الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والجدليون يعلِّلون مثل ذلك بأن الثاني هنا
(1)
مثلًا: فيه تسليم للحصر، فلا يحسن منعه بعد ذلك
(2)
. والله أعلم.
قال:
(الثالثة: الأمر بعد التحريم للوجوب
. وقيل: للإباحة. لنا: أن الأمر يفيده، ووروده بعد الحرمة لا يدفعه. قيل:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}
(3)
. قلنا: معارض بقوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} )
(4)
.
هذه المسألة مُفَرَّعة على ثبوت أن صيغة "افعل" تقتضي الوجوب، فاختلف القائلون بذلك فيما إذا وردت بعد الحظر: هل هي باقية على دلالتها، أو ورودها بعد الحظر قرينة للإباحة، أم كيف الحال؟ على أربعة مذاهب:
الأول: أنها على حالها في اقتضاء الوجوب. وهو اختيار الإمام وأتباعه
(5)
منهم المصنف، وبه قالت المعتزلة
(6)
، وصححه الشيخ أبو إسحاق
(1)
أي: في هذا الترتيب الذي ذكره الشارح، وهو موافق لترتيب الإمام، رحمهما الله تعالى.
(2)
انظر المعنى الحقيقي لصيغة "افعل" مع الأدلة في: المحصول 1/ ق 2/ 61، التحصيل 1/ 273، الحاصل 1/ 402، نهاية الوصول 3/ 852، نهاية السول 2/ 251، السراج الوهاج 1/ 447، البحر المحيط 3/ 285، شرح المحلي على الجمع 1/ 375، الإحكام 2/ 143، كشف الأسرار 1/ 107، تيسير التحرير 1/ 341، شرح تنقيح الفصول ص 127، بيان المختصر 2/ 19، شرح الكوكب 3/ 39، تفسير النصوص 2/ 240.
(3)
سورة المائدة: الآية 2.
(4)
سورة التوبة: الآية 5.
(5)
انظر: المحصول 1/ ق 2/ 159، التحصيل 1/ 286، الحاصل 1/ 418.
(6)
انظر: المعتمد 1/ 75، الإحكام 2/ 178. وهو مذهب عامة الحنفية، وبه قال =
الشيرازي في "شرح اللمع"
(1)
، والإمام أبو المظفر بن السمعاني في "القواطع"
(2)
، ونقله ابن الصباغ في "عُدَّة العالِم" عن اختيار القاضي أبي الطيب، ونقله ابن برهان في "الوجيز" عن القاضي
(3)
، لكن لم يقل بذلك مطلقًا، وإنما الذي قاله - كما حكاه عنه إمام الحرمين في "البرهان" -:"لو كنت من القائلين بالصيغة لقطعت بأن الصيغة المطلقة بعد الحظر مُجْراةٌ على الوجوب"
(4)
. وكذا قال في "مختصر التقريب": الذي نختاره: أن الأمر بعد سبق الحظر (كالأمر من غير سبقه، وإنْ فرضنا الكلام في العبارة فهي بعد الحظر)
(5)
كهي من غير حظر يَسْبِق، وقد فَرَط
(6)
مِنْ أصلنا المصيرُ إلى الوقف، وها نحن عليه في صورة التنازع كما ارتضيناه في صورة الإطلاق من غير تقدم حظر
(7)
. انتهى.
والثاني: أنها تكون للإباحة ورجَّحه ابن الحاجب
(8)
، ونقله ابن
= الباجي ومتقدمي أصحاب مالك رضي الله عنه. انظر: فواتح الرحموت 1/ 379، أصول السرخسي 1/ 19، كشف الأسرار 1/ 120، شرح تنقيح الفصول ص 139، إحكام الفصول ص 200.
(1)
انظر: شرح اللمع 1/ 213.
(2)
انظر: القواطع 1/ 108.
(3)
انظر: الوصول إلى الأصول 1/ 159.
(4)
انظر: البرهان 1/ 263.
(5)
سقطت من (ت).
(6)
أي: سبق.
(7)
انظر: التلخيص 1/ 287.
(8)
انظر: بيان المختصر 1/ 72، وهو قول بعض المالكية. انظر: شرح تنقيح الفصول ص 139، إحكام الفصول ص 200، تيسير التحرير 1/ 345.
برهان في "وجيزه" عن أكثر الفقهاء والمتكلمين
(1)
، وابن التِّلِمْساني في "شرح المعالم" عن نص الشافعي، وكذا
(2)
نقله عن نصه عبد العزيز بن عبد الجبار الكوفي كما نقله الأصفهاني
(3)
في "شرح المحصول"
(4)
. وقال القاضي في "مختصر التقريب": "إنه أظهر أجوبة الشافعي"
(5)
. وحكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني في باب الكتابة من "تعليقته"
(6)
عن الشافعي. وقال الشيخ أبو إسحاق: "للشافعي كلام يدل عليه"
(7)
. وقال ابن السمعاني: "عليه دل ظاهر قول الشافعي في أحكام القرآن"
(8)
.
والثالث: اختاره الغزالي، وهو أنه
(9)
إنْ كان الحظر السابق عارضًا بعلة
(10)
(11)
، وعلق صيغة "افعل" بزواله مثل: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ
(1)
وهو قول الحنابلة وبعض الحنفية. انظر: شرح الكوكب 3/ 56، التمهيد لأبي الخطاب 1/ 179، العدة 1/ 256، تيسير التحرير 1/ 345.
(2)
في (ت): "وكذلك".
(3)
في (ص)، و (غ)، و (ك):"الأصبهاني".
(4)
انظر: الكاشف 3/ 276.
(5)
انظر: التلخيص 1/ 285.
(6)
في (ت)، و (غ):"تعليقه".
(7)
انظر: شرح اللمع 1/ 213.
(8)
انظر: القواطع 1/ 109، البحر المحيط 3/ 303، 304.
(9)
سقطت من (ص).
(10)
في (ك): "لعلة". وهو موافق لما في المستصفى.
(11)
كما في حظر الصيد على المُحْرم، فإنه عارض بعلة الإحرام.
فَاصْطَادُوا}
(1)
(2)
- فعُرْف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط، حتى يرجع حكمه إلى ما قبله، وإن احتمل أن يكون رَفْعُ هذا الحظر بندب أو إيجاب، لكن هذا هو الأغلب
(3)
، كقوله عليه الصلاة والسلام:"كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا"
(4)
.
وأما إذا لم يكن الحظر عارضًا بعلة
(5)
، ولا صيغةُ "افعل" عُلِّق بزوالها - فيبقى مُوجَبُ الصيغة
(6)
على أصل التردد بين الإيجاب والندب، ويزيد ههنا احتمال الإباحة، وتكون هذه
(7)
قرينة تُرَوِّج هذا الاحتمال
(8)
وإن لم تعيِّنه
(9)
.
وأما إذا لم تَرِد صيغة "افعل" ولكن قال: إذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد - فهذا يحتمل الوجوب والندب، ولا يحتمل
(1)
سورة المائدة: الآية 2. (في النسخ: "فإذا". وهو خطأ).
(2)
المعنى: أن صيغة "افعل" وهي قوله تعالى: {فَاصْطَادُوا} مُعَلَّقة بزوال هذا العارض وهو الإحرام، وهو قوله:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ} .
(3)
أي: الأغلب أنه لرفع الحظر فقط.
(4)
فهذا الأمر (فادخروا) لرفع الحظر فقط، وأما ادخار هذه اللحوم هل هو واجب أو مندوب - فهذا شيء آخر.
(5)
في "ك": "لعلة". وهو موافق لما في "المستصفى".
(6)
موجب: اسم مفعول، أي: ما أوجبته الصيغة.
(7)
أي: كون الحظر عارضًا بغير علة، وصيغة افعل لم تعلَّق بزوالها.
(8)
أي: الإباحة.
(9)
في "المستصفى" تعليل عدم تعيين الإباحة بقوله: إذ لا يُمكن دعوى عرف الاستعمال في هذه الصيغة، حتى يغلب العرف الوضع. انظر المستصفى 3/ 157.
الإباحة
(1)
.
قال: "وقوله: أمرتكم بكذا يضاهي قوله: افعل، في جميع المواضع، إلا في هذه الصورة
(2)
وما يقاربها"
(3)
.
وهذا المذهب أخذه الغزالي مما حكاه إمامه في "البرهان" وفي "التلخيص" عن بعضهم: "إنه إنْ ورد الحظر مؤقتًا، وكان منتهاه صيغةً في الاقتضاء
(4)
فهي للإباحة". قال: "والغرض من مساق الكلام ردُّ الحظر إلى غايةٍ وهي كقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}
(5)
"
(6)
. ثم زاد الغزالي ما ذكره. وقد قال في "التلخيص" عن هذا المذهب: إنه أسدُّ مذهب لهؤلاء"
(7)
.
والرابع: الوقف. وهو مذهب إمام الحرمين
(8)
، واختاره
(1)
في المستصفى تعليل ذلك بقوله: لأنه (أي: الوجوب أو الندب) عُرْفٌ في هذه الصورة. انظر: المستصفى 3/ 157.
(2)
أي: صورة إذا حللتم فأنتم مأمورون.
(3)
انظر: المستصفى 1/ 156، 157.
(4)
أي: ينتهي الحظر بصيغة فيها طَلَبُ وجودِ هذا الفعل المحظور، مثل قوله:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} فقوله: {فَاصْطَادُوا} صيغة فيها طلب الصيد، وكان الصيد ممنوعًا إلى زوال الإحرام.
(5)
سورة المائدة: الآية 2.
(6)
انظر: البرهان 1/ 263، 264.
(7)
انظر: التلخيص 1/ 287.
(8)
انظر: البرهان 1/ 264.
جماعة
(1)
(2)
.
واستدل المصنف على ما اختاره: بأن الأمر يفيد الوجوب؛ إذِ التفريع على القول بذلك
(3)
، ووروده بعد الحرمة غير صالح لأن يكون معارضًا، فإنه كما لا يمتنع الانتقال من التحريم إلى الإباحة، لا يمتنع الانتقال (منه إلى الوجوب؛ لمنافاة كل واحد منهما
(4)
للتحريم، فإذا جاز الانتقال)
(5)
إلى أحد المتنافيين جاز الانتقال إلى الآخر.
واحتج القائل بالإباحة: بأنها وردت لذلك، مثل: قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}
(6)
، وقوله تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا}
(7)
، وقوله تعالى:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ}
(8)
.
(1)
انظر: البحر المحيط 3/ 305، وهو اختيار الغزالي في المنخول ص 131.
(2)
وهناك قول خامس: وهو أن صيغة "افعل" ترفع الحظر السابق، وتُعيد حال الفعل إلى ما كان قبل الحظر، فإن كان مباحًا كانت للإباحة، أو واجبًا أو مستحبًا كانت كذلك. وإلى هذا القول ذهب المجد ابن تيمية ونسبه للمزني، والكمال ابن الهمام.
انظر: المسودة ص 18، تيسير التحرير 1/ 346، فواتح الرحموت 1/ 379، قال الزركشي: وهو ظاهر اخيار القفال الشاشي. انظر: البحر المحيط 3/ 306.
(3)
أي: الخلاف في هذه المسألة مُفَرَّع على القول بأن الأمر يفيد الوجوب.
(4)
أي: من الإباحة والوجوب.
(5)
سقطت من (ت).
(6)
سورة المائدة: الآية 2.
(7)
سورة الجمعة: الآية 10.
(8)
سورة البقرة: الآية 222.
وفي الحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"
(1)
، "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا"
(2)
.
وأجاب في الكتاب: بأن هذه الأدلة معارَضةٌ بقوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ، فإنه يفيد الوجوب؛ لأن الجهاد واجب.
وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}
(3)
، وحَلْق الرأس نُسُكٌ وليس بمباح محض. كذا ذكره الإمام
(4)
.
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي
(1)
أخرجه ابن ماجه بهذا اللفظ في السنن 1/ 501، كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور، رقم 1571. ومسلم في صحيحه 2/ 672، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه، رقم 977، ولفظه: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". وبلفظ مسلم أخرجه النسائي 4/ 89، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، رقم 2032. وأخرجه الترمذي في السنن 3/ 370، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، رقم 1054، وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد في المسند 3/ 38.
(2)
أخرجه مالك في الموطأ 2/ 484، 485، كتاب الضحايا، باب ادخار لحوم الأضاحي، رقم 6، 8. وأحمد في المسند 5/ 75، 76، 355، 359. ومسلم في الصحيح 2/ 672، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة قبر أمه، رقم 977. والنسائي في السنن 4/ 89، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، رقم 2032، 2033. وأبو داود في السنن 4/ 97، كتاب الأشربة، باب في الأوعية، رقم 3698.
(3)
سورة البقرة: الآية 196.
(4)
انظر: المحصول 1/ ق 2/ 161.