الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولها منارة محكمة قصيرة. وعليها كتابة كوفية لا أدري ما هي «1» (!)
أنشأها الشيخ الإمام شرف الدين أبو طالب عبد الرحمن بن العجمي- وترجمته مع أقاربه- وأصرف على عمارتها ما ينيف على أربعمائة ألف؛ كذا قال ابن شداد «2» وكان بشماليتها قبل فتنة تمر صندوق من الخشب ذكر أقارب واقفها أنه لأجل آلة العمارة «3» .
وبعضهم يقول: ملأه دراهم وأصرفها في عمارتها وبالغ بعضهم فقال: أنفق ملأه دراهم برسم مونة لطعام الفعول.
وأخوه الشيخ شمس الدين جدي كان يحسن الكيمياء. ويدفع لأخيه ليعمر بها؛ كما سيأتي في الشمسية.
وهذه المدرسة عظيمة؛ قال الذهبي فيها: وهي حسنة مليحة. وهي في غاية الارتفاع، وحسن البناء والصنعة. فالبوابة لم ينسج على منوالها وإيوانها فرد في بابه، ومحرابها غاية في الجودة، ورخام أرضها محكم، وبركتها من أعاجيب الدنيا؛ (51 و) ف عشرة أحجار لا يهتدى إلى تركيبها إلا الحذاق. وعمقها الآن قامة وبسطة وقيل: كانت أعمق من ذلك.
وببركة واقفها وقع بها أناس ولم يغرق منهم أحد وضرب «4» صاحبها التتار فيها.
والحجر الأصفر الشمالي منها رؤي النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليه. وكان والدي لا يصعد فوقه. بل يغسله. ويتوضأ إلى جانبه.
وكان يأتي الماء إليها في زمن واقفها من دولاب [ا] تجاه باب المدرسة الكبير، وصنع لها واقفها سربا لأجل خلائها من المدرسة إلى خارج البلد لم يشارك أحد فيه، بل مختص بهذه المدرسة. وقد خسفت تنورتها إلى خارج المدرسة شماليها. وأسقفت.
وبهذه التنورة جباب لأجل القاذورات إذا امتلأت سرحت في السراب. ولما خسفت أخذ خشب الشمالية وأسقفت به. وكان والدي يقول: لا بد أن يخسف ثانيا. لأنه كان أولا قبوا وقد ترك الشيخ يعقوب القيم بالمدرسة بهذا السرداب (51 ظ) م فرآه محكما فوصل إلى باب الرواحية. ورجع.
وهذه المدرسة مبنية بالحجر الهرقلي، وعليها نورانية ظاهرة. ورؤيتها تورث فرحا وانشراح صدر. وكيف لا ومعلم بنائها هو العبد الصالح شيخ الطريقة أبو بكر النصبة المدفون بمقام الشيخ فارس في جبل بابلي، واسمه مكتوب على محرابها. واسم النحات مكتوب على بابها. واسمه أبو الثناء بن ياقوت وصنع لها طرازا على حائطها الأعظم ليكتب عليه ما أراد. وكذلك على إيوانها. فلم يتفق ذلك. لأن واقفها اخترمته المنية. ولم يكملها. ومدة عمارتها أربعون سنة. وكان رحمه الله لا يجلس على دككها التي خارج بابها لئلا تنسب إليه إنما كان يجلس على دككها داخل الباب، وفي إيوانها.
وهذه المدرسة بها ثلاثة أدوار من الخلاوى المحكمة البناء والأبواب والخزائن. وبها بأعلى «1» الإيوان مع أعلى «2» حاصلها المعروف الآن بالمغارة قاعة مليحة للمدرس، ولهذه القاعة باب من الإيوان. وباب من أرض المدرسة. وبصدر هذا الإيوان بادهبخ له ثلاثة أبواب ثم سد بابان منهم لأجل الزلزلة خوفا على الإيوان.
وفي هذه المدرسة بئران وصهريجان على بئر منهم قنطرة من الحديد مكتوب عليها:
«وقف هذه القنطرة واقف هذه المدرسة عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن العجمي على مصالح الجب في شهر ربيع الأول سنة أربعين وستمائة «1» واسم صانعها: علي بن أبي بكر ابن مسلم. وعليها خط بالكوفي لا أدري ما هو. وهذه الكتابة ليست حفرا. وإنما هي بالقلم المجوز. وعليها صنعة حفر من بدائع الرسم. وهذه القنطرة الحديد من العجائب.
ومشاهدتها تورث الفكرة كيف صنعت.
وإلى جانب المدرسة تربة الواقف وهو مدفون بها بوصيته وعليها وقف (51 ظ) ف وزاد وقفها بنت ابنه عائشة.
وإلى جانب قبليتها مسجد قديم لم يغيره الواقف بل عمر حائطه. وأبقى «2» باب المسجد في مكانه. وفتح له إلى قبلية المدرسة بابا آخر؛ كذا «3» قيل لي. ورأيت في كتاب وقفها أن الواقف هو الذي بناه ووقفه مسجدا.
وإلى جانب هذا المسجد بيت كان اصطبلا للعجول التي كانت تجلب الأحجار لبناء المدرسة. وكان الواقف- رحمه الله إذا أعاقه في طريق العجول الذي تجلب الأحجار عائق من بناء اشتراه من مالكه. وهدمه حتى تمر العجول هناك. وكان بهذه المدرسة من الأبواب المنجورة على الخلاوى من أحسن الصنائع المطعم والحفر والخيط والمكولك وغير ذلك مما يفتخر به الصناع. وقد ذهب غالبها من عدم التعهد.
وكان بالمغارة المذكورة في هذه المدرسة من الرخام الملون والفصوص الملونة مالا مزيد عليه ليرخم به الإيوان وحائطه، والقبلية وحائطها. فلما توفي واقفها- رحمه الله أخذه أقاربه واقتسموه وجعلوه في بيوتهم.
وقد وقف الواقف- رحمه الله تعالى- على هذه المدرسة الكتب النفيسة من كل فن، من حديث وتفسير وفقه ونحو وغير ذلك. فمن كتبها:(مسند الإمام الشافعي) و (الأم) وجميع كتب الإمام الشافعي رضي الله عنه وكتب الاصحاح: (52 و) م (كتفسير الثعلبي) وغيره من التفاسير. و (كالنهاية) و (الحاوي الكبير)«1» و (الإبانة)«2» و (التتمة)«3» و (الذخائر)«4» و (الشامل)«5» ومن الحديث: الكتب الستة «6» .
وكان بها جميع كتب المذهب. ولم يفته شيء سوى كتب الرافعي والنووي لأنهما لم تصل كتبهما إذ ذاك إلى حلب. وكان بها أربعون نسخة من (التنبيه)«1» . وجميع كتب الغزالي «2» . وكانت أسماء الكتب مثبتة عند أقاربه في درج كبير فذهب في محنة تمر.
وبلغني أنه شرط في وقفها إلى أن يشترى لأبواب المدرسة الحصر من عبادان. والبسط من اقصراي. وأقاربه يقولون أن من شرطه أن لا يتعرض على الناظر في أمر المدرسة. وإن اعترض معترض يغلق بابها ويعود وقفها وقفا على أهليه؛ وقد رأيت ذلك في كتاب وقفها.
وقد وقف لها الأوقاف الجليلة كالقرشية في طريق بالس. وغير ذلك. وشرط لها مؤذنين يؤذنون على بابها. ومن جملة الموقوف على المؤذنين حصة بقرية حربيل «3» . ووقف غير واقفها عليها- وهو الطرسوسي- حصة بقرية ديد حين آلت إليها. ولها باب من جهة القبلة يفتح إلى بيوت الخطيب هاشم. انتهى.
وقد درس فيها ولده محي الدين محمد؛ واسمه مكتوب على الكتب الموقوفة عليها وأعاد له منها عشرة أنفس ولم يكن في عصرهم في سائر البلاد ومثلهم إلى أن (52 و) ف قتل شهيدا بأيدي التتر بعد استيلائهم على حلب.
وأما الواقف فإنه توفي بعد استيلاء التتر على حلب في رابع عشر صفر سنة ثمانين وخمسين وستمائة. انتهى.