الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَباسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ بعَرَفَاتٍ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا، فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ"(1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (1744)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد، باب: لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين، واللفظ له، و (1746)، باب: إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل، و (5467)، كتاب: اللباس، باب: السراويل، و (5515)، باب: النعال السبتية وغيرها، ومسلم (1178)، كتاب الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا يباح، وأبو داود (1829)، كتاب: المناسك، باب: ما يلبس المحرم، والنسائي (2671 - 2672)، كتاب: الحج، باب: الرخصة في لبس السراويل لمن لا يجد الإزار، و (2679)، باب: الرخصة في لبس الخفين في الإحرام لمن لا يجد نعلين، و (5325)، كتاب: الزينة، باب: لبس السراويل، والترمذي (834)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في لبس السراويل والخفين للمحرم إذا لم يجد الإزار والنعلين، وابن ماجه (2931)، كتاب: المناسك، باب: السراويل والخفين للمحرم إذا لم يجد إزارًا أو نعلين.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (2/ 177)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (4/ 53)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 162)، و"المفهم" للقرطبي (3/ 258)، و"شرح مسلم" للنووي (8/ 75)، و"شرح =
(عن) حبر الأمةِ وترجمانِ القرآن (عبدِ اللَّه بنِ عباسٍ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يخطبُ بعرفاتٍ) في حجة الوداع: (مَنْ لم يجدْ نعلينِ).
وفي لفظ: "النعلين" بالتعريف، (1)(فليلبسِ الخفينِ).
وبهذا الحديث احتجَّ الإمام أحمد على عدم القطع.
قال في "الفروع": وإن عدم -يعني: المحرم- نعلين، لبس خفين بلا فدية، نقله الجماعة، ولا يقطع خفيه.
قال الإمام أحمد: هو فساد.
وذكر ما قدمناه عن الموفق من النهي عن إضاعة المال، وذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا، قال أبو الشعثاء لابن عباس: لم يقل: ليقطعهما؟ قال: لا. رواه الإمام أحمد عن يحيى، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، عنه (2)، صحيح. وذكر ما قدمناه من الآثار عن الصحابة (3).
وفي "صحيح مسلم" عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من لم يجدْ نعلين، فليلبسْ خُفَّين، ومن لم يجد إزارًا، فليلبسْ سراويلَ"(4)، قال: ولأن في قطعه ضررًا كالسراويل، فإنه يمكنه
= عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 14)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 952)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 57)، و"عمدة القاري" للعيني (10/ 203)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 314).
(1)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1744، 1746)، ومسلم برقم (1178/ 4).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 228).
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (3/ 273).
(4)
رواه مسلم (1179)، كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا يباح.
فتقُهُ، ويسترُ عورته، ولا يلبسه على هيئته.
وعن الإمام أحمد رواية: إن لم يقطعهما دونَ الكعبين، فدى؛ وفاقًا للأئمة الثلاثة؛ لخبر ابن عمر المار.
والجواب على معتمد المذهب: أن زيادة القطع لم يذكرها جماعةٌ ممن روى الخبر عن نافع.
ورواها عُبيد اللَّه بنُ عمر عن نافع، عن ابن عمر من قوله.
ورواها أبو القاسم بن بشران في "أماليه" بإسناد صحيح من قول نافع، ورواها مالك، وأيوب، وجماعة من الأئمة، فرفعوها.
فقد اختلف فيها، فإن صحت، فهي بالمدينة؛ لرواية الإمام أحمد عن ابن عمر: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر، وذكره، (1) والدارقطني: أن رجلًا نادى في المسجد: ما يتركُ المحرِمُ من الثياب؟ قال الدارقطني: سمعت أبا بكر النيسابوريَّ يقول: هو في حديث ابن جريج، وليث بن سعد، وجويرية بن أسماء، عن نافع، عنه (2).
وخبرُ ابن عباس بعرفاتٍ، فلو كان القطعُ واجبًا، لبينه للجمع العظيم الذي لم يحضر أكثرُهم أو كثير منهم كلامَهُ بالمسجد في موضع البيان ووقتِ الحاجة.
لا يقال: اكتفى بما سبق؛ لأنه يقال: فلمَ ذكرَ لبسَهما، والمفهومُ من إطلاقه لبسُهما بلا قطع؟ ثم يحمل على الجواز؛ كما سبق في كلام القاضي، وأجاب عن قولهم: المقيدُ يقضي على المطلَق بالمنع في رواية.
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 32).
(2)
رواه الدارقطني في "سننه"(2/ 230).
ثم إذا لم يمكن تأويله، وعن قولهم فيه زيادة لفظ بأن خبرنا فيه زيادةُ حكمِ جوازِ اللبس بلا قطع؛ يعني: وهذا الحكمُ لم يشرع بالمدينة، وقاله شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أولى من دعوى النسخ كما قاله صاحب "المغني"(1)، و"المحرر"(2).
وفي "شرح البخاري" للقسطلاني (3)، قال الخطابي: العجبُ من الإمام أحمدَ في هذا -يعني: في قوله بعدم القطع-؛ فإنه لا يكاد يخَالف سنةً تبلغُه (4).
قال الزركشيُّ الحنبليُّ: العجبُ كل العجب من الخطابي في توهُّمه عن الإمام أحمد مخالفةَ السنةِ، أو خفاءها، وقد قال المروذي: احتججتُ على أبي عبد اللَّه بقول ابن عمر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "وليقطع أسفلَ الكعبين"، فقال: هذا حديث، وذاك حديث، فقد اطلع على السنَّة، وإنما نظر نظرًا لا ينظره إلا الفقهاء المتبصرون، وهذا يدل على غاية الفقه والنظر، انتهى (5).
قال في "الفروع": وإن لبس المحرم مقطوعًا دونهما -يعني: الكعبين-، مع وجود نعل، لم يجز، وفدى، نص عليه الإمام أحمد؛ وفاقًا لأبي حنيفة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم شرطَ لجواز لبسهما عدمَ النعلين، وأجازه؛ لأنه
(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 139).
(2)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (273 - 275).
(3)
انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 314).
(4)
انظر: "معالم السنن" للخطابي (2/ 176 - 177).
(5)
انظر: "شرح الزركشي على الخرقي"(3/ 115). قال ابن العربي في "العارضة"(4/ 55 - 56)، وأما أحمد فعلى صراط مستقيم، وهذه المقولة لا أراها صحيحة، فإن حمل المطلق على المقيد أصل أحمد، انتهى.
يقارب النعلين، ولم يجزه؛ لإسقاط الفدية، ولأنه مخيط لعضو بقدره كغيره.
وذكر القاضي في المسألة الأولى جوازه، وابن عقيل في "مفرداته"، وصاحب "المحرر"، وحفيده شيخ الإسلام؛ لأنه ليس بخف، وإنما أمرهم بالقطع أولًا؛ لأن رخصةَ البدل لم تكن شُرعت؛ لأن المقطوع يصير كنعل، فإباحته أصلية، وإنما المباح بطريق البدل الخفُّ المطلَق، وإنما شُرط عدم النعل؛ لأن القطع مع وجوده إفساد، وللشافعي قولان (1).
(ومن لم يجد إزارًا) وهو ما يُشدُّ في الوسط، (فليلبس السراويل)، وفي لفظ:"سراويل"(2) بلا تعريف.
(للمحرم) بلام البيان كهي في قوله تعالى: {هَيْتَ لَكَ} [يوسف: 23]، وفي نحو سقيًا لكَ؛ أي: هذا الحكم للمحرم (3).
وفي لفظ: يعني: "المحرم"(4).
قال في "الفروع": وإن عدم -يعني: المحرم- إزارًا، لبس سراويلَ، نص عليه الإمام أحمد، وفاقًا للشافعي؛ لهذا الحديث، فأجاز الإمام أحمد رضي الله عنه لبسَ السراويل مطلقًا لعدمِ الإزار، فلو اعتبر فتقه، لم يعتبر عدمُه، ولم يشتبه على أحد، ولم يوجب فدية، وحملها أولى من جواز اللبس، ولأنه جعله بدلًا، وهو يقوم مقام المبدل عنه.
ومتى وجد إزارًا، خلعَ السراويل.
(1) انظر: "الفروع" لابن مفلح (3/ 275).
(2)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1744، 5467).
(3)
انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 314).
(4)
كذا في رواية الكشميهني كما نقله القسطلاني في "إرشاد الساري"(3/ 314).
وعند أبي حنيفة، ومالك: إن لبسَ سراويل، فدى.
قال الطحاوي: لا يجوز لبسُه حتى يفتقه، ومعناه في "الموطأ"، وأنه لم يسمع بلبسه؛ لأنه لم يَرِدِ الخبر فيه (1).
قلت: ولفظ الإمام مالك في "الموطأ" بعدَ ذكرِ حديثِ ابنِ عمرَ المارِّ: قال يحيى: وسُئل مالكٌ عَمَّا ذُكر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "مَنْ لم يجدْ إزارًا، فليلبسْ سراويل"، فقال: لم أسمعْ بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرمُ سراويل؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس السراويلات فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن فيها كما استثنى في الخفين (2). انتهى.
وجَوَّزه أصحابهُ، والرازي بلا فتق، ويفدي، وفى "الانتصار" احتمال يلبس سراويل للعورة فقط (3).
تنبيهان:
الأول: الكعبان هما العظمان الناتئان عند ملتقى الساق والقدم، وهذا قول الأئمة.
وذهب متأخرو الحنفية إلى التفرقة في غسل القدمين في الوضوء بين [الكعب في غسل القدمين في الوضوء، و] الكعب المذكور في قطع الخفين للمحرم، وأن المرادَ بالكعب هنا المفصلُ الذي في القدم عند معقد الشِّراكَ دون [الناتيء](4).
(1) انظر: "الفروع" لابن مفلح (3/ 273).
(2)
انظر: "الموطأ" للإمام مالك (1/ 325).
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (3/ 273).
(4)
في الأصل: "الثاني".
وأنكره الأصمعي، وقال الحافظ العراقي: إنه -يعني: قول متأخري الحنفية- أقربُ إلى عدم الإحاطة على القدم (1).
ولا يحتاج القول به إلى مخالفة اللغة، بل يوجد ذلك في بعض ألفاظ حديث ابن عمر، ففي رواية الليث عن نافع، عنه:"فليلبسِ الخفَّين ما أسفل من الكعبين"(2)، فقوله:"ما أسفل" بدل من "الخفين"، فيكون اللبسُ لهما أسفلَ من الكعبين، والقطعُ من الكعبين فما فوق.
وفي رواية مالك عن نافع، عنه:"وليقطَعْهما أسفلَ من الكعبين"(3)، فليس فيه ما يدل على كون القطع مقتصرًا على ما دون الكعبين، بل يزاد مع الأسفل ما يخرج القدم عن كونه مستورًا بإحاطة الخف عليه، ولا حاجة حينئذ إلى مخالفة ما جزم به أهل اللغة، انتهى.
وإذا لبسَه والحالةُ هذه، تلزمُه الفديةُ عند الحنفية (4)، واللَّه أعلم.
الثاني: السرُّ في تحريم لبسِ المَخِيط وغيرِه مما ذُكر للمحرم مخالفةُ العادة، والخروجُ عن المألوف؛ لإشعار النفس بأمرين: الخروجِ عن الدنيا، والتذكرِ للبسِ الأكفانِ عند نزع المخيط، وتنبيهًا على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها، وذلك موجبٌ للإقبال عليها، والمحافظةِ على قوانينها وأركانها وشرائطها وآدابها، واللَّه أعلم (5).
* * *
(1) انظر: "طرح التثريب" للعراقي (5/ 53).
(2)
تقدم تخريجه عند النسائي برقم (2673).
(3)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1468، 5466)، ومسلم برقم (1177).
(4)
انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 314).
(5)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 13).