الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
انقدحت روايته. قلنا: ربما ظَنَّه دليلًا ولم يكن).
البحث الثاني: فيما إذا عمل الراوي بخلاف العموم هل يكون ذلك
(1)
تخصيصًا للعموم
؟ وقد اختلفوا فيه:
فذهب الأكثرون منهم الإمام والآمدي إلى أنه لا يخصِّص
(2)
، وعزاه الإمام إلى الشافعي، قال: "لأنه قال: إنْ حَمَل الراوي الخبرَ على أحدِ
(1)
سقطت من (ت)، و (غ).
(2)
ومنهم أيضًا ابن حزم، والغزالي، والقرافي. انظر: المحصول 1/ ق 3/ 191، الإحكام 2/ 333، العضد على ابن الحاجب 2/ 151، نهاية الوصول 5/ 1731، المستصفى 3/ 330 (2/ 112)، نفائس الأصول 5/ 2139. تنبيه: قال القرافي في شرح التنقيح ص 219: "ومذهب الراوي يخصِّص عند مالك والشافعي رضي الله عنهما". وهذا النقل عند التأمل يتضح السقط الذي حصل فيه؛ إذ سقطت (لا) منه، فالصواب:"ومذهب الراوي لا يخصص عند مالك والشافعي رضي الله عنهما"، ويدل على هذا التصويب أن الشافعي رضي الله عنه لا يخصص بمذهب الراوي كما هو الجديد من مذهبه، والقرافي رحمه الله تعالى ليس بعيدًا عن "المحصول" فهو شارحه، وقد نَصَّ الإمام على أن مذهب الشافعي عدم التخصيص بمذهب الراوي. ويدل على هذا التصويب أيضًا نَقْلُ صاحب "نشر البنود" عبارة القرافي هذه صحيحة، كما صوبتُها. انظر: نشر البنود 1/ 260، ويوُكد هذا أيضًا صاحب المراقي إذ ذكر في نظمه أن المعتمد عند المالكية هو عدم التخصيص بمذهب الراوي، ومن البعيد أن يعتمد قولًا مخالفًا لصاحب المذهب دون الإشارة إلى مخالفته. وقد ذكر الباجي - رحمه الله تعالى - أن مذهب مالك رضي الله عنه هو المنع من تخصيص العموم بمذهب الراوي. انظر: إحكام الفصول ص 268، وذكر أيضًا ابن الحاجب أن الجمهور على أن مذهب الصحابي ليس مخصِّصًا، خلافًا للحنفية والحنابلة. انظر: العضد على ابن الحاجب 2/ 151.
مَحْمَلَيْه صِرْتُ إلى قوله، وإلا فلا أصير إليه". هذا كلام الإمام، وهو صريح في أن صورة اختياره في المسألة التفصيل الذي ذكره
(1)
.
ومنهم: من يُطْلق القول في المسألة، ويجعل هذا قولًا مُفَصِّلًا.
وذهبت الحنفية والحنابلة إلى أنه يكون مخصِّصًا
(2)
.
وفَصَّل فقال: إنْ وُجد ما يقتضي تخصيصه به لم يخصَّص
(3)
بمذهب الراوي، بل به إن اقتضى نظرُ الناظر فيه ذلك، وإلا خُصَّ بمذهب الراوي. وهو مذهب القاضي عبد الجبار
(4)
.
(1)
لم يتضح لي الاعتراض الذي اعترضه الشارح على الإمام رحمهما الله تعالى، إذ معنى كلام الشافعي رضي الله عنه كما قرره القرافي في نفائس الأصول 5/ 2139:"أن اللفظ تارة يكون مجملًا، كالقرء، فيحمله الراوي على الطهر، فَيُصار إليه؛ لأنه لم يخالف ظاهرًا. وإن حَمَل العموم على الخصوص - لم يُصَرْ إليه؛ لأن ظاهر كلام الشارع حجةٌ دون مذهب الراوي"، فتبين بهذا التقرير أن مذهب الشافعي رضي الله عنه هو عدم التخصيص بعمل الراوي؛ لما فيه من مخالفة الظاهر، لا أن مذهبه التفصيل، كما قال الشارح رحمه الله تعالى.
(2)
هذا بالنسبة لمذهب الصحابي العالم بالعموم، أما مذهب غير الصحابي فلا يخصِّص به الحنفية والحنابلة. انظر: فواتح الرحموت 1/ 355، تيسير التحرير 1/ 326، مناهج العقول 2/ 130، شرح الكوكب 3/ 375، العدة 2/ 579، المسودة ص 127، نزهة الخاطر 2/ 168.
(3)
في (ت)، و (غ)، و (ك):"لم يُخَصَّ".
(4)
ومذهب أبي "الحسين البصري أيضًا. انظر: المعتمد 2/ 175، نهاية الوصول 5/ 1731، المحصول 1 / ق/ 192، تيسير التحرير 3/ 72، كشف الأسرار 3/ 66.
وقال إمام الحرمين: "إنْ عُلم مِنْ حاله أنَّه فَعَل ما يخالف الحديث نسيانًا - فلا ينبغي (أن يكون)
(1)
فيه خلاف؛ إذ لا يظن
(2)
بعاقل أنه يرجح فعْله إذ ذاك. ولو احتمل أن يكون فعله احتياطًا، كما لو رَوَى (ما يقتضى)
(3)
رَفْع الحرج عن الفعل فيما يُظن فيه التحريم - رأيناه متحرجًا عنه
(4)
غير ملابس له: فالتعويل على الحديث
(5)
، ويُحْمل فِعْله على الورع والتعلق بالأفضل. وإن لم يحتمل شيئًا من ذلك - لم يجز التعلق بالحديث"
(6)
.
قلت: وعندي أن محل الخلاف مخصوص بالقسم الثالث
(7)
؛ إذ لا يتجه في القسمين الأولين.
وقد مَثَّل المصنف - تبعًا للإمام - لهذه
(8)
المسألة بما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يُغْسل سبع مرات أُولاهن بالتراب". ورواه البخاري، ولفظه: "إذا
(1)
سقطت من (ت).
(2)
في (ت): "لا ظن".
(3)
سقطت من (غ).
(4)
قوله: "رأيناه متحرجًا عنه" جواب الشرط في قوله: "كما لو روى. . .".
(5)
قوله: "فالتعويل على الحديث" جواب الشرط في قوله: "ولو احتمل أن يكون فعله احتياطًا".
(6)
انظر: البرهان 1/ 442، وقد علل إمام الحرمين هذه الحالة الثالثة بقوله:"فإنه لا يُظن بمَنْ هو مِنْ أهل الرواية أن يعتمد مخالفة ما رواه إلا عن ثَبَتٍ يوجب المخالفة".
(7)
وهو ما لم يحتمل شيئًا من النسيان أو الاحتياط.
(8)
في (ص): "هذه".
شرب"، مع أن أبا هريرة كما رُوي كان
(1)
يغسل ثلاثًا، فلا نأخذ بمذهبه؛ لأن قول الصحابي ليس بدليلٍ؛ إذ نحن مُفَرِّعون على أن قوله غير
(2)
حجة
(3)
.
وهذا المثال على هذا الوجه غير مطابق؛ لأن التخصيص فرع العموم، و"سبع مرات" من أسماء الأعداد التي هي نصوصٌ في مسمياتها
(4)
، لا عامة. نعم قد يحسن إيراد ذلك مثالًا إذا صُدِّرت المسألة هكذا: الراوي الصحابي إذا خالف الحديث، وفَعَل ما يضاده - فهل يُعَوَّل على الحديث، أو على فعله، نحو خبر أبي هريرة؟ وأما لِمَا نحن فيه - فلا يحسن إيراده مثالًا.
ومَثَّل له صفي الدين الهندي، وكذا ابن بَرْهان - كما نقله القرافي عنه - بمثال أقرب من هذا
(5)
: وهو أن ابن عباس رضي الله عنه رَوَى: "مَنْ بدل دينه فاقتلوه"
(6)
، وهذا عام في الرجال والنساء؛ وذهب هو إلى أن المرتدة لا
(1)
في (ص): "قال". وهو خطأ.
(2)
في (ت)، و (غ):"ليس".
(3)
أي: قولنا بمنع التخصيص بمذهب الصحابي - فَرْعُ قولنا: قول الصحابي ليس: بحجة. وعلى هذا فالخلاف في بعض صور هذه المسألة فَرْعُ الخلاف في تلك المسألة. انظر: شرح الكوكب 3/ 375، المسودة ص 127، التلخيص 2/ 128، نزهة الخاطر 2/ 168، المستصفى 3/ 330.
(4)
والنص لا يقبل التخصيص؛ إذ لا يجوز إطلاق العشرة وإرادة الخمسة منها، وإنما يقبل الاستثناء، وما يجري مجراه. انظر: نهاية الوصول 4/ 1736، نفائس الأصول 5/ 2140.
(5)
انظر: نهاية الوصول 5/ 1732، نفائس الأصول 5/ 2140، الوصول إلى الأصول 1/ 293.
(6)
أخرجه البخاري 3/ 1098، في كتاب الجهاد، باب لا يُعَذِّب بعذاب الله، حديث =
تُقتل
(1)
.
قلت: وفي هذا المثال أيضًا نظر، وهو أن مَنْ الشرطية على رأي لا تدخل فيها النساء
(2)
، فلعل ابن عباس يختار ذلك الرأي. على أن كلَّ هذا
= رقم 2854، وأخرجه أيضًا في 6/ 2537، في كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، حديث رقم 6524، من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما.
(1)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عن هذا الحديث "مَنْ بَدَّل دينه فاقتلوه": "واسْتُدِلَ به على قتل المرتدة كالمرتد، وخَصَّه الحنفية بالذِّكر، وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء، وحمل الجمهور النهيَ على الكافرة الأصلية إذا لم تُباشر القتال ولا القتل؛ لقوله في بعض طرق حديث النهى عن قتل النساء لما رأى المرأة مقتولة: "ما كانت هذه لتقاتل" ثم نهى عن قتل النساء. واحتجوا أيضًا بأن مَن الشرطية لا تعم المؤنث. وتُعُقِّب بأن ابن عباس راوي الخبر قد قال: تقتل المرتدة. وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون، فلم ينكِر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كلَّه ابنُ المنذر، وأخرج الدارقطني أثر أبي بكر مِنْ وجه حسن. . ." فتح الباري 12/ 272.
وانظر: سبل السلام 3/ 265، نيل الأوطار 8/ 4 - 5، الحاوي 16/ 412، بداية المجتهد 2/ 459، الإفصاح عن معاني الصحاح 2/ 228، المغني 10/ 74. فالرواية الثابتة عن ابن عباسٍ - رضى الله عنهما - هي القول بقتل المرتدة، أما رواية عدم القتل فلا تثبت. قال ابن حجر رحمه الله في الدراية في تخريج أحاديث الهداية 2/ 136: "ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباسٍ رفعه: "لا تقتلوا المرأة إذا ارتدت". قال الدارقطني: لا يصح، وفيه عبد الله بن عيسى وهو كذاب" ثم تكلم الحافظ على روايات أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما في عدم قتل المرتدة، وبيَّن أنها لا تثبت.
وانظر: نصب الراية لأحاديث الهداية 3/ 456.
(2)
هذا رأي بعض الحنفية، وجمهور العلماء على دخول النساء في "مَنْ". انظر: البرهان 1/ 360، المحصول 1/ ق 2/ 622، جمع الجوامع مع المحلي 1/ 428، العضد على ابن الحاجب 2/ 125، الإحكام 2/ 269، شرح الكوكب 3/ 240.
عدول عن التحقيق، والتمثيل بحديث أبي هريرة وعَمِله صحيحٌ وإنما جاء الفساد فيه من جهة تقريره على الوجه المتقدم. وكان الإمام النَّظَّار علاء الدين الباجي رحمه الله يقرره على الوجه الصحيح: وهو أن الكلب من حيث إنه مُفرد مُعَرَّف للعموم، يشمل كلب الزرع وغيره. وأبو هريرة يرى أن كلب الزرع لا يُغْسل منه إلا ثلاثًا، وغيره يُغْسل منه سبعًا. فقد أخرج بعض أفراد الكلب، هذا هو معنى التخصيص في الحديث.
وهذه فائدة حسنة، لكن ما أدري (مِنْ أين)
(1)
له أن أبا هريرة كان يغسل مِنْ كلب الزرع ثلاثًا، فإن المعروف اختلاف الرواية عن أبي هريرة في أنه هل كان يرى أنَّ الغسلَ من ولوغ الكلب سبعٌ أو ثلاث، فروى الدارقطني بسنده إلى عبد الملك
(2)
، عن عطاء، عن أبي هريرة قال:"إذا ولغ الكلب في الإناء - فأهْرقهِ، ثم اغسله ثلاث مرات"، ثم قال الدارقطني: لم يروه غير عبد الملك عن عطاء عنه
(3)
، قال: والصحيح عنه سبع مرات
(4)
(5)
.
(1)
في (ص): "مِنْ أين كان".
(2)
هو عبد الملك بن أبي سليمان - واسمه ميسرة - أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، وقيل: أبو عبد الله، العَرْزمي. أحد الأئمة، روى عن أنس بن مالك وعطاء بن أبي رباح وغيرهما. قال ابن حجر في التقريب:"صدوق له أوهام". مات سنة 145 هـ. انظر: تهذيب 6/ 396، تقريب ص 363.
(3)
انظر: سنن الدارقطني 1/ 66.
(4)
هذه العبارة لم يقلها الدارقطني بعينها، ولكن هي مفهوم كلامه السابق؛ إذ أورده مورد الاعتراض على الرواية.
(5)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح 1/ 277: "ثبت أنه (أي: أبا هريرة رضي الله عنه) أفتى بالغَسْل سبعًا، ورواية مَنْ روى عنه موافقة فتياه لروايته - أرجح مِنْ =
قلت: فإنْ صح أن أبا هريرة كان يفصل بين كلب الزرع وغيره - يكون ذلك جمعًا بين اختلاف الروايات، فمَنْ روى عنه السبع يكون كلامه في غير كلب الزرع، ومَنْ روى الثلاث يكون مراده بكلب الزرع.
واحتج مَنْ جعل مذهب الراوي مخصِّصًا: بأنه إنما خالف لدليلٍ؛ لأنه لو خالف لا لدليل لَفُسِّق، فلا تُقبل روايته، وإذا كانت مخالفته مستندة إلى دليل - تحتم اتباعه.
والجواب: أنه ربما خالف لشيء ظَنَّ في نفسه - بما أداه إليه نظرُه - كونَه دليلًا، ولم يكن كذلك في نفس الأمر، فلا يلزم القدح في روايته؛ لأنه لم يقدم إلا على حسب تأدية اجتهاده، ولا الاتباع؛ لعدم صحة المظنون
(1)
. بل ولو احتمل: أن ما ظنه حقٌّ في نفس الأمر
(2)
- فليس لنا الانقياد له بمجرد التقليد ما لم يتضح لنا وجه الحق في ذلك. والغرض: أن الذي يتضح لنا خلافُ ما عَمِله؛ لقيام الدليل الذي رواه مُعَارِضًا بحقٍّ لِمَا رآه.
= رواية مَنْ روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر. أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد. وأما المخالفة فمِنْ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير".
(1)
قوله: "ولا الاتباع" عطف على قوله: "فلا يلزم القدح". والمعنى: أنه كما لا يلزم القدح؛ لكونه مجتهدًا، لا يلزمنا اتباعه في اجتهاده؛ لكون اجتهاده مظنونًا، وهو غير صحيح؛ إذ هو مخالف للرواية.
(2)
سقطت من (ص).