند القائلين به
(1)
، كقوله صلى الله عليه وسلم:"مَطْلُ الغني ظلمٌ"، فإنه بمفهومه
(2)
يدل على أن مَطْلَ غير الغني لا يكون ظلمًا
(3)
.
وأما مفهوم الموافقة فداخلٌ في القسم الأول
(4)
؛ إذ الحكم إنما ثبت فيه بطريق الأَوْلى؛ لأجل أن العلة فيه أولى. أو لكونه
(5)
مساويًا؛ لأجل أن
(1)
سقطت من (ت).
(2)
أي: بمفهومه العقلي، فهذا الفهم بالعقل لا باللغة.
(3)
والعموم جاء من قوله: مطل غير الغني، فإن "مطلَ" نكرةٌ مضافة إلى معرفة وهي تعم. وكذلك من النكرة في سياق النفي في قوله: لا يكون ظلمًا.
(4)
وهو ترتيب الحكم على الوصف.
(5)
أي: لكون الحكم في مفهوم الموافقة.
العلة اقتضت ذلك، فكان من جملة أصناف القسم الأول.
قال: (ومعيار العموم جواز الاستثناء، (فإنه يُخْرِج ما يجب اندراجه لولاه، وإلا لجاز من الجمع المنكَّر. قيل: لو تناوله لامتنع الاستثناء) لكونه نقضًا. قلنا:
(1)
منقوض بالاستثناء
(2)
من العدد).
ذهب قومٌ - وهم الملقَّبون بأرباب الخصوص - إلى أنه ليس للعموم صيغةٌ تخصه، وأنَّ ما سبق ذِكْره من الصيغ موضوع في الخصوص، وهو أقل الجمع إما اثنان أو ثلاثة على الخلاف فيه
(3)
، واستعمل في العموم مجازًا
(4)
.
وذهب الشافعي وسائر المحققين إلى أنَّ له صيغًا مخصوصة به بالوضع، ويستعمل مجازًا في الخصوص
(5)
.
وذهب آخرون إلى الوقف. ونقله القاضي في "مختصر التقريب" عن
(1)
سقطت من (غ).
(2)
سقطت من (ت)، و (غ)، و (ك).
(3)
هذا بالنسبة لصيغة الجمع، وأما غيره فهي حقيقة في الواحد عندهم. انظر: شرح المحلي على الجمع 1/ 410، البحر المحيط 4/ 23، 24، كشف الأسرار 1/ 299.
(4)
أي: واستعمل صيغ الخصوص في العموم مجازًا.
(5)
هذا هو مذهب الجمهور من الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم، والظاهرية، وعامة المتكلمين ويسمون أرباب العموم. انظر: شرح الكوكب 3/ 108، نهاية الوصول 4/ 1263، البحر المحيط 4/ 23، فواتح الرحموت 1/ 260، تيسير التحرير 1/ 229، مختصر ابن الحاجب مع العضد 2/ 102، بيان المختصر 2/ 111، المعتمد 1/ 194، الإحكام لابن حزم 1/ 361، تفسير النصوص 2/ 19.
الشيخ، ومعظم المحققين
(1)
، وذهب إليه. قال: "وحقيقة ذلك أنهم قالوا: سبرنا اللغة ووَضْعها فلم نجد في وَضْع اللغة صيغةً دالة على العموم، سواء أوردت
(2)
مطلقة أو مقيدة بضروبٍ من التأكيد"
(3)
.
وللواقفية مذهب آخر وهو دعوى الاشتراك، ونُقِل عن الشيخ أيضًا، وعليه الأكثرون من الواقفية.
ومنهم مَنْ فَصَّل بين الأخبار، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، فقال: بالوقف في الأخبار، والوعد والوعيد، دون الأمر والنهي.
هذه مذاهب خمسة. وحكى القاضي في "مختصر التقريب" سادسًا: وهو تسليم العموم حالة التقييد بضروب من التأكيد
(4)
، فلفظ "الناس" مثلًا إذا قلنا: إنه لا يعم حالةَ الإطلاق - فنسلم
(5)
أنه عام في مثل قول القائل: الناس أجمعون، عن آخرهم، صغيرهم وكبيرهم، لا يشذ منهم أحد
(6)
، إلى غير ذلك. قال القاضي: والمحققون من الواقفية يقولون: وإنْ قُيِّدت بهذه القيود فليست موضوعةً للاستغراق في اللغة، ولكن قد يُعرف
(1)
عبارة القاضي كما في التلخيص 2/ 19: "وذهب شيخنا رضي الله عنه في معظم المحققين من أصحابه إلى التوقف".
(2)
في (ت)، و (ص):"وردت".
(3)
انظر: التلخيص 2/ 19.
(4)
في (ص): "التقييد". وهو خطأ.
(5)
في (ت): "فيسلم".
(6)
هذه أربع تأكيدات، ففي مثل هذه الحالة يصح أن يراد بالناس العموم، عند أصحاب هذا القول.
عمومها بقرائن الأحوال المقترنة بالمقال، وهي مما لا
(1)
تنحصر
(2)
بالعبارة، كما يُعْرف بالقرائن وَجَلُ الوَجِل، وإنْ كانت القرائن لا توجب معرفتها، ولكن أجرى الله العادة بخلق العلم الضروري عندها
(3)
(4)
.
وسابعًا عن بعض الواقفية: أن الخبرَ إذا انطوى على وعيد العصاة من أهل الملة لزم التوقف فيه، ولا يتوقف في غيره
(5)
.
وثامنًا: وهو التوقف في الوعيد دون الوعد. قال: وفُرِّق بينهما بما يليق بالشطح والترهات دون الحقائق
(6)
.
وتاسعًا عن بعض المنتمين إلى الواقفية: وهو أن الأخبار إذا وردت ومَخْرَجُها مخرج العموم عند القائلين به، وَسَمِعها السامع وكانت وعدًا أو وعيدًا، ولم يَسْمع مِنْ آي الكتاب وسنن الرسول صلى الله عليه وسلم ومواقع أدلة السمع شيئًا - فَيَعْلم أن المراد بها العموم. وإن كان قد سمع قبل اتصالها به أدلةَ الشرع، وعلم انقسامها للخصوص والعموم - فلا يَعْلم حينئذٍ العمومَ في الأخبار الذي
(7)
اتصلت
(1)
سقطت من (ت).
(2)
في (غ): "ينحصر".
(3)
انظر: التلخيص 2/ 19، 20.
(4)
أي: القرائن لا توجب معرفة العموم بذاتها، يعني: ليست دلالة القرائن دلالة عقلية لازمة، بل هي دلالة عادية تجرى بخلق الله تعالى للعلم الضروري عندها.
(5)
أي: في غير وعيد العصاة من الأخبار.
(6)
انظر: التلخيص 2/ 21.
(7)
الذي: فاعل لقوله: "فلا يَعْلم". وفي "التلخيص" عَدَّل المحقِّق "الذي" بـ "التي" ظانًا أنها الصواب، والصواب هو "الذي"؛ لأنها فاعل يعود إلى السامع. انظر: التلخيص 2/ 22.
به. قال
(1)
: وأعلم أنَّ هذه الفئة بالنسبة إلى القائلين بالعموم أولى منهم بالنسبة إلى الواقفية
(2)
(3)
.
هذا ما حكاه القاضي في هذا الكتاب، ثم أطنب في الاستدلال على مذهبه، والردِّ على خصومه
(4)
.
وهذه المذاهب التي حكاها ذكرها
(5)
غيرُه، وإنما أردت سَرْدَها من كلام القاضي. واعلم أن هذا الكتاب قد أكثرنا النقل عنه
(6)
في هذا الشرح، وهو كتاب "التلخيص" لإمام الحرمين (اختصره من كتاب "التقريب والإرشاد" للقاضي، فلذلك أعزو
(7)
النقلَ تارة إلى "التلخيص" لإمام الحرمين)
(8)
، وذلك حيث يظهر لي أن الكلام من إمام الحرمين، فإنه زاد مِنْ قِبَلِ نفسه أشياءَ على طريقة المتقدمين في الاختصار وتارة أعزوه
(9)
إلى "مختصر التقريب" وهو حيث لا يظهر لي
(1)
سقطت من (غ).
(2)
أي: هذه الفرقة أقرب إلى القائلين بالعمومِ من قربها إلى فرقة الواقفية، فَعَدُّهم في فرقة الواقفية بعيد.
(3)
انظر: التلخيص 2/ 22.
(4)
انظر: التلخيص 2/ 18 - 39.
(5)
سقطت من (ت).
(6)
سقطت من (ت).
(7)
في (غ)، و (ك):"أعزي".
(8)
سقطت من (ت).
(9)
في (ت)، و (ك):"أعزيه". وفي المصباح 2/ 57: "عزوته إلى أبيه أعزوه: نسبته إليه، وعزيته أعزيه: لغة".
ذلك
(1)
. والذي أقوله ليستفاد: إني على كثرة مطالعتي في الكتب الأصولية للمتقدمين والمتأخرين، وتنقيبي عنها، على ثقةٍ بأني لم أرَ كتابًا أجلَّ من هذا "التلخيص" لا لمتقدم ولا لمتأخر، ومَنْ طالعه مع نظره إلى ما عداه من المصنفات عَلِم قَدْرَ هذا الكتاب
(2)
.
وفي المسألة قول عاشر: حكاه المازري في، "شرح البرهان" فقال: أشار بعض المتأخرين في بعض ألفاظه إلى طريقة مُسْتَغْرَبة لا يكاد يُصغي إليها أحد من أهل هذه الصناعة، فقال: إن لفظة "المؤمنين" و"الكافرين" حيث ما وقعت في الشرع أفادت العموم، ويمكن أن يكون هذا مِن احتكام
(3)
الشرع (في بعض الألفاظ اللغوية)
(4)
، كاحتكامه في لفظة: الصلاة، والحج، والصوم.
وهنا تنبيهان:
أحدهما: انَّ الواقفية وإنْ قالت: لم يوضع اللفظ لخصوصٍ ولا عموم، قالت: بأنا نعلم أن أقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه. قال إمام الحرمين: ومما زلَّ الناقلون فيه أنهم نقلوا عن أبي الحسن ومتبعيه: أن الصيغة وإنْ
(1)
هذا يدل - والله أعلم - على أن كتاب "التقريب والإرشاد" ليس موجودًا عند الشارح، وإلا لأمكنه أن يميز بين كلام القاضي وإمام الحرمين رحمهما الله تعالى.
(2)
انظر واعجب لسعة الاطلاع مع الفهم والتدقيق لشاب في سن الرابعة والعشرين من عمره، يبلغ هذا المبلغ وهو في هذا السن، فلله دره، ومَنْ قرأ بقية مصنفاته ازداد عجبه، وحسبك "الطبقات الكبرى".
(3)
في (ت): "أحكام".
(4)
في (ت): "في الأحكام اللغوية".
تَقيَّدت بالقرائن فإنها لا تُشْعر بالجمع، بل تبقى على التردد. قال: وهذا وإنْ صَحَّ النقل فيه - فهو مخصوص عندي بالتوابع المؤكِّدة لمعنى الجمع، كقول القائل: رأيت القوم أجمعين أكتعين أبصعين. فأما ألفاظٌ صريحة تُفْرض مقيدة فلا يُظَنُّ بذي عقلٍ أنه يتوقف فيها
(1)
(2)
.
الثاني: قال
(3)
إمام الحرمين: لا يُنكِر أحدٌ من الواقفية إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ مشعرة به
(4)
، كقول القائل: رأيت القوم واحدًا واحدًا لم يَفُتْني منهم أحد. وإنما كرر هذه الألفاظ قَطْعًا لوهم مَنْ يحسبه خصوصًا إلى غير ذلك. قال: وإنما أنكر الواقفيةُ لفظةً واحدةً مُشْعِرةً بمعنى الجمع
(5)
. انتهى. وقد علمتَ فيما
(6)
تقدم من كلامه في "التلخيص" أن الذي ادعى فيه الوفاق
(7)
محلُّ خلاف. ولا يُتَوهم أنَّ
(1)
سقطت من (ت).
(2)
المعنى: أن هذا النقل الذي نُقِل عن أبي الحسن رحمه الله تعالى إنْ صَحَّ فهو مخصوص عند إمام الحرمين رحمه الله تعالى بالتوابع المؤكدة، فالمؤكِّدات هي التي فيها تردد عند أبي الحسن هل تدل على العموم أو لا؟ أما الألفاظ المتبوعة المقيدة بالقرائن كلفظ القوم في قوله: رأيت القوم أجمعين. . . إلخ فهو عام عنده بلا تردد.
انظر: البرهان 1/ 321.
(3)
سقطت من (ت).
(4)
سقطت من (ت).
(5)
انظر: البرهان 1/ 320.
(6)
في (غ): "مما".
(7)
أي: هنا في "البرهان" بأن لفظ العموم المقيَّد بالقيود المؤكِّدة، أو ترديد ألفاظ مشعرة بالعموم، لا خلاف في أنها تفيد العموم بذاتها.
مراده بـ "الجمع" القَدْرُ المخصوص: الذي هو ثلاثة أو اثنان، إنما مراده به
(1)
العموم، يدل عليه قولُه: إنما كرر هذه الألفاظ قطعًا
(2)
لوهم من يحسبه خصوصًا. وقَوْلُه
(3)
: رأيت القوم واحدًا واحدًا لم يفتني منهم أحد.
وقد أطلنا في حكاية المذاهب، فلنعد إلى الشرح، فنقول: الذي ذهب إليه المصنف - تبعًا للإمام - مذهبُ الشافعي
(4)
(5)
، وهو المختار. ونقله القاضي عبد الوهاب في "الملخص" عن الفقهاء بأسرهم
(6)
، والآمدي قال: المختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الألفاظ في الخصوص؛ لكونه مرادًا من اللفظ يقينًا: سواء أريد به الكل أو البعض، والوقفُ فيما زاد على ذلك
(7)
. هذا كلامه، وهو قريب من مذهب الواقفية، إلا أنه لم يصرِّح بأنه متردد في أن العموم: هل له صيغة، أو هل الصيغة مشتركة؟ وإنما ذَكَر الاحتجاج فقط. وابن الحاجب لم يتابعه على هذا، بل اختار مذهب الشافعي رضي الله عنه
(8)
.
واستدل المصنف عليه بوجهين:
(1)
سقطت من (ت)، و (ص).
(2)
سقطت من (ت).
(3)
معطوف على لفظ "قوله". في جملة: يدل عليه قولُه.
(4)
قوله: "مذهب الشافعي" بدل من اسم الموصول في قوله: الذي ذهب إليه.
(5)
انظر: المحصول 1/ ق 2/ 523.
(6)
انظر: البحر المحيط 4/ 24.
(7)
انظر: الإحكام 2/ 201.
(8)
انظر: بيان المختصر 2/ 111، العضد مع ابن الحاجب 2/ 102.
أحدهما: أنه لو لم تكن هذه الصيغ للعموم
(1)
- لما جاز دخول الاستثناء
(2)
. لكنه يجوز أن يستثني منها ما يَشَاء من الأفراد
(3)
بالاتفاق، فدل على أنها للعموم
(4)
.
وبيان الملازمة
(5)
: أن الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه. فلزم أن تكون كل الأفراد واجبة الاندراج
(6)
، ولا معنى للعموم إلا ذلك.
وإنما قلنا: لولا الاستثناء لوجب اندراج المستثنى في المستثنى منه؛ لأن الاندراج جائز بالاتفاق، فلو لم يكن واجبًا أيضًا
(7)
- لكان يجوز الاستثناء من الجمع المنكَّر، لاشتراكهما
(8)
في إمكان
(9)
اندراج كل فرد من أفرادهما تحته
(10)
، فنقول: جاء رجال إلا زيدًا. وقد نَصَّ النحاة على منعه.
(1)
هذا مقدم.
(2)
هذا تالي. ومجموع المقدم والتالي هي المقدِّمة الكبرى.
(3)
هذا نقيض التالي. وهي المقدمة الصغرى.
(4)
هذا نقيض المقدم، وهي النتيجة المطلوبة. وهذا القياس هو القياس الاستثنائي عند المناطقة.
انظر: حاشية الباجوري على السلم ص 72، إيضاح المبهم ص 16.
(5)
أي: بين المقدم والتالي.
(6)
لجواز استثناء أي فردٍ من الأفراد.
(7)
أي: فلو لم يكن اندراج المستثنى في المستثنى منه واجبًا، كما هو جائز بالاتفاق.
(8)
أي: لاشتراك صيغ العموم والجمع المنكَّر.
(9)
أي: في جواز.
(10)
أي: تحت الجمع المعرَّف، أو تحت الجمع المنكَّر.
وأجاب: بأن ما ذكرتموه منقوض بالاستثناء من العدد فإنه يجوز
(1)
. وهذا الجواب أولًا ضعيف؛ لأن للخصم أن يمنع صحة الاستثناء من العدد كما هو أحد المذاهب للنحاة وصححه ابن عصفور.
وثانيًا: لا يُحتاج إليه؛ لأنه لم يَدَّعِ وجوب الاندراج مع كونه مستثنى، وإنما ادعاه عند عدمه
(2)
ولهذا قال: ما يجب اندراجه لولاه، وعلى هذا الفرض فالمستثنى ليس داخلًا في المستثنى منه نيةً وإنما هو داخل لغةً؛ لأن المختار أن الحكم على المستثنى منه إنما هو بعد إخراج المستثنى فلا تناقض
(3)
.
واعترض القرافي على الدليل بأن الاستثناء أربعة أقسام:
(1)
ففي العدد نقول مثلًا: عندي عشرون درهمًا إلا واحدًا. فالعشرون نكرة، وجاء فيها اندراج كل الأفراد.
(2)
المعنى: أنه لا يحتاج إلى هذا الجواب (وهو النقض بالاستثناء من العدد وأنه جائز)؛ لأن الخصم لم يدع وجوب اندراج المستثنى في المستثنى منه في حالة الاستثناء، وإنما ادعى الاندراج في حالة عدم الاستثناء، فقولنا: جاء رجال إلا زيد، لم يدع فيه اندراج زيد في رجال حالة الاستثناء، بل قبل الاستثناء، والكلام فيه.
(3)
المعنى: أنه على هذا الفرض (وهو أن دخول المستثنى في المستثنى منه قبل الاستثناء) فإن المستثنى غير داخل في المستثنى منه في نية المتكلم، لكنه داخل من جهة اللغة، لأن المتكلم إذا قال: جاء القوم، فهو ينوى إخراج زيدٍ مثلًا، ولفظ القوم يفيد دخوله، فإذا استثنى زيدًا علمنا أن زيدًا لم يكن داخلًا في القوم لغة كما أنه غير داخل في نية المتكلم، أما كونه غير داخل لغة فلأن القاعدة أن الحكم على المستثنى منه إنما يكون بعد إخراج المستثنى، وعلى هذا فلا تناقض بين اللغة ونية المتكلم.
ما لولاه لَعُلِم دخوله نحو: عشرةٌ إلا اثنين.
وما لولاه لَظُنَّ دخوله وهو الاستثناء من العمومات نحو: اقتلوا المشركين إلا زيدًا.
وما لولاه لجاز دُخُوله من غير علمٍ ولا ظن
(1)
، وهو أربعةٌ: الاستثناء من المَحالِّ
(2)
نحو: أكرم رجلًا إلا زيدًا فإن كلَّ أخصٍّ مَحَلٌّ لأعمِّه
(3)
.
والأزمنة نحو: صَلِّ إلا عند الاستواء. والأمكنة نحو: صَلِّ إلا في الحمام. والأَحْوال كقوله تعالى: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ}
(4)
أي
(5)
في كل حالة من الأحوال إلا في حالة الإحاطة بكم.
وما لولاه لامتنع دخوله نحو الاستثناء المنقطع في قولك: قام القوم إلا حمارَهم، وإذا كان الاستثناء أعم من كل واحد من هذه الأقسام امتنع الاستدلال به على الوجوب
(6)
، فإن الخصم لا يعتقد إلا الجواز في هذه
(1)
أي: في درجة الشك، فليس هناك يقين بدخوله، ولا ظن راجح.
(2)
المحال: جمع محلٍّ، من الحلول، وهو ما يُحَلُّ فيه، والمراد به هنا المحل المعنوي.
(3)
أي: زيدٌ وهو أخص - محلٌّ لرجلٍ وهو أعم؛ لأن رجل يصدق على زيد، وبكر، وعمرو، وجميع الأفراد، فالأخص محلٌّ لتحقق الأعم.
(4)
سورة يوسف: الآية 66.
(5)
سقطت من (ت).
(6)
يعني: لما كان الاستثناء أعم من كل واحدٍ من هذه الأقسام الأربعة، لأنه شامل لها جميعًا - امتنع القول بأن اندراج المستثنى في المستثنى منه واجب، للاختلاف بين هذه الأقسام في العلم والظن وعدمهما.
الصور. هذا اعتراضه.
والجواب: أنَّا لا ندعي أن مطلق الاستثناء لإخراج ما لولاه لوجب دخوله، وإنما ندعي ذلك
(1)
في صيغة "مَنْ" و"ما" والجموع المُعَرَّفة، والدليل عليه إجماع أئمة العربية على أن الاستثناء: إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ، والاتفاق على أنه يصح الاستثناء مِن
(2)
هذه الصيغ
(3)
. وهاتان المقدمتان
(4)
تفيدان كون هذه الصيغة للعموم، والمقدمة الإجتماعية لا تُمْنَع، ولا تُعَارَض، سواء أقُلنا
(5)
: تفيد العلم أم لا
(6)
.
وأيضًا فالاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، سواء كان معلومَ الدخول أو مظنون الدخول، وذلك هو القدر المشترك، وإلا يلزم الاشتراك أو المجاز
(7)
وهما على خلاف الأصل، وأما استثناء الجائز فممنوع، وقوله في المحال نحو: أكرم رجلًا إلا زيدًا.
(1)
أي: وجوب الدخول.
(2)
في (ك): "في".
(3)
أي: مَنْ، وما، والجموع المعرفة.
(4)
وهما: إجماع أئمة العربية على معنى الاستثناء، واتفاقهم على أنه يصح الاستثناء من هذه الصيغ.
(5)
في (ت)، و (ص)، و (ك):"قلنا".
(6)
أي: سواء قلنا بأن هذه المقدمة الإجماعية تفيد العلم بأن هذه الصيغ للعموم أم لا تفيده.
(7)
يعني: إن لم نقل بالقدر المشترك يلزم الاشتراك، بأن نجعل دخول المستثنى في المستثنى منه مشتركًا بين العلم بذلك والظن به، أو يلزم المجاز بأن نجعل أحدهما حقيقة، والآخر مجازًا.
قلنا: قالت النحاة: لا يستثنى المعرفة من النكرة، إلا إنْ عَمَّت، نحو: ما قام أحدٌ إلا زيدًا، أو تخصصت نحو: قام رجال كانوا في دارك إلا زيدًا منهم
(1)
. وليس في قولكم: أكرم رجلًا إلا زيدًا - واحد من الأمرين. وأما الأزمنة والأمكنة والأحوال فإنما ذلك لتقديرٍ
(2)
، لأنك تُقَدِّر: صَلِّ كل وقت، وصل في كل مكان، ولتأتنني به
(3)
في كل حالة، فالاستثناء بعد ذلك إنما ورد على داخلٍ في اللفظ
(4)
والله أعلم.
قال: (وأيضًا استدلال الصحابة بعموم ذلك، مثل:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي}
(5)
، {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ}
(6)
، "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، "الأئمة من قريش"، "نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، شائعًا من غير نكير).
الوجه الثاني من الاستدلال: أن الصحابةَ رضي الله عنهم استدلت بعموم بعض هذه الصيغ، أو بعضَهم
(7)
، وشاع ولم يُنكر فكان إجماعًا.
(1)
فقوله: كانوا في دارك، صفة خصصت: رجال، فليس المراد كل الرجال، بل الرجال الذين في دارك.
(2)
يعني: العموم مستفاد من اللفظ المقدَّر، لا من ذات قوله: صل.
(3)
سقطت من (ت).
(4)
يعني: فكانت الكلمة المقدرة هي المستثنى منه، فلأجل ذلك جاز الاستثناء: صل كل وقت إلا وقت الاستواء. صل في كل مكان إلا مكان الحمام. لتأتنني به في كل حالة إلا حالة الإحاطة بكم.
(5)
سورة النور: الآية 2.
(6)
سورة النساء: الآية 11.
(7)
أي: أو بعض الصحابة.
وبيانُ ذلك: أنهم استدلوا بعموم اسم الجنس المُحَلَّى بالألف واللام على العموم، وذلك نحو: قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} وعملوا بمضمون ذلك.
واستدلوا بعموم الجمع المضاف نحو: قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}
(1)
.
واستدل أبو بكر رضي الله عنه أيضًا بعمومه
(2)
، فإنه ردَّ على فاطمةَ رضي الله عنها لما طلبت منه ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشِر الأنبياء
(3)
لا نورث ما تركنا صدقة". وهذه الواقعة على هذا النسق لا أعرفها
(4)
، وإنما أخرج البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها: أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من
(1)
محل الشاهد قوله: أولادكم.
(2)
أي: عموم الجمع المضاف.
(3)
فمعاشر: جمع مضاف.
(4)
كيف وقد أخرجها البخاري في صحيحه 3/ 1126، كتاب الجهاد، باب فرض الخمس، رقم 2926. وفي كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم 3998، ولفظه: "لا نُورث ما تركنا صدقة". أي: ليس فيه قوله: "نحن معاشر الأنبياء". وأخرجها أيضًا مسلم في صحيحه 3/ 1380، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا نُورث ما تركنا فهو صدقة"، رقم 1759، ولفظه كالبخاري. وكذا أخرجها أيضًا أبو داود 3/ 376 - 377، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأموال، رقم 2969، 2970. وكذا النسائي 7/ 132، في كتاب قسم الفيء، رقم 4141. والترمذي 4/ 134، كتاب السِّيَر، باب ما جاء في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم 1608، 1609.
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطلبان سهمه من فَدَك
(1)
، وسهمه من خيبر. فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نورث ما تركنا صدقة"
(2)
.
(وروى الترمذي في غير "الجامع": "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة")
(3)
. قال شيخنا الذهبي: وفي
(4)
صحته نظر.
واستدل عمر رضي الله عنه بعموم اسم الجمع المُحَلَّى: فإنه قال لأبي بكر رضي الله عنه (حين عَزَم على قتال مانعي الزكاة: كيف تقاتلهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم)
(5)
: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم". فقال له أبو بكر: "أليس قد قال إلا بحقها"
(6)
. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين.
(1)
فَدَك، بالتحريك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة: أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في سنة سبع صلحًا. انظر: معجم البلدان 4/ 238.
(2)
انظر: صحيح البخاري 4/ 1481، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في دية الرجلين، رقم 3810. وأخرجه أيضًا في كتاب الفرائض، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركنا صدقة" 6/ 2474، رقم 6346.
(3)
سقطت من (ت).
(4)
في (غ): "في".
(5)
سقطت من (ت).
(6)
متفق عليه، أخرجه البخاري 1/ 17، في كتاب الإيمان، باب {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} ، الحديث رقم 25. وانظر رقم 2786. وأخرجه مسلم 1/ 53، في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. . . إلخ، حديث رقم 22. وفي الباب حديث أبي هريرة وجابر، خَرَّجه مسلم وأصحاب السنن.