الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: «وعلى بابها مكتوب بتولي بن أبي عصرون» . انتهى.
وهذه المدرسة بلغني من المتقدمين أنها مهجورة والدليل على ذلك ما تقدم من قول ابن شداد أنه جعل فيها مساكن للمرتبين بها. وهذه المدرسة يدخل إلى داخلها بدرج. ولها باب آخر من الغرب. وبها قاعة لمدرسها، ووقف لها واقفها أوقافا: حوانيت، وقرى داخل حلب وخارجها.
ثم بعد المحنة التمرية لما قدم المؤيد إلى حلب جدد سوقها، وجعله نصفين نصفا لمدرسته بالقاهرة. ونصفا لهذه المدرسة وذلك بطريق شرعي فجزاه الله خيرا لأنه كان قادرا على استئجاره بأجرة بخسة وذلك بإشارة شيخنا المؤرخ وتكلمه مع القاضي ناصر الدين بن البارزي- كاتب سره-.
وقام بعمارته القاضي شهاب الدين ابن السفاح.
ورتب والدي الفقها [ء] على السوق المذكور. وفي سنة أربع وسبعين [كان] عدد الفقهاء المرتبين بها فوق المائة.
[السلطان نور الدين الشهيد] :
والسلطان نور الدين تقدم بعض ترجمته، ومناقبه كثيرة. توفي يوم الأربعاء حادي عشر شوال بعلة الخوانيق بقلعة دمشق سنة تسع وستين وخمسمائة وكان أسمر طويل القامة. ليس له لحية إلا في حنكة. حسن الصورة ومولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة. وملك حلب سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وكان كما قيل:
جمع الشجاعة والخشوع لربه
…
ما أحسن الشجعان في المحراب
قيل إن الدعا [ء] عند قبره مستجاب.
ورأيت في ديوان الصبابة، قال: حكي عن السلطان نور الدين أنه اشترى مملوكا بخمسمائة دينار. وخلعه. ونعله. وكان جميل الصورة. وسلمه إلى خادم كان قد
ربى «1» السلطان يقال له: «سهيل» :. فقال في نفسه: إنّا لله (45 ظ) م (43 ظ) ف وإنا إليه راجعون. هذا ما اشترى مملوكا بخمسمائة دينار قط. قال فتركني أياما وقال:
أحضره مع المماليك يقف في الخدمة كل يوم.
فلما كان بعد أيام قال: أحضره بعد العشا [ء] إلى الخيمة. ونم أنت وإياه على باب البرج. فقلت في نفسي: هذا الشيخ في زمان شبابه ما ارتكب كبيرة. ولما كبر سنه يقع فيها. والله لأقتلّنه قبل أن يقع في المعصية. فأخذت كنارة «2» فأصلحتها وجئت بالمملوك وأنا قلق. فسهرت عامة الليل ونور الدين في أعلى «3» البرج. ثم غلبتني عيني فنمت. ثم استيقظت فوقعت يدي على وجه الغلام فإذا عليه حمى شديدة.
فرجعت به إلى خيمتي فمات وقت الظهر. فدعاني نور الدين في اليوم الثاني وقال: يا سهيل إن بعض الظن إثم.
قال: فاستحيت. فقال: قد عرفت حالي منذ ربيتني هل عثرت لي على زلة. قلت:
حاشا لله. قال: فلم حملت الكنارة، وحدثتك نفسك بالسوء. ما أنا معصوم. لما رأيت المملوك وقع قلبي منه مثل النار، فقلت اشتريه لعل يذهب عني ما أنا فيه فلم يذهب. فقالت لي نفسي: أريد أن أراه كل يوم فأمرتك بإحضاره. فقالت أريد أن تحضره الى البرج بالليل فأمرتك باحضاره. فلما حضر ما تركتني النفس أنام. وبقينا في حرب إلى السحر فهممت أن أصعده إلى عندي. فتداركني الله برحمته. فكشفت رأسي وقلت: الهي عبدك محمود المجاهد في سبيلك. الذاب عن دين نبيك صلى الله عليه وسلم، الذي عمر المساجد والمدارس والرباطات؛ تختم أعماله بمثل هذا فسمعت
هاتفا يقول: قد كفيناك يا محمود. فعلمت أنه قد حدث به حادث (!) وأما أنت فجزاك الله خيرا. والله إن القتل أهون عندي من المعصية ثم أحسن إلى سهيل.
[القاضي ابن عصرون] :
وأما ابن عصرون «1» فهو القاضي عبد الله بن محمد بن هبة الله بن المظهر بن علي، أبو سعد التميمي. الحديثي، ثم الموصلي، قاضي دمشق، وصاحب كتاب «الانتصار» «2» و «المرشد» «3» و «صفوة المذهب» «4» وغير ذلك. تفقه على القاضي أبي علي الفارقي، وأسعد الميهني وغيرهما. ودرس بسنجار وحلب ودمشق. وكان من الأئمة ذوي الدين والدنيا مولده في ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة «5» وتوفي في رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة. انتهى «6» .
ولم يزل متوليا أمر تدريس هذه المدرسة تدريسا، ونظرا إلى أن خرج إلى دمشق سنة سبعين وخمسمائة.
ولما خرج «7» استخلف فيها ولده نجم الدين ولم يزل بها إلى أن وليّ قضا [ء] حماه فخرج عنها.
واستناب فيها ابن أخيه عبد السلام.
ولم يزل بها مدرسا إلى أن ورد على حلب ولده قاضي القضاة نجم الدين أبو البركات عبد الرحمن من حماة في أيام الظاهر غازي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة فوليّ تدريسها بنفسه.
ولم يزال إلى أن رحل عن حلب إلى حماة فتوفي بها يوم (44 ظ) ف الثلاثا [ء] ثامن عشر رمضان سنة اثنين وعشرين وستمائة. واستخلف فيها فخر الدين سرحان بن الحسن بن الحسين الأرموي. وكان ينوب عن والده الشيخ شرف الدين. ولم يزل بها مدرسا نيابة واستقلالا إلى أن خرج من حلب سنة خمس وستمائة يريد إربل. فلما وفد على الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري «1» - صاحب إربل- أكرمه، واحتفل به. وكان يتردد إليه. فأقام بإربل إلى أن توفي في حادي عشر جمادى الآخرة سنة سبع وستمائة.
قلت «2» : «قال ابن المستوفى في تاريخ إربل: سبب خروج سرحان من حلب أنه كان بمدرسته بركة ماء فيها سمك فغسل الفقهاء «3» يوما ثيابا وألقوا ماء الصابون في البركة.
فمات السمك. فأخبر بذلك. فضرب الفقهاء. وأخرجهم من ذلك المكان. فأخرجوه.
وتولى تدريسها بعد خروجه من حلب الشيخ شهاب الدين عبد السلام بن المطهر بن الشيخ شرف الدين أبي سعيد عبد الله «4» بن أبي عصرون. واستناب (45 ظ) م ولده قطب الدين أحمد. ولم يزل متوليها إلى أن توفي بدمشق في الثامن والعشرين من المحرم سنة اثنين وثلاثين وستمائة.
ثم وليها بعده قطب الدين أحمد، وعز الدين عبد العزيز بن «1» عجم الدين عبد الرحمن ابن شرف الدين ولم يزالا بها إلى أن وقعت لهما واقعة بحلب فصرفوهما منها. وحبسا. ثم أخرجا من حلب سنة ست وثلاثين وستمائة. فقصد قطب الدين دمشق فأقام بها. وقصد عبد العزيز مصر، واتصل بالملك الصالح نجم الدين أيوب وأرسله إلى بغداد مرتين. ولما عاد من رسالته في المرة الثانية توفي بالقدس في رمضان أو شوال سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
وتولى تدريسها بعدهما شرف الدين عثمان بن محمد بن أبي عصرون مدة. ثم رحل إلى دمشق.
وتولاها نجم الدين أحمد بن عز الدين عبد العزيز؛ المتقدم ذكره. ولم يكن نبيها ولم يزل مدرسا بها إلى أن كانت حادثة التتر.
وتولى تدريسها بعد من ذكرنا جماعة منهم:
[محمد بن عبد القاهر بن النصيبي] :
العلامة محمد بن محمد بن عبد القادر بن النصيبي، وهو الشيخ الجليل، الفقيه الأديب.
ولي المناصب. واستوزر بحماة. ووليّ وكالة بيت المال بحلب. ثم وليّ نظر الأوقاف بها.
سمع من أبي المحاسن بن شداد وغيره. مولده بحلب خامس صفر سنة ثماني عشرة وستمائة بدرب الديلم.
وتوفي في رجب سنة ست وتسعين وستمائة بحلب.
[محمد بن أحمد بن عبد القاهر بن النصيبي] :
وتولى تدريسها محمد بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن النصيبي، الشيخ الجليل: الرئيس الكاتب وكيل بيت المال. ولد سنة إحدى وأربعين [وسبعمائة] .
وسمع الكثير من [ا] بن خليل. وكانت فيه شهامة، ودها [ء] . أخذ إلى مصر مقيدا. فحبس مدة. ثم أطلق.
مات في [ذي] القعدة سنة خمس عشرة وسبعمائة. وكان في أواخر (44 ظ) ف عمره على طريقة حسنة. انتهى.
ولو أردنا استيعاب من درس بها مع إيراد تراجمهم لطال علينا مقصودنا لكن نذكر بعضهم:
فدرس بها قبل محنة تمر الشيخ شرف الدين الأنصاري.
وبعد المحنة التمرية درس بها شيخنا المؤرخ دروسا حافلة سيما أن كافل حلب قصروه اعتنى بعمارة المدارس فعمر شيخنا المدرسة المذكورة ودرس بها وحضر معه الكافل وفضلا [ء] حلب كوالدي والشيخ عبيد والشيخ بدر الدين بن سلامة. ثم لم يزل يدرس بها بمسند الإمام الشافعي ويتكلم عليّ بالأحاديث من التمهيد لابن عبد البر يسوق الخلاف العالي والنازل إلى أن توفي.
ودرس قبل وفاته إذ عزل من القضاء وبعد وفاته كمال الدين بن شيخنا زين الدين بن الخرزي. ثم درس بها قاضي المسلمين جمال الدين بن الياعوني. وكان يدرس دروسا جيدة، سمعته مرة يقول في درسه:«قال به سليم الرازي» فرد عليه الشيخ يوسف الكردي أنه بفتح السين. فانتصرت للمدرس وقلت أنه بالضم. فكشفنا النقول «1» فلم نر فيه غير الضم. فأصلح بيننا. وأحسن إلينا، وعمر المدرسة في أيامه. ولم يستثن أحدا من القطع بل قطع معلومه أولا. ودرس فيها الشريف الحسيني- قاضي حلب- دروسا محكمة تدل على سعة اطلاعه. وألزمني بالدرس عنه نيابة. فدرست درسا في كتاب:«الإجازة من المنهاج» تبعا لدرسه.
وهذا آخر من درس بها. وإذا تأملت ما ذكرنا علمت أن التدريس لم (46 و) م يكن بشرط الواقف للقاضي الشافعي. انتهى.
«المدرسة النفرية أالنورية الشافعية» :
أنشأها الملك نور الدين في سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
[قطب الدين مسعود بن محمد الطرثيثي] :
أول من ولي التدريس بها قطب الدين مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري الطرثيثي مصنف كتاب «الهادي في الفقه» «1» . والتزم فيه أن لا يأتي إلا بالقول الذي عليه الفتيا.
وكان اشتغال قطب الدين هذا بنيسابور ومرو. وسمع الحديث وقرأ القرآن والأدب على والده. ورأى الأستاذ أبا نصر القشيري، ودرس بالمدرسة النظامية بنيسابور نيابة عن ابن الجويني «2» . وقدم دمشق سنة أربعين وخمسمائة ووعظ بها. وأقبل الناس عليه. ودرس. ثم رحل إلى حلب. فولي تدريس المدرسة المذكورة، وولي تدريس الأسدية التي بالرحبة، ثم مضى إلى همدان، ودرس بها. ثم عاد إلى دمشق ودرس بالزاوية التي كان يدرس بها أولا، وكان من العلم والدين والصلاح والورع بمكان كبير مطرحا التكليف.
ولد سنة خمس وخمسمائة ثالث عشر رجب وتوفي آخر يوم من شهر رمضان (45 و) ف سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وصلى عليه نهار الجمعة يوم العيد ودفن في مقبرته التي أنشأها جوار مقابر الصوفية- غربي دمشق- وكان «1» يقول: «ثلاثة أشيا [ء] ليس في الدنيا أشد منها:
عرق النسا [ء] ، وطريق النسا [ء] ، وخلق النسا [ء] .» .
ثم وليّ تدريسها بعده مجد الدين طاهر بن نصر الله بن جهبل «2» . ولم يزل مدرسا بها إلى أن نقل إلى القدس الشريف، وتوفي بها في سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
وبعد ما نقل المذكور وفي تدريسها القاضي ضيا [ء] الدين أبو البركات محمد بن المنصور بن القاسم الشهرزوري الموصلي. تفقه بالموصل على القاضي بهاء الدين بن شداد. وعلي بن يونس. وقدم حلب. وتولى نيابة الحكم بها عن القاضي بها [ء] الدين ابن شداد.
ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي في الثامن من شعبان سنة إحدى وستمائة فولي تدريسها القاضي نجم الدين الحسن بن عبد الله بن أبي الحجاج العدوي الدمشقي الأصل، والمنشأ. وكان فقيها فاضلا عارفا بالأصلين بارعا فيهما وفي الخلاف والطريق ووليّ أيضا معها نيابة القضا [ء] عن القاضي بها [ء] الدين ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول ودفن نهار الأحد سابع عشر سنة ثلاثة وعشرين وستمائة.
فولي تدريسها بعده صدر الدين محمد الكردي الكاجلي- قاضي منبج- ولم يزل مدرسا بها إلى أن سافر إلى مرعش. وولى القضا [ء] بها والوزارة سنة سبع وعشرين وستمائة وتوفي بمرعش.